info@suwar-magazine.org

المستقبل الذي لا يجب أن يأتي

المستقبل الذي لا يجب أن يأتي
Whatsapp
Facebook Share

 

 

هل ثمة واحد منّا يتذكّر أفغانستان؟ أعني أفغانستان يوم كانت أفغانستان أمان الله خان (١٩٢٩)، وكانت زوجته بمظهرها الراقي، تبدو كما الاميرات الأوروبيات؟

أفغانستان قلب آسيا، وتقاطع طرق الإمبراطوريات القديمة، وقد شهدت مرور الإسكندر والفرس والمغول والإنجليز والسوفييت والأمريكان، لكنها انتهت الى ما انتهت إليه:

ـ بلد يرجم نسائه، أو يُعمل السيف في الأعناق.

سنتذكّرها، لنتذكّر ما قد نؤول إليه، ومن قال أن ليس بوسع المرء أن لايتذكر المستقبل؟

ـ من قال أن الذاكرة البشرية تطال الماضي فحسب؟

 

 

سنتذكّرها في اللحظة التي تطرق فيها مشتقات "القاعدة" أبواب المدن السورية والبوابات السبع لدمشق، وستكون الحاجة ملحّة لهذا  التذكّر، بل ستكون لحظة تذكّر وجودية، ليس لأن الكارثة لم تقع بتفاصيلها بعد، بل لأنها تلوح في الأفق على هيئة سيناريو قاتم، لا يحتاج المرء إلى خيال خصب لتصوّره، فالنموذج حاضر، واضح، وموثّق.

 

كابول، التي كانت يومًا مدينة منفتحة، تمشي نساؤها في الشوارع بزيّ عصري، وتنبض جامعاتها بالتعدد، تحوّلت بعد سنوات قليلة من حكم "طالبان" ( الذراع المحلية لفكر "القاعدة" ) إلى سجن كبير، لا مكان فيه للمرأة، ولا قيمة فيه للعلم، ولا صوت إلا للتكفير والجلد.

 

ما سوف أكتبه هنا، ليس نوستالجيا لزمن مضى، بل محاولة لتصور ما ستؤول إليه المدينة الشامية إن استمر صعود فصائل العنف والتكفير في فرض خطابها وسطوتها، سواء بالسلاح أو بالخطاب الديني، أو بالتجوّل الحرّ للشيشان، والتركستان وذاك الجزائري الذي يتنقل بكل الحرية في سوق "اتفضلي ياست" الدمشقي وبين فكّيه خنجر الدعوة للـ "إيمان" و "الجهاد".

 

اقرأ أيضاً:

        

                     الجولاني والإسلام العنفي.. كيف يُكافأ القاتل؟

             

                                      في وداع "الكافر"

 

 

ـ وأين؟

في المدينة الشامية، وهي ليست عمارات شاهقة ولا مراكز تجارية، بل هي ذاكرة وفضاء مشترك، وهي الترجمة العملية لفكرة "العمران" كما تحدث عنها ابن خلدون.. المدينة الشامية ثمرة التعايش والتعدد، وهي مكان ولادة الفن، واللغة، والاختلاف، بل والإيمان الحيّ، فحين يهاجم الهمج المدن، فهم لا يقصفون الجدران، بل يستهدفون بغزواتهم تلك روح المكان،  فالمدينة تهديدًا لعقيدة، هي النقيض  بذور الحرية، ومناعة الفطرة، ولأنها تكشف هشاشة خطابهم كلما واجه الحُجة بالحياة.

 

ـ ما حدث في أفغانستان هو اختصار مكثّف لما يمكن أن يحدث فينا:

المرأة تُغيّب، من الشارع، من المدرسة، من الإعلام، من القرار، لا كينونة لها إلا ضمن تعريف ديني صارم، يجعلها كائناً غير مكتمل الحقوق.

الجامعات تُفرّغ من جوهرها، وتتحول إلى النصوص وإلغاء العقل.

الإعلام يُكمّم، ويُستبدل بمنابر تحريضية تروّج للعنف، وتُجرّم كل اختلاف فكري أو سياسي أو ديني، وثمة عدوى هذا الطاعون وقد اقتحم الجامعات.

 

المساجد تُختطف: لتتحول من أماكن للسكينة والتأمل، إلى ساحات تعبئة وتكفير.. يعتلي منابرها فقيه حرب.

الفن يُحرق، التمثال يُدمر، الموسيقى تُجرّم، والكتب تُراقب.. كل ما يمت للذوق والجمال بصلة يُعاد تعريفه كـ "بدعة" ولقد رأينا بأم العين إرهاصات ذلك من تحطيم التمثال باعتباره تحطيماً للأوثان.

 

 

ـ هذا ليس تحليلًا أو تكهّنًا، بل وقائع موثقة، شهدها العالم في كابول، وهلمند، وقندهار، ونشهد كل بداياتها اليوم في المدن السورية بدءاً من مدينة "حماه" .

 

نشهدها في المدن السورية التي ما زالت تحتفظ بهامش من التنوع المدني والثقافي، ما بعد اقتحام الفصائل الجهادية التي تسللت اولاً بخطاب "الثورة"، ولابد تشتغل على إعادة النموذج الأفغاني،  ومع كل خطوة تخطوها للأمام،  يتراجع المجتمع، ويخسر طبقة من ذاكرته، حتى يجد نفسه محاطًا بجدران لا مرئية، تخنق اليوم وتنتهك الغد.

 

ما يفعلونه، لا يقوم على قوة السلاح وحده، بل على جهاز فقهي مؤدلج، يوفّر التبرير، ويُنتج الخوف، ويُشرعن الجريمة، معتمداً على حوامل ثلاث:

 

ـ تأليه "الحكم بالشريعة" وفق فهمهم الخاص، وتحويل أي مخالفة لما يعتقدون به إلى خروج من الملة.. فالمدينة المدنية تصبح عندهم "دار كفر"، يجب فتحها لا محاورتها (ومجازر الساحل وقد أعقبتها مجازر السويداء بداية رقصة التكفير).

 

ـ كل ما لم يرد في تراث القرون الأولى يُجرّم تلقائيًا.. المسرح، اللوحة، حتى الطقس الاجتماعي كتهنئة المسيحيين بعيدهم، كلها تُدخل المرء في دوائر الشك (حتى وصل بهم الأمر لرفض الترحم على ضحايا كنيسة "دويلعة" التي قضى فيها عشرات الصبايا والشباب).

 

ـ و.. الجهاد بلا عقل وقد حولوا  مفهوم الجهاد من دفاع مشروع عن النفس،  إلى آلة قتل بلا تمييز، فكل من لا يخضع لحكمهم، يُصبح هدفًا مشروعًا، حتى لو كان مسجدًا آخر أو مسلمًا مختلفًا، وكلنا على علم أن ضحاياهم من مسلمي العراق والشام، يتجاوز بأضعاف أضعاف ما ارتكبوه بحق أبناء الديانات والمذاهب الأخرى ممن يصفونهم بـ "الكفار".

 

 

سيكون الأمر كذلك:

حين تتحول النصوص إلى شعارات، ويُعاد اجترارها في الخطب والمدارس والنشرات، ومن بعدها  سيبدأ العقل الجمعي يبدأ بالتأقلم، ويصبح الضرب في الساحات "تطبيقًا شرعيًا"، والحجر على المرأة "حماية"، واغتيال المختلف "تطهيراً".

 

 

وهكذا يتكوّن مجتمع الزعران:
مجتمع مغلق، خائف، لا يثق إلا في الجُبّة والراية السوداء، ولا يرى في جاره إلا خصمًا محتملًا، أو هدفًا للتصفية والاقتتال.

لم يستكمل هؤلاء بعد سطوتهم على قلب المدن.. لا تزال الأسواق مفتوحة، والمقاهي ببعض الحياة، والجامعات تنبض بالأسئلة، لكن التهديد قائم، وهذا ليس وقت الصمت:
ـ كل تهاون هو خطوة نحو الكارثة.
ـ كل صمت هو ترخيص ضمني لاحتلال المدينة وتدمير روحها.

ـ وكل نصر لهؤلاء، ليس سوى تسفيه المدينة لتحاكي نموذجهم في "كابول".
ليس لأن كابول كانت أقل شأنًا، بل لأن الكارثة هناك حدثت بصمت الجميع.

اليوم، لا تزال  الفرصة قائمة للدفاع عن المدنية، عن الدين الوسطي، عن الإنسان.

 


الهمج لا يخشون البندقية، بل يخشون السؤال، والمدينة تُنجب الأسئلة، ولهذا يريدون تخريبها، ثم يُعيدوا بناءها على مقاسهم، لتكون:
ـ منطقة خرساء، متطابقة، مكمّمة، تتلو فتاواهم وتعيش في ظلالهم، وبلا سؤال.

إذا ما استمر هؤلاء، فإن ما ينتظرنا ليس المستقبل، بل ماضٍ لم يُخلق لنا، وسيكون علينا، مرة أخرى، أن نبكي على مدينة كانت، ثم اختفت.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard