info@suwar-magazine.org

من كوزموبوليت، إلى "مواطن صالح"

من كوزموبوليت، إلى "مواطن صالح"
Whatsapp
Facebook Share

 

 

الأوطان ليست صيغة نهائية ولا مقدّسة، تنزاح، تتفكك، يعاد رسم خرائطها، وقد تتشطى وقد:

ـ تفنى.

ولو لم يكن الامر كذلك، لما آلت بلاد الرافدين، بعظمة رافديها، إلى السقوط بفعل الحروب الطاحنة بين بعضها، او بسبب الفيضانات.. بابل العظيمة نفسها دُمّرت أكثر من مرة، إحداها على يد الآشوريين، وأخرى على يد الفرس، ثم على يد الإسكندر.

 

 

ـ لم تكن الخريطة ثابتة ولا مقدسة، بل ساحة نزوح .

امبراطورية الحثيون تفككت إلى ممالك صغيرة، قرطاج محتها حرب إقليمية، واليونان القديمة تشظت إلى أثينا، اسبارطة، وطيبة، ليأتي فيليب المقدوني وابنه الاسكندر ليطيح بهذا التعدد ويفرض خريطة جديدة، وهكذا كان حال الإمبراطورية الرومانية وقد تساقطت لتنشأ على أطرافها ممالك جرمانية متناحرة.

 

الحروب الإقليمية، الحروب الأهلية، وحتى الكوارث الطبيعية كانت دومًا تعيد رسم الخرائط، فلا وجود لـ "جغرافيا مقدسة"، بل هناك جغرافيا متحركة، تتنفس وتنهار، وسيكون انهيارها حتمياً حين تكتم أنفاس سكّانها، ويوم يتحوّل المكان إلى زنزانة.

ـ بقاء قسري فيها، وإما هروب من أسوارها إن تسنّى لـ "مواطنيها" فتح ثغرة في الأسوار، أو التسلل من فوهة الشريط الشائك.

أقول ذلك لأؤكد، أن:

ـ الجغرافيا، ليست مقدّسة.

 

 

اكثر من ذلك لأضيف أن سمة "وطنيّ" لا تغريني شخصياً، لا اليوم، ولا بالأمس، فالوطن بالنسبة لي هو جسدي اللابد أن ينهار إن طوّقته بالجدران، وطني بلا جدران، ولا أسوار، فيما بقية الأوطان التي عرفتها ليست سوى مصطلح ابتكره الأقوى لـ "يزرب" الناس فيه، فيكونوا:

 

ـ الجمهور المقاتل، الجمهور الحامي، الجمهور الضحية، ومن ثم "الجمهور الزبون"، وأعني به جمهور "سوق الوطن".

هذا الجمهور، هو ما يحلو لي أن أدير ظهري عنه، هارباً إلى "جمهور اللاوطن"، وأعني "الكوزموبوليت".

 

 

لا سيادة للّغة، ولا عرق دون عرق، اللغة هنا أكثر قدماً من تقنينها، ربما تعود إلى البدايات الشفوية بلا قواعد مكتوبة ولا نظام اجتماعي يحكم التواصل هنا.

ـ كان وأخواتها، ليست مادة إلزامية في المكان الذي اختاره دون أن أضيف إليه مفردة:

ـ وطن.

 

اقرأ أيضاً:

 

           

                                     المستقبل الذي لا يجب أن يأتي

        

                     الجولاني والإسلام العنفي.. كيف يُكافأ القاتل؟

  

 

لماذا كل هذه المقدّمة الطويلة التي قد تتهم بـ "الثرثرة"؟ (وهي كذلك)

لأقول أنني حين اقف اعتراضاً على تشقق بلد ما، فليس هذا بدافع "الكرامة الوطنية"، تلك الكلمة المائعة، اللزجة، بل والكاذبة، بل بدافع وقائع العيش لبشر، لم يمتلكوا لا القوة، ولا الإرادة لمغادرة الأسوار التي حبسوا فيها، والأنكى أنها كلما ارتفعت تضاعف سجنهم، لتكون المعادلة "معضلة"، فالمعضلة هي الاختيار ما بين استحالتين.

 

ومن هنا سأنتقل إلى سؤال:

ـ هل بالوسع تقسيم بلد مثل سوريا؟

ستتغير الخريطة السورية.. كيف سترسم، وما هو وضع التداخلات فيها، وكيف سيعاد توزيع سكّانها؟

ـ انا لا ادري.

كيف ستتوفر الموارد الكافية لسكّان كل شقفة منها؟

ـ أنا لا أدري.

كل ما اعرفه أن سوريا بخريطتها اليوم، هي مجموع قصاصات أثواب، خيّطها ترزيان ذائعي الصيت هما "سايكس وبيكو"،  وأن سكّانها اليوم، وبالأمس، كانوا مساجين "الوطن"، أما الوطن فلم يكن سوى سجن تحرسه وحوش نهِمة تستلذ بلحم البشر، وبالوسع مراجعة نماذج حيّة من هؤلاء الوحوش، ربما اخُتزلوا بـ "عيدي أمين"، كونهم عثروا في ثلاجة منزله على قطع لحم بشري، فيما لا يخلو أوطان الكوكب من ثلاجات ممتدة، محشوة بلحوم البشر:

ـ بشر التسامح، أو بشر وضعوا في الثلاجة لانعدام قدرتهم على امتلاكها، وسوريا هي المثل الأبرز في رأسي، كونها "الوطن" الذي حُشرتُ فيه دون اختياري، كما دون اختباري إن كنت:

ـ مواطناً صالحاً.

 

سوريا هذه، نامت عل التشظي ربما مايزيد عن نصف قرن، فثلاجة "الوطن" تتسع لكل مواطنيها، من الأجدب، إلى الفيلسوف، ومن المومس، حتى سيّدة مُحصّنة منزوعة الحرية.. وهي:

ـ بلد التكتّم على الجرح، حتى يتعفن وينتهي إلى الغرغرينا، ذلك أن اللغة لا تعين على البوح.

 

هذه هي سوريا، ورأس جبل الجليد، شهدناه في مذابح الساحل، ومن ثم مذابح السويداء، أما المذبحة الكبرى غير المرئية، فهي مذبحة القيم، وقد استبدلت البلاد نظام "جمهورية الرعب"، بـ "جمهورية فقه الساطور"، ما يعني من دكتاتورية، إلى دكتاتورية وليدة، تسطو على بشر ممنوع عليهم أن يتوالدوا.

 

هذه الـ سوريا، الهاربة من قبضة الدكتاتورية، نحو أيّة "جمهورية" ستمضي؟

فلنستعن بالتاريخ.. التاريخ القريب.. التاريخ الذي مازال محشواً في أنوفنا، مع استباقه ببعض الاسئلة:

 

 

ـ حين يهرب شعب من دكتاتورية المركز، نحو أي وجهة خريطة جديدة وعلم جديد سيتجه؟

 

 

الشيشان:

 هي تجربة (تاريخية)، وقد هربوا من موسكو إلى غروزني، بعد أن خاضوا حربين دمويتين ضد موسكو في التسعينيات، قُتل فيها أكثر من 100 ألف شخص، لكن حين انطفأت نار الحرب، لم تُشرق شمس الحرية.. لقد أرسى بوتين حكم رمضان قديروف، الذي أسس سلطة بوليسية بميليشيا خاصة تفوق 20 ألف مقاتل، وسط تقارير دولية عن التعذيب والاغتيالات، هكذا انتقلت الشيشان من عسف المركز الروسي إلى قبضة دكتاتور محلّي.

 

كوسوفو:

في التسعينيات، صبّ ميلوشيفيتش كل قوميته الصربية ضد ألبان كوسوفو، فألغى حكمهم الذاتي وارتكب حملات تطهير عرقي، هُجّر خلالها أكثر من 800 ألف ألباني، لكن بعد إعلان الاستقلال عام 2008، لم يتحقق الوعد بالحرية، فالسلطة الفعلية استقرّت بأيدي قادة "جيش تحرير كوسوفو"، الذين تحولوا إلى طبقة سياسية حاكمة. اليوم، كوسوفو واحدة من أكثر دول أوروبا فسادًا وفق تقارير الشفافية الدولية، تغيّر العَلَم، لكن منطق السيطرة لم يتغير، و "الثلاجة" طافحة بالجثث.

 

ـ هل علينا المزيد من الأمثلة، جنوب السودان مثلاً؟ لا، سأختار أرتيريا:

أرتيريا تحررت من إثيوبيا عام 1993، بعد حرب طويلة ضد منغستو هيلا مريام، لكن الرئيس أسياس أفورقي، الذي قاد التحرير، حوّل الدولة إلى سجن كبير، لا دستور نافذ، لا انتخابات منذ الاستقلال، والتجنيد الإجباري مفتوح بلا سقف زمني.. تقارير الأمم المتحدة تصفها بأنها واحدة من أكثر الدول قمعًا في العالم.

يعني خرجت من "ثلاجة" منغستو لتحشر في "ثلاّجة" أسياس افورقي.

 

سوريا

الجرح السوري حاضرٌ يشرح القاعدة المُرّة.. خرج السوريون ضد دكتاتورية الأسد التي صادرَت السياسة والاقتصاد والحريات، لكن ما واجهوه في مناطق "التحرير" لم يكن أفضل:

ـ في إدلب، فُرضت أيديولوجيا تكفيرية عبر محاكم شرعية أكثر عسفًا من محاكم النظام.

ـ في مناطق أخرى، استبدلت الدولة بسلطات أمراء حرب وفصائل متناحرة.

مُجمَل الحكاية التي عاشها السوري تختصر بانه هرب من السجن المركزي، ليُلقى في سجون صغيرة متفرقة.

 

 

وها هي اليوم، الإدارة التي صنعت "ثلاجة" إدلب، تشتغل على تعبئة "ثلاجة" أوسع اسمها كل سوريا، فيما يقاتل سوريون من اجل الهروب من الثلاّجة المركزية، وهنا يبدأ السؤال الأكثر دموية، والأكثر قتامة، وفق ما أراه أنا "اللاوطني"،  أنا "الكوزموبوليت".

 

تاريخ البشرية كله إعادة رسم للخرائط، من الاتحاد السوفيتي إلى يوغوسلافيا، من السودان إلى جنوبه، ومن الشيشان إلى كوسوفو،  لكن الدرس واحد: من لم يقتلع جذور الاستبداد سيزرعها من جديد، فالحرية لا تُمنح بخط حدود جديدة، بل تُبنى بمؤسسات عادلة تُحجّم السلاح وتضع الفرد فوق الزعيم والفصيل.

 

ـ  وهل للطوائف قدرة أو إرادة، على إنجاز ذلك؟

 

ثمة قواعد، وما من استنثاء يكذّبها:

بعد الحروب الأهلية، فئة محددة أكثر قدرة على الاستئثار بالسلطة، وهم، القادة العسكريون، الفاسدون الأقدر على النهب بالشراكة مع العسكر، ورجال الدين، أولئك الذين يتحولون إلى أدوات سياسية تبرر الانتهاكات، وتبارك "الثلاّجة" الجديدة.

بعد الحروب الأهلية، يسيطر الزعران على الشارع، نعم الزعران، ففي الشارع، يسطع حضور الأشقياء والزعران لأنهم يجرؤون على ما يخشاه الآخرون، ويستثمرون الرهبة والفراغ لصالح سيطرتهم، ولو لم يكن الامر كذلك لما سيطرت جبهة النصرة على بلد مثل سوريا.. فالسيادة للزعران.

 

ـ  لماذا؟

ـ لأنه : يبدأ الأزعر بالزعرنة، لأن ليس لديه ما يخسره، ثم يقوى، يتطوّر وصولا ً لقتلك ليحافظ على ما كسبه.

هؤلاء لايبنون لك "ثلاجة وطنية" أنيقة، تشتمل فيما تشتمل على:

ـ فرص عمل، رفاه اجتماعي، قيم عدالة وقضاء، حريات، حقوق إنسان.. الخ مما نعلكه من مفردات.

في حال كهذا أنت بمواجهة واحد من خيارين مادمت مواطناً صالحاً:

ـ فإما ثلاّجة واسعة اسمها الجغرافيات الواسعة، وإما ثلاجات ضيّقة، فوق صقيعها تكتم النفس.

 

ما من خيار ثالث، فالذين يبحثون عن "أوطان ضيقة"، ليسوا سوى كائنات هربت من "الثلاجة الواسعة" إلى "الثلاّجة الضيقة" في مغامرة عواقبها صارخة الوضوح.

 

 

 

أتعرفون من الذين أقرأهم باستمتاع وأظن أن لديهم فكرة واسعة عن "الثلاّجة الواسعة"، تلك المستمدة من وقائع الجغرافية والبحث عن فضاءات أوسع لإنسان السجن، إنسان الوطن؟

 

هم ثلاثة:

ـ أنطون سعادة.

ـ شيمون بيريز.

ـ عبد الله أوجلان.

 

 

بالنسبة لأنطون سعادة، عنده "الثلاّجة" هي الحدود الطبيعية مثل الجبال والأنهار والمناطق الجغرافية المشتركة تشكل الأساس لتماسك الأمة والدفاع عن هويتها، إذ يجب أن تعكس الدولة امتداد الشعب الطبيعي وتكون صورة لهويته وثقافته.. باختصار، البعد الجغرافي للدولة لدى سعادة ليس شكليًا، بل هو جوهر هويتها ووسيلة الحفاظ على وحدة الشعب وأرضه.

 

ـ عظيم هل ثمة خرائط ممكنة؟

الخريطة السورية القديمة صممها اثنان، سايكس وبيكو، وقد حدّها خط مستقيم لا يصطدم بجبل او وادي أو ينعطف.. يا للخريطة العجيبة هذه.

 

ـ بالنسبة لشيمون بيريز، الدولة ليست مجرد امتداد طبيعي للشعب على الأرض، بل هي كيان استراتيجي تستخدم جغرافيته لتحقيق الأمن والمصالح الوطنية.. فالأرض بالنسبة له أداة سياسية وعسكرية واقتصادية، والحدود يمكن تكييفها أو تعزيز الوجود في مناطق استراتيجية منها لضمان استقرار الدولة وقوتها، والرجل حكى عن شرق أوسط كبير، مركز "ثلاّجته" تل أبيب، وعلى أطرافها "ثلاجات" أصغر حجماً.

 

أما الثالث وأعني عبد لله اوجلان، فكان عليه أن يحوّل صوت أمته إلى صوت مسموع، الدولة عنده  ليست مجرد سلطة سياسية أو امتداد جغرافي، لكنها يجب أن تُدار بطريقة تؤمن التعددية، ويؤكد الرجل على أهمية الفدرالية أو الوحدات الإقليمية، حيث تُمنح كل مجموعة عرقية أو ثقافية الحق في إدارة شؤونها مع الحفاظ على التنسيق بين هذه الوحدات.. بالنسبة لقراءتي لأوجلان، فهذا الرجل يبحث عن جمهورية "الصوت" لأمّة حرمت من صوتها، ولابد أن تستعيده، ولكن ليس بلا أرض.

 

 

باختصار، الدولة والجغرافيا عنده مترابطتان، و"الثلاجات" موزعة بين الأقاليم.

ثلاثة مشاريع تعتمد الجغرافية، لا العقيدة، ولا العرق، و... أما عن "الإسلامويون"، فثلاجاتهم اكثر توسّعاً  فالدولة عندهم  ليست مجرد كيان سياسي، بل إطار لتحقيق المشروع الإلهي العالمي، الذي لابد ويمتد على طول الأرض وعرضها،  اما الأرض فهي "ملك الله"، وهم أوصياء على تركة الله وقد مات.

 

تلك خرائط المشروعات التي يقع عليها بصرنا، بعد أن استثنينا، الثلاّجة الأوربية التي وصلت اوروبا بقطار واحد، وبعملة واحدة، وازالت جرافاتها جدار برلين.

 

ـ أين أنت من كل هذه المشروعات.

يحدّك جدار من الشمال، وجدار من الجنوب، وجدار من الشرق، وجدار من الغرب لن يُفتَح إلاّ للداخلين منه إلى بقيّة الأقاليم، فهو يُطِل على أرض "الميعاد"، تلك الأرض التي لم تعدك بشيء، فكل الأمم بالنسبة إليها:

ـ غواييم.

يعني كل ما ستؤول إليه، هو:

ـ أن تتحوّل إلى غواييم.

 

ـ والحال كذلك، ما الحل؟

ـ نحو أيّة "ثلاّجة" ستذهب وأنت مثخن بجراح "الوطن"؟

نعم مثخن بالجراح، وقد باتت طوائف وأعراق موضوعة على لائحة هتك وجودها، واليافطة:

."اقتلوهم حيث ثقفتموهم"ـ

أليس هذا هو أمر مطلق بالقتل، وبلغة الله الهابطة؟

 

 

ثمة من ينصح بالإبقاء على "الثلاّجة" السورية، يتحاور المحشورين فيها، أو يقتتلون، ريثما يرتّب الطوفان نفسه، وإذا لم يكن الامر كذلك، فسينتقل سكّانها من "ثلاجة"، منغستو هيلا مريام، إلى "ثلّاجة" أسياس أفورقي، ربما مع اختلاف الهندام، مع  نسيان أن حكومة "فقهاء الظلام، ستسقط، واسألوا التاريخ، هل ثمة مشروع اعتمد فقه القتل والكذب، دون أن يسقط.

 

من جهتي، أراها الساعة تدق، وهذا النظام سيسقط.

أما خياراتي فهي:

ـ لا أرتضي أن أكون "غواييم"، ولست "مواطناً صالحاً" لأكون في الثلاّجة، ولهذا فمازلت:

ـ كوزموبوليت.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard