رائحة الجنازات صارت تعلو على أعراسنا بعد افتراسهم مدينتنا

*اللوحة الرئيسية من أعمال الفنان جوني سمعان
بينما تلملم مدينتي المنكوبة جراحها، وتحاول تعلم السير في دروب حياة مختلفة فصلت ماضيها عن حاضرها، بضربة قصمت ظهر ارتباطها بما كان يُفترض أنه وطن أم، إلا أنه ما زال يمعن في ابتكار كل عذاب بحقنا، ليطعن كل سبيل للعودة إليه.
تعود صورهم إلى ذاكرتي
صورهم القديمة في ذاكرتي زاحمتها الصور الجديدة لتطغى عليها، وتحذف ذكريات مجبولة ببراءة لا أريد استبدالها بما عذّبتهم به هذه الحرب، التي لم تذر شيئًا جميلًا دون أن تعيث فيه فسادًا.
كنت أتمنى لو بقي أهل حارتي كما كانوا في صفاء صورهم بعد أن فرقتنا طرق الحياة، ألا أعرف أخبارهم أبدًا. كم كان هذا سيكون أخف وطأة على قلبي من قصص عذابهم التي لم نتصور أن تعيشها مدينتنا الوادعة يومًا.
أيمن مسعود الذي لم يبهت جمال شعره ولا عنفوان شهامته
أيمن مسعود، رجل من حارتنا، كان له جمال خاص يلفت الأنظار.
كان يترك شعره طويلاً بعناية فائقة، فكان جميلاً تحسده عليه حتى النساء، ويطيل ظفر خنصره بعناية مماثلة.
في تلك الأيام، ورغم طول شعره، فقد كان ذا مظهر رجولي لا غبار على ذكوريته.
كبرنا وافترقت طرقات حياتنا، ولم أعد أسمع الكثير عنهم حتى جاءت أحداث الحرب الأخيرة، التي أعادتهم إلى الواجهة، واجهة كنت أتمنى لو لم يدفعوا ثمنها أعز ما يملكونه.
أيمن، والد الشاب رماح، الذي كان يعمل متطوعًا في الهلال الأحمر، واختطفه الأعداء رغم عمله الإنساني، ما جعل قصتهم تنتشر.
عرفت القصة عندما اتصل بي قريبي من جيرانهم طالبًا مني إيصال اسم رماح لشخص مسؤول، علّه يجد له طريقًا.
حين أعطاني الاسم، قفزت الصورة إلى خيالي، متسائلة إن كان فعلاً هو أم مجرد تشابه أسماء.
فوجئت بعدها حين رأيت صورته؛ كان شعره كما عرفته، رجل في منتصف الخمسينات بمظهر أنيق على طريقته، لم يبهت جمال شعره أبدًا بعد أن وخطه الشيب.
بدأت حينها معرفة خيوط القصة الموجعة لعائلة من مدينتي.
تزوج أيمن وأنجب صبيين وبنتًا أصبحوا اليوم رجالًا.
الكبير، صقر، مدرب كاراتيه، تزوج وأنجب طفلتين ثم انفصل عن زوجته.
الثاني، رماح، تطوع مسعفًا في الهلال الأحمر.
البنت تزوجت وسافرت إلى السعودية.
ماتت زوجة أيمن بالسرطان قبل بداية الحرب بشهور قليلة، وكانوا لا يزالون في حداد عليها عندما هاجمنا قوات الأمن العام والدواعش؛ كقطيع الوحوش -لا أخلاق ولا ضمير.
في بيتهم قرب دوار العمران -المنطقة التي كانت أكثر المناطق اشتعالا في المدينة-، اضطر الأب لحمل السلاح وصعد إلى السطح ليتصدى لهم دفاعًا عن بيته.
هو العارف بخارطة البيت استطاع أن يختبئ ليصطادهم دون أن يروه، وأظهر شجاعة كبيرة فكان قادرًا على قتل عدد منهم رغم كونه مدنيًا غير مدرب، قبل أن يُقنص ويستشهد، وبقي كما كان شابًا حتى موته؛ لم يبهت جمال شعره ولا عنفوان شهامته.
اقرأ أيضاً:
سامحونا على الخراب الذي آذى قلوبكم… شهادة على خيانة الدولة لأبنائها
اختطاف رماح وعذاب المدنيين
كان رماح بلباسه الميداني - لباس الهلال الأحمر- أعزل من السلاح، لم يعبأ المهاجمون بلباسه وعمله الإنساني، ولم يتركوا له المجال حتى لإسعاف أبيه في لحظة انهيار كهذه.
اختطفوه من البيت وأخذوه بمدرعة مكتوب عليها "الكرار" أمام الشهود من الجيران، ثم علم الأخ "صقر" لاحقًا أنهم استفادوا من خبرته بإرغامه على علاج المصابين منهم قرب “محمصة شهلا- شرق الشرطة العسكرية”- قبل أن يختفي ولا يعرف له أثر حتى كتابة هذا المقال بعد أكثر من شهرين على اختطافه.
الأمل في العثور على رماح يتضاءل يوميًا، لكن الأهل لا ينسون ابنهم الضائع.
شقيقته المسافرة في السعودية تتلقى اتصالات تبتزها، لكنها لا تستطيع الامتناع عن دفع المبالغ، على أمل أن يكون أحد الأخبار صادقًا.
رغم تناقض الأخبار التي يقدمها المبتزون لأخته، يستمرون في البحث والصبر، متفائلين بغد يعيده لهم.
المدنيون الضائعون والآمال المتبددة
مثل رماح، كثيرون كانوا مدنيين بلا سلاح، اقتيدوا من منازلهم أمام نظرات أهلهم المرعوبة.
أحد جيراننا، مصاب في الظهر، اقتادوه مع شقيقه، وأُبلغوا الأم أنه سيعود بعد تحقيق قصير يتأكدون فيه أنهم لم يشاركوا -ميليشيات الهجري- في القتال المزعوم.
لكن أحدهما قتل فور خروجه من المنزل، والآخر بقي مختفياً.
أختهما الناجية من السرطان لم تحتمل الصدمتين، وأسلمت روحها حزناً، وبقي الأهل يحاولون الصبر، متأملين عودة أحد أبنائهم سالماً.
قبل أن يتلقوا خبر الثالث بعد مرور شهرين ليعلموا أنه قتل منذ وعد ذلك المسلح أمهما بأنه سيعيدهما.
عرس في ظل الموت
نعود لصقر الذي أصيب بشظية استقرت في عينه وما زالت.
كان قد أرسل ابنتيه إلى والدتهما لتبقيا في أمان أيام الهجوم، وقد خطب مؤخرًا فتاة وكان يحضر لعرسه على مهل، وكما يليق.
لكن التخطيط للزواج صار ضرورة ملحة وبغاية السرعة لاستعادة ابنتيه، ولأنه استطاع أخيراً حجز موعد عملية لنزع الشظية، ويحتاج من يعتني به بعدما فقد أفراد أسرته وفقد بيته الذي لم يحتمل المهاجمون دفاع أبيه عنه، فأحرقوا البيت بما فيه.
واجه صقر صعوبات كبيرة بسبب ظروف الحرب وغياب أبسط التجهيزات في ظل حصار خانق على المدينة؛ مستمر لأكثر من شهرين، حصار يمنع حتى الدواء من الدخول، فكيف بترف كالثياب؟
رتب عقد الزواج في مشهد متواضع جداً لا يشبه عرساً بقدر ما يشبه وجعاً، ككل ما في السويداء من قهر، ومن قوة حياة تحت ظلال الموت.
بعد الاتفاق مع شيخ لعقد القران، انقطع التواصل معه. التجأ لشيخ آخر في الثمانينات من عمره وقد انقطع عن الخروج إلا للضرورة -ليضمن حضوره وعقد القران- وهذه كانت أكثر من ضرورة.
وبحصوله على موافقة الشيخ جمع على عجل خمسة رجال بينهم الشيخ الذي عقد القران في سيارة، دبروا لها الوقود بصعوبة شديدة، وركب العريس خلف صديقه على دراجة نارية -حيث لم يستطيعوا تأمين الوقود لسيارة أخرى-.
كان يرتدي قميصاً استعاره من صديق قبل يوم، حيث عزّ وجود ثياب جديدة في مدينة محلاتها منهوبة ومحروقة، ووافق بعد مئة رجاء من صديقه على أن يرتدي قميصاً أبيض بدل الأسود.
فغسلته جارتنا مع البنطال وكوتهما ليستعيدا بعض الإشراق، وارتجل ما يشبه العرس في دمار حرب اقتنصت فرحة صقر وزواجه.
ليستمر صمود العائلة في وجه الخسارة ومعاناتهم المستمرة، كما يليق بأهل جبل الباشان الصامد رغم كل التحديات.
وينتظرون رمّاح الوسيم، الذي لا يزال مكانه ينتظر عودته.
أرجو من كل من يقرأ هذا، ويستطيع إيصال صوته، أن يساعدنا لاستعادة هذا الشهم الذي تليق به حياة كريمة.
أوردت القصة بأسماء حقيقية كاملة، راجية أن تلقى قارئًا يمكنه المساعدة.