الجولاني والإسلام العنفي.. كيف يُكافأ القاتل؟

في عالم مضطرب كعالمنا، تبدو بعض المسلّمات الأخلاقية والسياسية وكأنها تنقلب على رأسها.. مسلّمات تمنح "الجمهور القاتل" كل وسائل الجريمة، أكثر من ذلك، مسلّمات نحو عالم جديد، هو:
ـ أعلى مراحل "الجماهير القاتلة".
من بين أبرز هذه الانقلابات ما نراه في سيرة أبو محمد الجولاني، زعيم "هيئة تحرير الشام"، و "رئيس سوريا" اللاحق"، والذي بات يحمل اسمين: "الجولاني / الشرع" الذي يمثل تجسيدًا حيًا لما يمكن تسميته بـ"الإرهاب المُكافأ".
الجولاني، الخارج من عباءة تنظيم "القاعدة" في العراق، والذي ظهر لاحقًا في سوريا على رأس "جبهة النصرة"، لم يكن مجرد فرد متطرف، بل كان رمزًا لمشروع دموي استثمر في الخراب، وعمّق الجراح السورية، لكن اللافت أنه، وبعد سنوات من التفجيرات، وقطع الرؤوس، وتحكّم جماعاته برقاب الناس، أصبح اليوم ضيفًا على قنوات غربية، بل وبات يقدّم نفسه كحاكم "رشيد"، يسعى لبناء "نموذج حكم مستقر"، وكأن شيئًا لم يكن!
يمنح تحوّل الجولاني من "قائد في تنظيم القاعدة" إلى "رجل دولة" مثالًا صادمًا على قدرة بعض الجماعات على إعادة تدوير خطابها وتلميع صورتها، وبينما تُغلق الأبواب أمام آلاف المدنيين الهاربين من الحرب، نجد أن زعيم تنظيمٍ دمويّ يُعامل بوصفه طرفًا يمكن التحاور معه.. هذا التناقض يُظهر كيف يمكن لرايات "مكافحة الإرهاب" أن تُطوى حين تلتقي مصالح الدول الكبرى مع أمراء الحرب.
اقرأ أيضاً:
ماذا لو سُبيت نساء بلجيكيات؟ الغضب الغائب عن مذبحة الإيزيديين
ليس الجولاني حالة معزولة، بل هو جزء من سلسلة زعماء دمويين وجدوا طريقهم إلى السلطة أو الاعتراف الدولي، إما عبر تحالفات ظرفية أو عبر تقديم أنفسهم كـ"أهون الشرور"، نذكر على سبيل المثال:
حكمتيار في أفغانستان، زعيم الحزب الإسلامي، الذي ارتُكب باسمه العديد من المجازر في كابول خلال التسعينيات، عاد لاحقًا إلى كابول كسياسي شرعي بعد تفاهمات مع الحكومة الأمريكية.
جون قرنق في جنوب السودان، رغم أنه لم يكن إرهابيًا بمعناه الكلاسيكي، إلا أن حركته خاضت حروبًا دموية طويلة، ثم انتهى به الحال شريكًا في الحكم، وقائدًا لحركة تحرر تم الاعتراف بها.
خليفة حفتر في ليبيا، الذي بدأ مشواره بانقلاب دموي في الشرق، وتورّط في جرائم حرب موثقة، ورغم ذلك نُظر إليه لاحقًا كـ"رجل الدولة القوي" من قبل قوى دولية.
لكن الجولاني يتجاوز كل هؤلاء، لقد بات نقطة جذب لشباب مسلم، يبحث عن "إسلام بلا دين" وعن جمهورية تحتكم للأمير، وتصفية شعر تحاكي أحدث ما ينتجه المزينون، تحت لثام قد يتجدد من جديد.. رجل باسمين.. صفتين.. معنيين، ولكل منهما حصته في التمكين، لقد اخترت أن أصفّ حقبته بـ :
ـ الماركسيون قالوا بأن "الامبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية"، وأن أصف الجولاني بـ :" الجولانية هي أعلى مراحل التطرف الإسلامي.. الذي يرى، ولا يُرى".
المعضلة لا تتعلق بالجولاني وحده، بل هي دليل على خلل أخلاقي دولي عميق، فالمجتمع الدولي لا يتعامل مع "الإرهاب" باعتباره جريمة مطلقة، بل أداة سياسية، وبالتالي، فإن من ينجح في فرض نفسه على الأرض، ولو بالقوة، يُكافأ على ذلك إن كان ذلك ينسجم مع التوازنات الإقليمية والدولية.
في المقابل، لا يُمنح الضحايا حتى فرصة الحداد، وتُنسى الجرائم في أرشيف الزمن، بينما يتسلل القتلة إلى مؤتمرات السياسة ومفاوضات المصالح.
يعطينا الجولاني درسًا مريرًا عن الزمن الذي نعيش فيه: زمن يُكافأ فيه القاتل، إذا أحسن ترتيب صورته أمام الكاميرات.. زمن تتحوّل فيه الجماعات المتطرفة إلى "شركاء استراتيجيين" إذا وعدت بأنها ستلعب وفق قواعد اللعبة الجديدة، لكن:
ـ التاريخ لا يُمحى، والدم لا يجفّ، وفي يوم ما، ستُروى الحكايات من فم الضحية لا من فم الجلاد.
قد يحدث ذلك، ولكن سيتأخر.. سيتأخر كثيراً.
القاتل الذي لايحاسَب، يخلق جمهوراً من القتَلَة، مابالك إذا كان قد منح ما لايُحصى من المكافآت… بلا شك سيخلق أجيالاً من المجرمين.. سيكون الرابح.. من ذا الذي لايبحث عن رابح يحاكيه؟