info@suwar-magazine.org

ما بين الشرعية الوطنية المفقودة، والشرعية الدولية المصطنعة

ما بين الشرعية الوطنية المفقودة، والشرعية الدولية المصطنعة
Whatsapp
Facebook Share

 

محكومةٌ هذه السلطة المستبدة الجديدة بالسقوط الأخلاقي والقانوني طالما تراقصت بين شرعية وطنية مفقودة و شرعية دولية مصطنعة؛ فعلى أنقاض بلد لم ينفض عنه رماد الحرب بعد، تسلّل و تسلّق أولئك الذين لم يولدوا من رحم الثورة، وما كانوا يوماً على مبادئها، عذابات ثوراها الذين عانوا منهم كما عانوا من المستبد القديم. تسلّلوا ليعلنوا قيادتهم للتغيير، ولكنهم في الحقيقة لم يكونوا  إلا امتداداً لمنطق السطوة والاستبداد، منطق بعيد كل البعد عن أبجدية الشرعية.

 

 

في منطق المستبد الجديد، باتت الشرعية مرتبطة بفوهة البندقية، التي لا تعرف غير الداخل الجريح هدفاً، والارتباطات الخارجية المريبة حليفةً؛ فأيّ شرعية هذه لمن انتزع السلطة من يد الشعب المكلوم؟! وأيّ شرعية لمن بتسعة أشهر أعاد إحياء نهج المستبد القديم؟! و أيّ شرعية لمن يرفع راية الثورة، وقد شارك سابقاً في قمع أبنائها، وسفك دم مقاتليها، وعذّب أمنيوه أحرارها في السجون؟ ! أيّ شرعية لمن سلّم الأرض لنظام الأسد وحلفائه، وفتح المعابر معهم، وشوّه صورة الثائرين؟    

 

 

  إنه لمن المحال منطقاً وأخلاقاً أن تكون هذه السلطة شرعية، وهي منظمة إرهابية امتهنت القتل والإجرام والتفجير، وأوغلت في دماء السوريين؛ أين الشرعية، وقد بات الزعيم القديم مستبداً جديداً، بتوافق عسكري صوريّ لا يرسم في الأذهان إلا لوحات الاستبداد الأسدي القديم، ولا يعيد لذاكرة الجسد سوى قروح التعذيب في السجون والمعتقلات؟!

 

اقرأ أيضاً:

 

                     الطريق إلى السويداء أقصر من الطريق إلى باريس

 

                   هذا الخطاب ليس للقاتل... بل للشهود من أصحاب الضمائر

 

 

ها هو زيفٌ مفضوح في التعيين يفضى لضحكٍ على الذقون بحوار "وطني" فارغ المضمون، لا يذكّر السوريين إلا بمؤتمرات الاستفتاء المصطنعة، بعيداً عن ضمائر المكلومين وجراحاتهم؛ و زيفٌ مفضوح آخر في مسرحية الإعلان الدستوري الذي أعاد إنتاج صلاحيات أزلية، لا تقبل شراكةً ولا تحتمل رقابة، وتقتات من إرث بشع يعيد تدوير الرماد في وجوه الناس.

 

  فأيّ منطقٍ أخلاقي أو إنساني أو قانوني، يقيم للشرعية وزناً تجاه سلطة لا تزال تستمر بنهجها كمنظومة تجمع في صفوفها آلاف المقاتلين الأجانب من الإرهابيين الذين شاركوا سابقاً بقتل السوريين، وعادوا للمشاركة لاحقاً بسفك دمائهم في الساحل والسويداء؛ ثم وبكل صفاقة تطلب من الأحرار أن يصمتوا عنهم، وكأن كل مستبد جديد مباح له أن يستقدم الإرهابيين من الأجانب لقتل السوريين؟!

 

هذه سلطة لم تترك بوقاً إلا ووظفته في شركات التحريض الطائفي المقيت، ولم تترك إمّعةً إلا وأطلقت رسنه لينبح على أصحاب الحق والأرض. هنا لا يغدو الحديث عن غياب الشرعية مجرد تساؤل، بل هدم لأركان زائفة بنى عليها المتسلطون الجدد هيكل طغيانهم الجديد. لقد أوغلوا مجدداً في دماء السوريين، ثم يتحدثون بمنطق الدولة عن محاسبة المسؤولين، وكأن من ارتكب هذه الجرائم كائنات فضائية أو أن الضحايا نفسهم هم من قتلوا أنفسهم.

 

 

هنا، ليس المجال مفتوحاً للبحث عن شرعية قانونية فقط، بل شرعية منطقية وأخلاقية. فكيف لمن ارتكب المجازر، وأعاد تدوير رموز النظام البائد أن يكون شرعياً؟ إن الشرعية الحقيقية ترتبط أولاً بجراح السوريين وما عانوه من ظلم وتنكيل، لكن المستبدين الجدد نسفوا بطغيانهم القديم المتجدد ملف العدالة الانتقالية، ونسفوا مظلومية شعب انتظر ميزان الحق بفارغ الصبر، وشوهوا صورته أمام العالم أجمع.

الشرعية الحقيقية ترتبط بتوافق كلي بين جميع المكونات، وليس بإقصائهم ومحاولة إخضاعهم بمنطق البطش والإرهاب. الشرعية الحقيقية ترتبط بالسيادة الوطنية التي أصبحت سلعة بيد رموز الطغيان الجديد، يبيعونها في مؤتمرات الخارج لكسبٍ هنا، وارتزاق هناك ( ولقاء باريس مثال صارخ على ذلك).

 

 

                

   على الصعيد الخارجي، لم تكن الدول التي دعمت المتسلطين الجدد غافلة حين مدّت يدها لهم. لقد كانت تعلم تمام العلم أنها لا تدعم كياناً شرعياً، بل تمنح صك البقاء لمستبد جديد، ليس لديه أي شرعية، مجهول الانتساب، مشكوك بغايته. تلك العواصم التي شيّدت جسور الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي ( وإن كان مزيفاً ومصلحياً)، لم تفعل ذلك جهلاً، بل عمداً، ومن موقع الإدراك الكامل بأن هذه المجموعة المتسلطة لا أرضية وطنية لها، ولا تملك من الشرعية سوى البندقية الملطخة بدماء الأبرياء.

 

 

هذه الدول تدرك تماماً أن القائد أمام جوقته، قوّاد أمامها، وأنه وريث لسجل دموي لا يصلح للعرض في معارض القانون الدولي. لكنها عوّمت إجرامه وأزاحت عنه شكلياً تهمة الإرهاب بمساحيق اللغة الغزلية السامة، ومنحته رخصة العبور نحو المشهد، ليس لأنه جدير بالعبور، بل لأنه مطية ينفّذ الأوامر لاهثاً خلف جزرة السلطة والمال. لم يكن هدف من دعم قاتلاً جديداً إنقاذ الشعب السوري من غياهب التهلكة، بل صناعة دمية جديدة تدار بالتحكم عن بعد، وتعويض شرعيتها التي ولدت ميتة.

 

وباسم "الاستقرار" أدخلوه بدورة "تشذيب" ليعاد تأهيله، وباسم "مكافحة التطرف" فتحت له المنابر وصيغت له الكلمات الفارغة التي لا تعكس الواقع. وباسم "الواقعية السياسية" تم التسويق له في المحافل، وكأن العالم اختار أن يعيد إنتاج الاستبداد بأدوات مغايرة، يحوز شرعية مؤقتة زائفة للتنازل عن السيادة وتمرير الصفقات الخارجية مقابل الارتهان.

 

 

ليس العتب على الدول التي لا ترى في الجغرافيا سوى خرائط نفوذ؛ فالسياسة لم تكن يوماً ساحة للضمير، بل مساحة لتقاطع المصالح. الخذلان كله بمن أرعبهم صوت الحرية، ومن منح القاتل صك الغفران، والمجرم شرعية، والجلاد صفاقة الدفاع عنه. أولئك الذين قبلوا بإعادة تعريف كرامتهم وفق مقاسات مصلحية، والذين تغنّوا بالقتل والإرهاب وسمّوه تحريراً.

 

وأولئك الذين أنكروا إجرام القتلة، وأدانوا الضحية. أولئك الذين تحرّك حسهم الوطني الزائف أمام مشهد رفع علم أجنبي موجود في عقر ديارهم؛ ولم يزعجهم أولئك الذين لا موقف ولا كرامة لهم ليبيعوا حناجرهم لتتغنى بالاستبداد ويوزعون استرضاءً للمستبد صكوك الوطنية على الناس. أولئك الذين يستأسدون على الذين يصدحون بالحق، ويتحولون لأرانب عندما يُساق قائدهم إلى مؤتمرات التنازل في الخارج، أو عندما تُستباح الأرض وتُحتل.

 

المشكلة أن المستبد وأعوانه جهلة في التاريخ، ويظنون أن البنادق قدر وأن صمت الناس علامة رضا. يظنون أن من استعملهم اليوم سيحملهم غداً على الأكتاف، لذلك يمارسون طغيانهم كأنه خلود، ولا يعرفون أن الخلود هو لأصحاب الأرض وللثابتين على مبادئهم.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard