info@suwar-magazine.org

"قانون قيصَر" وحكاياتٍ جديدةٍ لأطفال الشّوارع

"قانون قيصَر" وحكاياتٍ جديدةٍ لأطفال الشّوارع
Whatsapp
Facebook Share

 

 

إذا كنّا نضمّد الظّلال، فمن غير المتوقّع أن يلتئمَ الجرحُ، فالثّاني من حزيران من كلّ عامٍ يقدّم دليلاً واقعيّاً على ذلك، باعتباره اليوم العالميّ لعمالة الأطفال، والذي لم يسمع به الكثيرون، حيث تُعيد الهيئاتُ والمؤسّسات العالميّة والمحلّيّة في هذا اليوم أسطوانتها المشروخة، مرفقةً بنسبٍ وإحصائيّاتٍ تتزايد عاماً إثر آخر, وتخلص إلى الأسباب والنّتائج والتّوصيات ومشاريع العمل والوعود ذاتها، بينما الأطفال مازالوا يدفعون فواتيرنا الباهظة ويسدّدون ضرائب ما فُعل بنا وما فعلناه بالعالم، بالتّالي مهما تكن الصّور التي يرسمها الآخرون على أيّ موقعٍ ما مشرقةً، فهي لن تعدو أن تكون أكثر من إسفنجةٍ تمتص ماء تعاطفنا، وبينما نحن نفرغ ونفرغ، تنتفخ الصورةُ لتحجبَ الواقع برمّته.

 

في الوقت الذي يُنفق العالم ميزانياته الهائلة على التّسلّح والسّلاح، هناك في أقصى الجنوب السّوريّ، طفلٌ يهرب من صِبْيَةٍ يريدون سلب غلّته التي قضى نهاراً مرّاً في جمعها من بيع البسكويت، وشاءت الصّدفة أنّ الباب الذي طرقه ليحتمي به، كان باب (بيت الحكايا)، الباب الذي سيَفتحُ أمامنا قلوب هؤلاء الأطفال؛ (بيت الحكايا هو ورشة عملٍ لمجموعة أطفالٍ تضمّ نشاطاتٍ فنّيّةٍ متنوعةٍ أبرزها المسرح وكتابة القصص)، فكنان(اسمٌ مستعارٌ) الذي تمّ استقباله في بيت الحكايا، وجلس مع أطفاله، ودُهش بما يحتوي من نشاطاتٍ وبما لمسه من حبٍّ، طلب الإذن من مشرفتي بيت الحكايا أن يصطحب أصدقاءه إلى هذا المكان، وبالفعل هذا ما حدث، بدأوا يرتادون المكان مرّةً كلّ أسبوعٍ، حيث يتغيّبون عن الشّارع لمدّة ساعةٍ كاملةٍ كاستراحة منحوها لأنفسهم من العمل.

 

تُخبرنا إحدى مشرفات بيت الحكايا عن تجربتهم مع هؤلاء الأطفال قائلةً: " ما أن يدخلوا حتّى يرمون علبَ البسكويت جانباً، ويركضون مسرعين اتّجاه المسرح، ليستمتعوا بحمل العرائس والتّمثيل والرّسم وصُنعِ الشّخصيّات، لقد أدهشنا هؤلاء الأطفال بجمال أفكارهم عندما بدأوا بالرّسم والتّلوين ونسجِ القصص، لقد كانت رسوماتهم زاهيةً وقصصهم تنمُّ عن فكرٍ صافٍ وعواطف إيجابيّةٍ، ومن خلال مسرح العرائس استطاعوا تصوير معاناتهم بدقّةٍ، والتي تبدأ بتلقي الكلام الجارح من السّائقين والمارّة وأصحاب المحلاّت، مروراً بالضّرب والتّنمر، وصولاً إلى التّحرّش الجنسيّ، فإحدى الفتيات أخبرتنا عن طريق مسرح العرائس كيف تعرّضت للتحرّش الجنسيّ عندما كانت تبيع البسكويت في إحدى وسائط النّقل".

 

القراءة العميقة التي قدّمتها مشرفات بيت الحكايا لتجربتهم مع هؤلاء الأطفال ربما تُمكّننا من فهم معاناتهم أكثر وأكثر "الأطفال الخمسة الذين جمعهم الشّارع بسبب ظروف الحرب والنّزوح والعوز، جمعهم هذه المرّة الفرح والاهتمام والحبّ في بيت الحكايا، فالبقاء في الشّارع أغلب الوقت جعل منهم الأطفال المختلفين، الذين يلهثون إلى تجميع غلّةٍ كبيرةٍ إرضاءً لأولياء أمرهم، وعلى عكس التّحذيرات التي وصلتنا من اتّهامهم بالتّخريب والسّرقة لتجنيبهم وإبعادهم عن بيت الحكايا، نحن لم نلمس منهم سوى الحبّ، فعندما رأينا مدى تعلّقهم بالألوان والأشغال، جلبنا لهم أقلام تلوينٍ وأوراق أشغالٍ، لكنّهم رفضوا أخذها قائلين: "لا خليهون هون أحسن ما يضيعوا وبس بدنا نرسم ونلعب منجي لعندكون"،  كان بإمكانهم قبول هدايانا وبيعها للمارّة،  وبالرّغم ممّا قيل عنهم، لكن هناك قاعدةٌ دائمةٌ، العنف يولّد العنف، والحبّ يولّد الحبّ"؛ إنّ أكثر الجمل التي كانت تتردّد على ألسنتهم :"إنتو أحلى ناس شفناهون بحياتنا، وبيت الحكايا أجمل مكان بالدنيا".

 

بعيداً عن بيت الحكايا، يُخبرنا مروان صاحب محلٍّ تجاريٍّ وسط السّوق عن معتز (اسمٌ مستعارٌ) ابن الثّالثة عشرة، والذي ترك المدرسة ليُعيل والدته المريضة وأخته الصّغيرة بعد أن أخذت الحرب أباه: "إنّه يجوب الشّوارع بشحاطته البلاستيكية حاملاً بيده علبة بسكويتٍ، يزورني أحياناً ليريح قدميه من المشي، إنّه لا يقبل الصّدقة، لذلك أسميته المعتز بنفسه، جاء مرّةً وقال لي: "شلّحوني الغلّة، شباب اثنين وقفوني بالشّارع وأخذوا كل يلي بجيبتي، 2000 ليرة تعب النهار، كله راح مع راس المال". ذهبت وأحضرت له من الدّكان المجاور علبة بسكويتٍ، لكنّه لم يقبل أخذها إلّا بعد أن وعدته أن يعيد ثمنها، وبعد يومين عاد وبيده مبلغٌ بقيمة علبة البسكويت، وضعه على الطّاولة، شكرني وخرج مسرعاً.

 

من خلال تواجد مروان اليوميّ في السّوق، وكشاهد عَيانٍ على هؤلاء الأطفال يضيف: "إنّ هؤلاء الأطفال لا يحصلون إلا على نظرة ازدراءٍ وتعاملٍ فوقيٍّ من قبل أصحاب المحلاّت التّجاريّة وأغلبية المارّة، ولا يمضي يومٌ دون طردٍ أو تعنيفٍ، ليختم حديثه: "لازلت أتذكر كيف كنا نتأثّر بقصص كوزيت وبائعة الكبريت وغيرها من القصص، ومع أنّ الواقع الآن يفوق بمآسيه مآسي تلك القصص، إلا أنّ نظرتنا الإنسانيّة بقيت محصورةً بكوزيت وبائعة الكبريت، لنشيح بأنظارنا عن واقعٍ من يبيع حلمه، متمتمين بأنّه مخالفٌ للقانون في مكانٍ لم يَعد يحكمه أيّ قانونٍ".

 

اقرأ أيضاً:

 

ظاهرة عمالة الأطفال في مدينة القامشلي

بعد مرور تسع سنواتٍ على كارثيّة المشهد السّوريّ، وقبل أن يدخلَ قانونُ قيصر حيّز التّنفيذ، وما رافقه من  إجراءات الحجر الصّحيّ المتّخذة للحدّ من انتشار فيروس كورونا، بدأت العملة السّوريّة تنحدر قيمتها بمعدّلاتٍ خرافيّةٍ، وضعت أغلبية السّوريّين تحت خطّ الفقر العالميّ، والنّسبة مرشّحةٌ للزيادة على ضوء خطوات تطبيق القانون السّابق، وهذا ما جعل عمالة الأطفال تتمدّد إلى أماكن جديدةٍ على ضوء التّردّي الاقتصاديّ المتفاقم الذي طال أصحاب المحالّ التّجاريّة والشّارع بشكلٍ عامٍّ، فلم يعد عمل الأطفال يقتصر على السّوق أو الشّارع أو الأماكن العامّة، لقد بدأ الأطفال يبحثون عن منافذ جديدةٍ، فأخذوا يطرقون أبواب البيوت والمنازل، الأكثر خجلاً منهم قد يطلب  كأس ماءٍ تاركاً لمظهره أنّ يشي بحاجته، وقد يدخل آخر في صلب الموضوع  معتمداً على قصص الحاجة لتبرير دوافعه، ويبقى الاستعطاف المبرّر الأقوى لدفع أصحاب البيوت لشراء شيءٍ ممّا يحمل.

 

 

 تكمن خطورة المنعطف الجديد لعمالة الأطفال؛ في أنّ العنف الذي يُمارس ضدّهم في الأماكن العامّة، كان وجود النّاس المحيطين بهم يحدّ من غلوائه، بينما الالتجاء إلى البيوت سيجعل من هذا العنف عارياً، إذ لا شيء سيحميهم هذه المرّة من التنمّر والتّحرّش والعنف الجسديّ في ظلّ انفراد أصحاب البيوت بهم، سيصبح ثمن قطعة البسكويت غالٍ جداً قد يصل إلى فقدان هؤلاء الأطفال براءتهم، وفقدان المجتمع إنسانيّته، فلن يكون باب بيت الحكايا إلّا استثناءً من الاستثناءات القليلة، في ظلّ الجوع الذي يتمدّد أمام مرأى القوى الفاعلة في مسارح المجتمعات المتناحرة، والتي لا تتقن سوى أن تخيط الظّلال، بينما جراح الواقع تنزّ قيحها.

 

الصورة قاتمةٌ جداً لمن يعاينها، فتفشي الفاقة أرهق المجتمع الأهليّ والمدنيّ، اللذين بذلا ومازالا يبذلان الكثير من الجهود، التي كان يستثمرها النّظام خُفيةً لتغطية عجزه وتقصيره وعدم اكتراثه في تلبية حاجات الفرد ضمن أماكن سيطرته، وهذا ما يفسر سكوته وتغاضيه عنها رغم تعارض بعضها الواضح مع مصالحه. كما أنّ الدّور الحقيقيّ للمجتمع الدّوليّ متمثّلاً بمؤسّسات حقوق الطّفل ورعايته، يقتصر على تبييض سياسات حكوماته اتّجاه ما تفعله بالعالم؛ إنّ القوى التي تعمل على خلخلة منطق السّبب والنّتيجة، هي نفسها التي تدّعي برامج الحدّ من عمالة الأطفال، وتطلق جملاً من عيار (ملاحقة الأطفال، القبض عليهم، تنظيف الشوارع منهم)، وكأنّهم مجرمون، فالتّهرب من الأسباب الحقيقيّة لوجودهم في الشّارع، ووضع الحجج كالتّفكّك الأسريّ، ليس سوى شمّاعةٍ تعفيهم من مسؤولياتهم، إنها القوى التي تجعل الصّورة ملتبسةً دائماً، ولكن ما وراء هذه الصّورة يتمّ إخفاء ألم ومعاناة هؤلاء الأطفال. قد نتألم كثيراً على مصير بائعة الكبريت وربّما تُغرورق عين أحدنا بالدّمع، ولكن حين يقرع طفلٌ بابك ستكون هناك حكايةٌ أخرى.   

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard