هل سنردد ماردده الجندي "شيفيك": هايل هتلر، ثم يختنق صوتنا؟

هو زمن "الفاشيات المُتنَكر لها"، قد لايختلف وإن ابتعد في الزمن عن مقدمات ثلاثينيات القرن الماضي ليستعيد عافيته من جديد.. الخوف الجماعي يخيّم على الشعوب، القادة الكاريزماتيون (وإن مسوخاً من طراز نتنياهو أو دونالد ترامب) يعتلون المنصات واعدين بعالم جديد.. خرائط جديدة، وبشر محدّثون ما بعد الـ "ديليت" الذي يشطبنا وبكبسة زر.. الحريات تنكمش تحت ذرائع الأمن والاستقرار، والآخر المختلف يتحوّل إلى تهديد وجودي (الروسي تهديد وجودي للاوكراني، والشيعي تهديد وجود للسنّي).
الأخبار من واشنطن إلى بودابست، ومن نيودلهي إلى تل أبيب، تقول شيئاً واحداً:
ـ نحن أمام زمن صعود الفاشيات، وإن اختلفت أشكالها وأساليبها عن فاشيات القرن العشرين.
الفاشية لم تكن يوماً حدثاً مفاجئاً، بل نتاج تراكمات اقتصادية واجتماعية ونفسية، واليوم، يبدو أن التربة مهيأة مرة أخرى لإنبات هذا النبات السام، مع اختلاف في الأدوات:
ـ وسائل التواصل الاجتماعي بدل الصحف الحزبية، والخوارزميات بدل خطب الساحات، والمراقبة الرقمية بدل شرطة القمصان السوداء.
القومية المتطرفة تعود بوجه جديد
أبرز ملامح اللحظة الراهنة هو صعود القومية المتطرفة.. الأحزاب الشعبوية اليمينية في أوروبا تزداد قوة: "التجمع الوطني" في فرنسا بقيادة مارين لوبان، "إخوة إيطاليا" بقيادة جورجيا ميلوني، و"فيدس" في المجر بزعامة فيكتور أوربان.. هذه الأحزاب تبني سردياتها على فكرة استعادة "هوية الأمة" المهددة بالمهاجرين والاتحاد الأوروبي والعولمة.
في الولايات المتحدة، رفع دونالد ترامب شعار "لنجعل أمريكا عظيمة من جديد"، وهو شعار يلمّح إلى فقدان مجد ما وضرورة استعادته.. كيف؟
ـ بقوّة العابر للقارات إن لم يكن بالحذاء اليدوي.
الهند بدورها تشهد صعوداً غير مسبوق للقومية الهندوسية، مع سياسات رئيس الوزراء ناريندرا مودي التي تقوّض علمانية الدولة وتعيد تعريف المواطنة على أسس دينية.
كل هذه النماذج تشترك في شيء واحد:
ـ إعادة رسم حدود الأمة ثقافياً ودينياً، وإقصاء المختلف.
اقرأ أيضاً:
"آبو" من سجن "إيمرالي"، إلى تأملات ما بعد السجن .. يوم يتحرّر السجين من قيوده
تآكل الديمقراطية وتمجيد القائد
الفاشية التاريخية قامت على فكرة "القائد المخلّص" الذي يجسّد الأمة ويستحق طاعة مطلقة، كان على "المواطن" أن يستبطن القائد، بما يجعل نطق اسمه لابد ويكون بزفرة واحدة، وكان علينا استعادة قراءة الساحر، الساخر، التشيكي ياروسلاف هاشيك بـ "مغامرات الجندي شيفيك"، لنأخذ علماً، ومن ثم نرى ذلك التآكل التدريجي للمؤسسات الديمقراطية لصالح تمركز السلطة في يد شخص او نخبة (نخبة استخبارية أو مالية).
في تركيا راكم رجب طيب أردوغان سلطات واسعة بعد تعديلات دستورية جعلت النظام رئاسياً بالكامل.. في روسيا، أعاد فلاديمير بوتين صياغة الدستور بما يسمح له بالبقاء حتى عام ٢٠٣٦ ما يعني "للأبد".
هذه الشخصنة المفرطة للسلطة تقترن بخطاب شعبوي يتهم المعارضين بأنهم خونة أو عملاء للخارج، وهكذا، تُصبح المعارضة السياسية فعلاً خطيراً، وتتحوّل الصحافة المستقلة إلى هدف مشروع للهجوم أو الإغلاق. النتيجة:
ـ جمهور يلتف حول القائد باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار، تماماً كما فعلت الجماهير في ظل موسوليني وهتلر وفرانكو، وقبل حبل قصير من رسننا، ثمة من صدّر لنا فكرة أن سقوط بشار الأسد، على بلاهته واضطراباته النفسية، وافتقاده للأمومة، سيقود البلاد إلى خرابها، وصدق هؤلاء، عندما نصحوا العصفور الاحتماء من الصقيع بروث البقرة، وهل ثمة روث يساوي بشار الأسد وميراث والده؟
ـ وخرّبت سوريا.
لا تزدهر الفاشيات إلا بوجود عدو دائم، داخلي أو خارجي.. المهاجرون في أوروبا يتحولون إلى شماعة تُعلّق عليها مشكلات البطالة والجريمة.
الأقليات الدينية تُقدَّم على أنها تهديد لهوية الأمة في بعض الدول مثل سوريا، تُشيطن المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المستقلة وتُتهم بالعمالة (في بعض الحالات تهمة مُحقة).
حتى على المستوى الدولي، يخلق الخطاب الفاشي "آخر" خارجي يُحمَّل مسؤولية كل أزمة:
ـ الغرب، أو الصين، أو اللاجئون، أو المؤامرة الكونية.
هذا البحث المستمر عن عدو يضمن بقاء المجتمع في حالة تعبئة دائمة، ويبرر توسيع سلطة الدولة البوليسية على حساب الحريات.
هل نأتي إلى الاقتصاد؟
الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، من أزمة 2008 المالية إلى تداعيات جائحة كوفيد-19، خلقت شعوراً واسعاً بالهشاشة وفقدان الأمان الاقتصادي. الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بوتيرة غير مسبوقة، والطبقة الوسطى تشعر بأن موقعها مهدد.. هذا المناخ من القلق يجعل الجماهير أكثر استعداداً لتقبّل حلول متطرفة تقدم وعوداً سريعة وحاسمة، تنقلك من مجاعة إلى جوع مزمن.
وكما كان الحال في ألمانيا الفايمارية، يصبح التضخم والبطالة وقوداً لصعود القادة الذين يتعهدون باستعادة النظام والانضباط و"القيمة" للعملة والحياة.
الفاشية هنا تظهر كاستجابة عاطفية أكثر منها عقلانية، لأنها تعد بعالم مبسّط يخلو من التعقيد، فتزيده تعقيداً.
وماذا عن "الرقمنة"؟
الفاشيات القديمة اعتمدت على الشرطة السرية والرقابة الصارمة، أما اليوم، فقد باتت أدوات المراقبة الرقمية أكثر فعالية وأقل كلفة.
الدول تملك القدرة على تتبع الأفراد من خلال هواتفهم الذكية، وتحليل بياناتهم، والتنبؤ بسلوكهم.. الذكاء الاصطناعي يستخدم ليس فقط للمراقبة، بل أحياناً لمعاقبة أو "تصحيح" السلوك، لتكون:
ـ مواطناً عالمياً صالحاً.
على مستوى الخطاب، تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة مركزية للدعاية.. الجيوش الإلكترونية تنشر التضليل، تشوّه سمعة المعارضين، وتخلق شعوراً زائفاً بالإجماع حول سياسات معينة.. الفاشية الرقمية لا تحتاج إلى مسيرات مليونية في الساحات؛ يكفيها أن تسيطر على خوارزمية واحدة لتوجيه المزاج العام.
ونمجّد القوة
الثقافة الجماهيرية بدورها تساهم في خلق مناخ يتقبل الفاشية، الأفلام والمسلسلات وألعاب الفيديو تمجد "البطل الفرد" الذي يحسم الأمور بالعنف، وتُضعف فكرة الحوار والتسوية.. وسائل الإعلام الرسمية والخاصة تكرّس صورة الدولة القوية، وتعرض العنف على أنه الحل الطبيعي للاضطرابات.
هذه الثقافة تلتقي مع خطاب سياسي يرى في القسوة فضيلة، ويصف التسامح أو الرحمة بأنها علامات ضعف.. بهذا، يتحوّل العنف إلى طقس جماهيري، كما كان الحال في إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية.
وبعد
صعود الفاشية لم يكن يوماً خاطفاً، بل عملية بطيئة تتسلل إلى البنية الاجتماعية والسياسية حتى تصبح هي "الطبيعة" الجديدة للنظام.. ما نراه اليوم من صعود القوميات المتطرفة، تمركز السلطة، البحث عن أعداء دائمين، وتضييق الخناق على الحريات ليس سوى إنذار مبكر.
السؤال ليس ما إذا كانت الفاشية ستعود، بل بأي شكل ستأتي، وكم سنكون متأخرين حين ندرك أننا عدنا إلى النقطة التي كان يفترض أن نتعلم منها.
التاريخ يعلّمنا أن مقاومة الفاشية تبدأ قبل أن تبلغ ذروتها، قبل أن يصبح الدفاع عن الحرية ترفاً غير متاح.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط رصد هذه المؤشرات، بل خلق وعي جمعي بأن حماية الديمقراطية مسؤولية مشتركة، وأن الحرية، مثلها مثل الأكسجين، لا نشعر بقيمتها إلا حين نختنق بفقدانها.
بكل الحالات "نحن مختنقين" فلا جديد سيحدث لنا، مُجمَل ما سيحدث، أن شركاءنا سيتكاثرون.
لن يعود لوننا هو اللون الفريد في لوحة المجزرة.
ـ سنردد كما ردّد "شيفيك":
ـ هايل هتلر، لنكون:
ـ مواطنين صالحين.