info@suwar-magazine.org

السويداء في قلب الصراع الإقليمي: اختبار السلطة وحدود النفوذ

السويداء في قلب الصراع الإقليمي: اختبار السلطة وحدود النفوذ
Whatsapp
Facebook Share

 

شهدت محافظة السويداء مطلع أيار مايو 2025 تصعيدًا خطيرًا بدأ بتسجيل صوتي مفبرك منسوب لشيخ درزي تضمّن إساءات دينية، وسرعان ما تحوّل إلى موجة عنف طائفية امتدت من الجامعات إلى جرمانا وأشرفية صحنايا، وانتهت بمواجهات مفتوحة على حدود السويداء. خلف هذا التسلسل المتسارع تقف ديناميكيات أعقد من مجرد خلاف محلي، إذ يعكس المشهد صراعًا مركبًا بين السلطة الانتقالية الجديدة في دمشق، والمجتمع المحلي في السويداء، وبين مشاريع النفوذ الإقليمي المتصارعة على الجنوب السوري.

 

 

بين حادث عابر وصراع على الهوية

رغم أنّ الشرارة المباشرة للأحداث كانت تسجيلًا صوتيًا مسيئًا، إلّا أنّ سرعة التصعيد وكثافة العنف كشفت أنّ ما جرى لم يكن مجرّد ردّ فعل تلقائي، بل انفجارًا مخططاً لخلاف أعمق تراكم طوال سنوات الحرب. فقد شكّلت السويداء، تاريخيًا، حالة خاصة: منطقة ذات أغلبية درزية، احتفظت بدرجة من الحكم الذاتي الفعلي، بسلاح محلي وشبكات حماية مجتمعية، ظلّت خارج سيطرة النظام المركزي بمعناه الكامل مع بقاء بعض مؤسسات الدولة غير الأمنية تعمل في المحافظة. ومع سقوط نظام الأسد أواخر 2024 وسيطرة أحمد الشرع على السلطة، أصبحت المحافظة اختبارًا لمشروع السلطة الجديدة: هل يمكن بناء دولة مركزية قوية دون تفكيك الهويّات المحلية وشبكات الدفاع الذاتي؟

 

أتى التحرّك العسكري باتجاه السويداء، رغم تبريره رسميًا بضبط الأمن، ليحمل رسالة سياسية: لا استثناءات جغرافية أو طائفية في مشروع الدولة الجديدة. ترى السلطة أنّ استمرار نموذج السويداء الذاتي يمثّل خطرًا رمزيًا وسياسيًا؛ فإذا نجح، قد يشجّع مناطق أخرى مثل درعا أو الشمال الشرقي على المطالبة بحكم مماثل.

 

اقرأ أيضاً:

 

               أزمة اليسار العربي: من الهزيمة إلى الذوبان في الإسلام السياسي

 

 

خيارات السلطة: بين القوة والتفاهم

 

أمام هذه المعادلة، تبدو خيارات السلطة الانتقالية محدودة ومكلفة:

الحسم بالقوة: كما جرى في أشرفية صحنايا، حيث نجحت قوات الحكومة في بسط السيطرة، لكن بثمن باهظ: سقوط عشرات القتلى، ومزيد من فقدان الثقة مع المجتمع الدرزي. هذا الخيار يعزّز صورة الدولة القوية، لكنّه يراكم الأحقاد ويغذّي السرديّات الانفصالية ويجعل أيّ مصالحة مستقبلية أكثر صعوبة.

 

التسوية السياسية: عبر التفاوض مع الزعامات الدينية والمحلية، والاعتراف بخصوصية السويداء ضمن إطار لا مركزي، يمنح المجتمع المحلي هامش إدارة ذاتية دون تهديد وحدة الدولة. لكن هذا الخيار يصطدم برفض داخلي (من صقور السلطة) وخارجي (من تركيا تحديدًا، التي تعتبر أي نموذج حكم ذاتي قابل للعدوى تجاه مناطق الأكراد).

 

الإحتواء الناعم: بمحاولة كسب ثقة المجتمع عبر إصلاحات إدارية، ودعم اقتصادي، ووعود قانونية بضمان الحقوق، مع ترك مسألة نزع السلاح للمستقبل. هذا النهج يتطلب وقتًا وصبرًا، وقد يبدو ضعفًا أو تهاونًا أمام القوى الإقليمية والداخلية المتشددة.

 

الصراع الإقليمي: فشل المفاوضات بين تركيا وإسرائيل وتحوّل الجنوب إلى ساحة نفوذ متصارع

لا يمكن فهم تصعيد الأحداث في السويداء بمعزل عن الصراع الإقليمي المتشابك بين تركيا وإسرائيل على جنوب سوريا، والذي تفجّر بعد فشل المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين مطلع أبريل 2025. كانت هذه المفاوضات، التي جرت في العاصمة الأذربيجانية باكو برعاية مباشرة من باكو، تهدف إلى ترسيم حدود النفوذ في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وتحديد آلية لتفادي الصدام العسكري بين الطرفين.

 

دخلت تركيا المفاوضات وهي تعتبر الجنوب امتدادًا طبيعيًا لنفوذ دمشق الجديدة، الحليفة لها، وترى في استمرار وحدة سوريا وسلطتها المركزية ضرورة استراتيجية لردع أيّ مشاريع انفصالية، سواء كردية في الشمال أو درزية في الجنوب. بالمقابل، دخلت إسرائيل المفاوضات بمنظور مختلف تمامًا: فهي تعتبر أن سقوط نظام الأسد لم يكن ليتحقق دون ضرباتها الجوية المتكررة، وترى أنّ لها فضلًا مباشرًا في إعادة رسم خريطة سوريا، وتطالب بحصّة أمنية واستراتيجية تعكس هذا الدور.

 

طالبت إسرائيل بضمان منطقة آمنة ممتدة من الجولان إلى أطراف السويداء، تشمل نفوذًا أمنيًا غير مباشر وترتيبات تمنع أي قوة معادية (إيرانية، تركية، أو حتى سوريّة مركزية) من الاقتراب من حدودها الشمالية. كما أصرّت على حرية الحركة الجوية فوق هذا المجال الجغرافي، بل طرحت فكرة دعم "قوّات محليّة حليفة" في الجبل لضمان أمن هذه المنطقة العازلة.

 

لكنّ تركيا رفضت هذه الطروحات، معتبرة أنّ السماح لإسرائيل بترسيخ نفوذ مباشر في جنوب سوريا يهدّد وحدة الأراضي السورية ويفتح بابًا لتقسيم فعلي. انهارت المفاوضات، وانقطع خط التواصل السياسي، مع إبقاء قنوات أمنية ضيقة لتفادي صدام مباشر غير محسوب.

ردًّا على فشل المفاوضات، صعّدت إسرائيل ميدانيًا بشكل غير مسبوق. ففي نهاية أبريل 2025، نفذت سلسلة غارات مكثّفة وعميقة استهدفت مواقع تمتد من محيط اللاذقية إلى مشارف السويداء، بما فيها ضربة مباشرة قرب قصر الشعب في دمشق، اعتُبرت رسالة رمزية للسلطة الجديدة بأنّ إسرائيل ترى نفسها لاعبًا محوريًا في مستقبل سوريا.

 

لاحقًا، وصلت الطائرات الإسرائيلية لأوّل مرة منذ سنوات إلى الأجواء المحاذية للحدود السورية- التركية، في تحليق استعراضي استهدف إثبات حريّة الحركة والردع، وتحذير مزدوج لدمشق وأنقرة.

 

 تزامن ذلك مع تكثيف الغارات على محور اللاذقية- طرطوس- حمص ثم جنوبًا نحو السويداء ودرعا، بما كشف استراتيجية إسرائيلية واضحة في استهداف الممر الممتد من الساحل إلى الجنوب السوري لمنع أي تواصل عسكري أو سياسي يعزّز مركزية دمشق الجديدة.

 

صاحب هذا التصعيد خطاب إسرائيلي داخلي متصاعد بأنّ "إسرائيل أسقطت نظام الأسد بجهودها"، مع ترويج لدورها في حماية الأقليات وخاصة الدروز، وطرح مطالب بشرعنة تدخلها جنوب سوريا كضامن للأمن الإقليمي.

 

هذا المشهد وضع السلطة الانتقالية في دمشق أمام معضلة معقّدة: إذا قبلت بترتيبات إسرائيلية، تفقد سيادتها؛ وإن تصدّت عسكريًا، تخاطر بصدام إقليمي مباشر؛ بينما تركيا تضغط لتثبيت سلطة مركزية لا تقبل الاستثناءات. هكذا تحوّلت السويداء من أزمة محلية إلى ساحة نفوذ متداخلة بين المشاريع الإقليمية، حيث يدفع المجتمع المحلي الثمن الأكبر بينما تتصارع القوى الكبرى على الأرض.

 

 

مشهد مفتوح: جرس إنذار لمستقبل الانتقال

تكشف أحداث السويداء عن أزمة متعدّدة الأبعاد: محليّة بين مجتمع يشعر بالإقصاء ودولة مركزية تسعى لفرض هيبتها، وإقليمية بين تركيا وإسرائيل تتنازعان النفوذ على الجنوب، ودولية وسط غياب أمريكي فعلي.

نجحت حكومة الشرع في تهدئة الوضع أمنيًّا، لكنّها تواجه تحديًا أعمق: ترميم الثقة مع مجتمع يشعر بالخوف والخذلان. يحتاج استقرار السويداء إلى أكثر من القوة العسكرية: يحتاج ضمانات سياسية حقيقية، وإشراكًا فعليًا للمجتمع المحلي، ورسائل واضحة بأنّه لا عودة لعقود القمع والإقصاء.

 

على المستوى الإقليمي، يبقى الجنوب السوري نقطة التماس الأخطر: إسرائيل لن تقبل بتمدّد نفوذ تركي أو إيراني، وتركيا لن تسمح بقيام جيب منفصل على حدودها، والسلطة في دمشق مطالبة بالموازنة بين هذه الضغوط دون تفجير الداخل.

 

أمّا دوليًا، فغياب الدور الأمريكي الفاعل يفتح الباب أمام استفراد القوى الإقليمية بالمشهد، مع بقاء الأوروبيين في موقع المراقب والمندّد، دون أدوات ضغط حقيقية.

في النهاية، تبدو السويداء اختبارًا مبكّرًا لمعادلة الانتقال السوري: هل يمكن بناء دولة تستوعب هوياتها المتنوعة وتحترم خصوصياتها دون أن تنهار في لعبة المحاور؟ أم أنّ الهيمنة بالقوّة ستعيد إنتاج نفس أنماط التسلط التي أسقطها السوريون بثمن باهظ؟

 

إنّ ما جرى في السويداء ليس مجرّد حادث عرضي، بل جرس إنذار بأنّ مشروع سوريا الجديدة يحتاج أكثر من انتصار عسكري أو تفوّق سياسي؛ يحتاج رؤية شاملة تعالج جذور القلق، وتضمن لكلّ مكون مكانه، دون ابتزاز أو استبعاد أو خوف.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard