info@suwar-magazine.org

الطريق إلى السويداء أقصر من الطريق إلى باريس

الطريق إلى السويداء أقصر من الطريق إلى باريس
Whatsapp
Facebook Share

 

 

جغرافياً، مائة كيلومتر، هي المسافة التي تفصل السويداء عن دمشق فقط. لكن المسافة السياسية والأخلاقية باتت أكبر بكثير؛ هذه المسافة التي فضّل جهلة التاريخ قطعها إلى باريس، حيث تعقد مؤتمرات ونقاشات مغلقة؛ لا للتفاوض حول مشروع وطني جامع، بل لتلقيّ توجيهات فوقية، وتقديم ما بقي من تنازلات سيادية، مقابل ضمانات البقاء المؤقت في السلطة.

 

كان من الممكن؛ لا بل من البديهي سياسياً وأخلاقياً أن يختار صبية السياسة هؤلاء طريق الحوار الداخلي، وأن يبنوا مشروعية لسلطتهم عبر التفاعل مع المكونات الوطنية، وليس عبر الارتهان لمعادلات النفوذ الخارجي. كان بوسعهم أن يتجهوا جنوباً، إلى مضافات الجبل، حيث يُكرم الضيوف، وأن ينفتحوا على المخاوف والهواجس، وأن يوحدوا التطلعات، لا أن يغلقوا أبواب السياسة ويفتحوا أبواب الجرائم والإرهاب.كان بإمكان الطغاة الجدد أن يتجنبوا الانقسامات، وأن يدركوا أن الداخل الوطني ليس رافعة رمزية، بل جوهر الشرعية ومصدرها الوحيد. لكنهم أصروا على المقايضة جيوسياسياً لإعادة إنتاج سلطة مستبدة بمنطق أمني وصائي ورثوه عن الطاغية القديم.

 

لم يكن اجتماع باريس مجرد محطة تفاوضية عابرة في سلسلة المؤتمرات التي يُساق إليها هؤلاء الصبية بدافع اللهاث المزمن خلف شرعية مفقودة؛ بل كان مشهداً فاضحاً لواقع سياسي تعرّى في السويداء، حيث تحول الإصرار على بناء دولة مدنية إلى تهمة، والمطالبة بالكرامة إلى عصيان، وتحوّل الدروز كفّاراً وعملاء، تحوّلوا إلى هدف لجرائم الإبادة المعهودة بحق المختلفين ديناً أو فكراً عن حثالات التاريخ.

 

في باريس، يُقرأ الإذعان الذي أبداه الطغاة الجدد أمام الأوامر الخارجية بصورة واحدة فقط. صورة الاعتراف بحجم الجريمة السياسية والأخلاقية التي ارتكبوها وأزلامهم بحق أبناء السويداء. اعتراف بأن المتسلطين الجدد أُرغموا على سحب قواتهم الغازية من قرى السويداء لأنهم دخلوها معتدين وأوغلوا قتلاً وإجراماً. إنه الاعتراف بأنهم يحاصرون السويداء ويمنعون عنها المؤن، وإلا لماذا يُجبرون على الإذعان لفك الحصار عن السويداء بمعبر أو بدون معبر!!!  في باريس، تُوثّقُ على هؤلاء الطغاة جريمتين: الأولى ما ارتكبته قواتهم من قتل وإعدام ميداني وحرق وسبي وإرهاب في السويداء. أما الجريمة الثانية، فهي لهثهم للتفريط بالأرض وبيع السيادة مقابل البقاء في السلطة، بأي ثمن، وبأي رعاية.

 

اقرأ أيضاً:

 

 

                   هذا الخطاب ليس للقاتل... بل للشهود من أصحاب الضمائر

 

                 شتّان ما بين المهنية والامتهان... ديماغوجية إعلام المستبد

 

 

لم يكن الاعتداء على السويداء وأهلها مجرد هفوة عسكرية أو خطأ ميداني معزول، بقدر ما كان سقوطاً مدوياً لما تبقى من شرعية زائفة يتكئ عليها الطغاة الجدد؛ شرعية هزيلة تغذت على وهم تمثيل الثورة، والتسلق على عذابات السوريين. لقد سقط الخطاب الكاذب المغّلف بعبارات وطنية، سقط أمام مكوّن عريق، حمل راية سوريا والسوريين لعقود، ولم يكن بيوم من الأيام مشروعاً انفصالياً قبل أن يصطف مع كرامته ويرفض محاولة إخضاعه بأدوات سلطوية لا تختلف عن أدوات النظام البائد الذي ادعى المتسلطون الجدد أنهم جاؤوا لتجاوزه.

 

ما حدث في السويداء، فكك شرعية سلطة الاستبداد الجديدة أمام جمهورها. حتّى أولئك الذين تجمّعوا حولها، وطبّلوا لها، وأولئك الذين تماهو مع خطابها، وحملوا أسلحة إجرامها، باتوا يدركون في نفوسهم-و لو همساً- بأن الذي يتبجّح صباحاً بالوطنية والتحرير، إنما يلعق أحذية الخارج في المساء في سبيل البقاء في سلطة بلا سيادة. أمّا ما حدث في باريس، حيث تم الاقتياد إلى غرف التفاهمات بلا وزن ولا موقف، فقد فكك شرعية الطاغية الجديد أمام الدول ذاتها التي تقتاده، فهي تعلم تماماً أنه لو كان يملك تأييداً شعبياً كاملاً، لما كانت لتجرّه صاغراً بخيط من القطن ليوقع هنا، ويتنازل هناك... اليوم، وبعد كل ما جرى.. هل يملك "القائد العظيم الفاتح" جرأة ليسأل عن الجولان أو عن خط فض الاشتباك لعام 1974؟ وبأيّ وجه سيلاقي جوقته ليحدثهم عن السيادة؟

 

  لمَ كان هذا الإجرام بحق السويداء وأهلها؟ ألم تكن المسافة إليها وإليهم– جغرافياً وتاريخياً وإنسانياً – أقصر بكثير من المسافة إلى باريس، حيث تُدار المؤتمرات ويُصاغ شكل سوريا المقبل بعيدًا عن السوريين أنفسهم؟ الجواب على هذا الأمر يطرح خيارين لا ثالث لهما، فإما أن الطغاة الجدد حمقى والحماقة أعيت من يداويها، وإما أنهم دمى ينفّذون ما يُطلب منهم، ويستخدمون الإرهاب لتفكيك الداخل خدمة لمعادلات الخارج، وهنا فإن المصيبة أعظم. في الحالتين، فإن اتهام الخيانة زوراً للسويداء لم يعد موجهاً إليها. بل إلى الذين استباحوا الأرض، وسفكوا الدماء، ويوقّعون على إدانتهم بتنازلاتهم أمام الخارج.

 

 

السويداء التي لم تكن يوماً خارج المشروع الوطني السوري، بل كانت قلبه النابض. السويداء التي رفض أبناء ثورتها في عشرينات القرن الماضي دولة خاصة بهم، وتشاركوا الهوية والانتماء مع أهلهم من السوريين تحت راية "الدين لله والوطن للجميع"؛ السويداء التي فضّلت دولة تجمع السوريين على كيان طائفي يجزء الأرض ويشوّه الهوية. هذه السويداء تمسّكت بمشروع الدولة المدنية حتى آخر رمق، قبل أن تنهال عليها سيوف إرهاب الطغاة الجدد، وتطعنها سكاكين خذلان إخوتها في الوطنية. هذه السويداء وصلت إلى مرّ الحقيقة بأن الهوية  التي دفعت لأجلها مئات الشهداء تخلّت عنها، وشاركت بالمجازر بحقها، أو بررتها، أو حتى باركتها. لذلك، حقّ القول بأن السويداء لم و لن تخرج من سوريا... بل هناك من يريد لسوريا أن تخرج من أهلها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard