info@suwar-magazine.org

سامحونا على الخراب الذي آذى قلوبكم… شهادة على خيانة الدولة لأبنائها

سامحونا على الخراب الذي آذى قلوبكم… شهادة على خيانة الدولة لأبنائها
Whatsapp
Facebook Share

* اللوحة الرئيسية من أعمال الفنان لقمان أحمد

 

 

في المنشورات التي نراها مؤخراً على وسائل التواصل، يُصوَّر أهالي السويداء وكأنهم حالة طارئة اقتحمت الدولة السورية ولوّثت واقعها بعلمٍ أزرق يهدد كياناً متماسكاً. يسموننا "دروزاً"، ناسين أننا جزء من نسيج سوري عريق، تشارك فيه المسلمون (مدنيين أو بدو) والمسيحيون منذ قرون، بلا مشكلات تُذكر.

 

 

جئنا إلى جبل العرب، السويداء اليوم، في منتصف القرن الثامن عشر تقريباً، قادمين من جبال لبنان بعد المذابح. كانت الأرض مهجورة إلا من بعض عشائر البدو الرحّل الذين يجيئون ويذهبون، وقليلٍ من العائلات الفلاّحة المسيحية والمسلمة الذين ظلّوا أهل بلدٍ معنا حتى اليوم. فأعدنا الحياة إلى أرضٍ باردة وصعبة، وأحيينا معها ذكرى فيليب العربي وأقدم كنائس التاريخ، والحمّامات الرومانية، وآثاراً أخرى لعلها ما كانت لتبقى لولا من استوطنها.

 

 

ومنذ ذلك الحين، عشنا في السويداء وتوحّدنا بقسوة حجارتها، وتحملنا شظف العيش فيها بقلوبنا. رأيناها وطناً صغيراً ضمن الوطن الأكبر، سوريا، فبقينا مواطنين ملتزمين بالأرض والدفاع عنها.

 

 

لقد عُرف عن الدروز عبر تاريخهم بإخلاصهم لأوطانهم، وقد تجلّى هذا الولاء في مواقف حاسمة. ففي القرن التاسع عشر تصدّوا لغزاة إبراهيم باشا وجيشه الجرّار، محافظين على أمن مناطقهم واستقلالية مجتمعهم. وفي عهد الاستعمار الفرنسي، قاد سلطان باشا الأطرش الثورة السورية الكبرى رمزاً للمقاومة التي حرّرت سوريا من الاحتلال، وجعل من الجبل حصناً للكرامة الوطنية. ولم يتوقف ولاء الدروز عند حدود المقاومة فحسب، بل تجلّى أيضاً حين واجه أديب الشيشكلي الجيش الوطني لمحاصرة الجبل، فاستوعبهم سلطان باشا ودافع عن مجتمعه من دون أن يفرّط بالوطن. جميع هذه المواقف تعكس التزام الدروز العميق بسوريا ومساهمتهم الفاعلة في حماية أرضها وهويتها الوطنية.

 

 

لم يبدّل الدروز عهدهم مع وطنهم. فعقود طويلة، منذ زمن الأسد الأب وصولاً إلى عهد الابن، بقوا يستظلون بعباءة الوطن، خيطاً صادقاً في نسيجه يرفض الانفكاك. غير أنّ النظام راح يسحب طرف هذا الخيط، علّه ينفلت مترهّلاً في النهاية.

 

 

لم يحتمل الأسد أن يعرّي قبحه رجل بقوة سليم حاطوم، فأقسم أن يأخذ بثأره متى سنحت له الفرصة. أعطاه عهداً بالعودة من منفاه في الأردن، ولأن سليم ظنّه رفيق نضال، صدّق الكلمة. غير أنّ العهد كان زائفاً، كلمة رخيصة تليق به. وحين عاد سليم، لم يمهلوه أن يبلغ دمشق بل استقبلوه على الطريق وقتلوه. ولم يكتفوا بذلك، بل خَوْزَقوه وهو ميّت.

 

 

ومن بعده بقينا نحن ذلك الخيط المنسول الذي يترنّح في عباءة الوطن، تحت ضغط الإقصاء والتهميش، الحديث عن الدروز فيه غمز، يحاول وضعهم في دائرة الشك، كأنهم شوكةً في الخاصرة، دُمّلاً يحتاج فقأً، بينما كنّا شرارةً من المجد والكرامة والانتماء المستميت.

 

اقرأ أيضاً:

        

                                المستقبل الذي لا يجب أن يأتي

        

مهمّشون
 صرنا الجزء المستثنى من كل أشكال الخدمات الحكومية. بلا معامل، بلا شركات كبيرة، بلا استثمارات. طرقنا من الدرجة العاشرة. حتى طريق العاصمة، أكبر طرقنا، كان متهالكاً يُعرف بـ"طريق الموت". بقينا محافظة فقيرة، يعيش أهلها على إيرادات المغتربين، فيما الفقر يزداد يوماً بعد يوم، والقرى تغرق في خدمات لا تلبّي أبسط الاحتياجات الإنسانية.

 

 

الثورة وصمودنا
 لم يسمح لنا الوطن يوماً أن نكون جزءاً أصيلاً، ومع ذلك أصررنا أن نكون. رفضنا أن نكون أداة لقتل إخوتنا حين وقعت بحقهم الجريمة في زمن الأسد الابن. ورغم كل أشكال الضغط والقتل والتعذيب، لم يلتحق أولادنا بجيش القتل.

 

استمررنا في الثورة. كنّا آخر معاقلها حين نسيها الآخرون. وقفنا عاماً ونصف العام نطالب بسقوط الأسد، صدحت أصواتنا الحرّة بلغتنا التي نفهم، بفّننا، بدبكاتنا، بفرحنا، بكل ما هو جميل. حتى سمّوا ساحة الاحتجاجات وسط البلد "ساحة الكرامة". بعد أن كان اسمها "ساحة الأسد".

 

وحين سقط الأسد، فرحنا مع الجماهير. خرجنا إلى ساحتنا، وزغردنا للحرية التي ظنناها كالجميع: "أطلت أخيراً". غنّينا، رقصنا، وصارت "ساحة الكرامة" محجّة لكل الأحرار في سوريا وغيرها.

 

 

بعد السقوط الذي أسميناه بسقطة قلم: "تحريرًا"
 وبينما كنّا نحتفل بسقوط النظام، بدأت مرحلة جديدة من القتل والإقصاء.
 ما كان تهميشاً من الأسد، وما كان خيطاً تركه مترنّحاً في عباءته، انتزعه الجولاني بالكامل، تاركاً مكانه ثغرة بشعة لن تُخفيها كل محاولاته الرخيصة. وما كان بالأمس إقصاءً، صار اليوم ساطوراً قطع رقبة انتمائنا.

 

استغلّوا مشاكل الدروز مع البدو، وهي مشاكل طبيعية من النوع الذي يحدث بين الإثنيات المختلفة، لكنهم ضخّموها وحوّلوها إلى حرب. كانت آخر الحوادث قد بدأت بعد سقوط النظام مباشرة: البدو في قريةٍ "المطلّة" على طريق السويداء–دمشق اختطفوا المارّة، وسلبوا سياراتهم. بعض الناجين رووا أنّ حاجز النظام  على الطريق، مقابل للمطلة كان يؤخّر السيارة أثناء التفتيش، وما إن تسير حتى تقع بيد العصابة. وكأنّ هناك تنسيقاً بينهم، وإن لم يوجد دليل حاسم. لم ينجُ حتى التاجر الدمشقي الذي جاء للسويداء، فقُتل في طريق العودة لمجرّد أن القتلة ظنّوه درزياً.

 

 

بلغ الرعب حدًّا جعل الناس تتحاشى الطريق إلا في البولمانات الكبيرة، علّها تسلم. ومع ذلك، لم تكن دائماً بمنأى عن رصاصة طائشة، فأصبح الطريق شبه مقطوع إلا للضرورة. وحين خُطفت سيارة تاجر خضار وسُرقت بضاعته، ثم أُلقي جريحاً على بُعدٍ من الطريق حتى زحف وبلغ من أنقذه، ثارت الدماء. ردّ الأهالي باختطاف بدوٍ مقيمين في السويداء (كونهم امتداد لبدو "المطلة"، لمبادلتهم بالمختطفين من أبنائهم.

 

 

لم يكن صعباً على النظام احتواء الأزمة، لو شاء. لكنه تركها تتفاقم، ليصنع منها ذريعة ظاهرها فضّ النزاع بين البدو والدروز، وباطنها حرب إبادة طائفية. استثار حميّة الثأر لدى عشائر البدو في كل سوريا وامتداداتها في الخارج، فتح لهم الطرق ليدخلوا بعشرات الآلاف، وفرض حصاراً خانقاً يمنع خروج أهالي السويداء أو دخول الدروز من المناطق الأخرى، وهو يعلم أنّ غيرة أهل الدين الواحد ستدفعهم للدفاع عن إخوة الدّين.

 

 

عدد سكان المحافظة لا يتجاوز نصف مليون، ومع ذلك، الجيش الذي دخل تجاوز المئة ألف مقاتل، حيث تمكنوا من اجتياح عشرات القرى في وقت واحد، وظلت جيوش الفزعات تردفهم ليتزايدوا على مدى أيام! أي بمعدّل مقاتل واحد لكل أربعة مواطنين، معظمهم من العجائز والأطفال بعد أن لم يترك النظام لشبابها خياراً سوى الهجرة.

 

 

كان القادمون خليطاً من البدو، ومن شذّاذ الآفاق المطرودين من بلادهم بتهمة الإرهاب، ومن رجال “الأمن العام” متنكرين بلباس العشائر حيناً، وبشارات الأمن أو داعش حيناً آخر. ارتكبوا جرائمهم بوقاحة، بل وثّقوها بكاميراتهم كما لو كانت غنيمة نشروها ليتباهوا بها.

 

 

النداء للحماية الدولية

أمام كل هذا الرعب، لم يبقَ أمام أهالي السويداء سوى الاستجارة بدول العالم طلباً للحماية الدولية.
 وهنا لعب النظام بأخبث ما يملك: شدّ الحبل من طرفين. من جهةٍ عقد اجتماعاته مع إسرائيل، ونسب إلينا زوراً أننا نستجير بها (رغم أنّ اسمها لم يكن قد ذُكر أصلاً)، وتابع حرباً إعلامية متغطرسة جعلت منّا وحوشاً لا تمتّ للأخلاق بصلة، وقد كان بدأها بعد ستلامه الحكم بفترة قصيرة همساً، لكنها في هذه المرحلة صارت حرباً حقيقية، ليزرع هوّة بيننا وبين أهلنا، لا أدري إن كان يمكن ردمها يوماً. ومن جهة أخرى سدّ كل المنافذ على المحافظة، حتى لا يبقى لنا في النهاية سوى إسرائيل حامياً وصديقاً بعد كل ما عانيناه.

لكن ما جرى لم يكن حرباً عادية؛ فالحرب، رغم قسوتها، لها أخلاقها، والجنود عادةً يقاتلون جنوداً. أما هنا فكانت وحوشاً منفلتة، تسعى لالتهام قلب كل "درزي" تقع عليه عيونها. كان السؤال الوحيد الذي يُطرح: "هل أنت درزي؟" وعلى الجواب يتوقف المصير: رصاصة في الرأس، أو سكين يقطعها إن كان الجواب نعم.

 

 

لم تسلم كنيسة ولا دار عبادة لجأ إليها الأهالي. لم يسلم الأطفال: قُتلوا، أو أُجبروا على السير فوق دماء أهلهم في طريقهم إلى السَّبي ـــ كما أمر ابن تيمية الذي أُعيد تفعيل فتواه بعد خمسة قرون.

 

 

أبناء عمومتنا الدروز في فلسطين لم يحتملوا مشاهدة هذا الظلم الذي قادته السلطة على إخوة الدم، فانطلق النداء المعروف: "يا غيرة الدين". وفي العرف، بعد هذا النداء، يصبح العار أشدَّ من الموت إن بقي درزيٌّ قاعداً عن الجهاد.

 

 

تحت ضغط الضباط الدروز واحتجاجات الشارع، تدخّل الجيش الإسرائيلي. ومن يعرف الغارات العسكرية ويُدرك الوقت اللازم لتجهيزها، يعرف أن خطةً ما كانت قد أُعدّت مسبقاً. سرعان ما شُنّت الغارات: فجَّرت مصفحاتهم، وضربت مسيراتهم، وأُجبروا أخيراً على التراجع، بعد سقوط آلاف الشهداء المدنيين.

 

 

ومع ذلك، لا يزال التهديد قائماً: خرقٌ للهدنة، محاولات تسلّل، واثنتان وثلاثون قرية تحت سيطرتهم. وحدها قرية "رضيمة اللوا" سُمح لقوات الهلال بالدخول إليها، وهناك وجدوا الجثث في الطرقات والبيوت، وحتى في خزانات المياه لتسميم السكان إن عادوا.

 

 

مجازر السويداء ولجان التزييف

بعد أن انتهت المجازر، وقد تركها تنتهي على مهل؛ متفرّجاً أحياناً يوجّه من بعيد، ومشاركاً فعليّاً أحياناً أخرى.
 وحين علت الأصوات تنديداً، طالبنا بلجنة للتحقيق، فجعلوا أعضاءها من وزارة الدفاع نفسها التي قصفتنا، وقرّروا أن يكون التحقيق عبر الهاتف فقط!
 وعندما ارتفعت التقارير الموثقة للجرائم، بجهود أبناء المدينة المنتشرين في أصقاع الأرض، جاء الأمر بلجنة دولية. حاول النظام أن يرمّم وجهه قبيل دخولها؛ أرسل "المحافظ" ليغطي ما استطاع في القرى التي بقيت تحت سيطرته. لكن الحقيقة لن تُغطَّى: الدمار والحرائق، استهداف المقامات الدينية، نهب الإرث الروحي؛ كل ذلك كان شاخصاً لا يُمحى، وفيديوهات الجرائم أكثر من أن تخبّأ.

 


 وحين أُطلقت نيران بندقية على مئذنة جامع احتمى بها قنّاص، تحولت المئذنة إلى مادةٍ لصناعة رأي عام، بينما كانت مقاماتنا الموروثة تُحرق أمام عيون الجميع.
 ثم أكمل حيفه بحصار ما زال مستمراً من 13 تموز، حتى ماء الشرب لم يستطع أن يخترقه، ومنذ ذلك الحين، تعيش المحافظة على المساعدة التي يقدمها أبناؤها المغتربون عن طريق UN، أو من أقاربنا في إسرائيل.

 


 ارتفعت المطالب بمعبر إنساني لاحتياجاتنا الأساسية، فأنكروا وجود الحصار أصلاً، وأغلقت الأردن أبوابها رافضة فتح هذا المعبر. وحين قبلت إسرائيل بفتح معبر يصلنا بالكرمل، وجدنا أنفسنا أمام وجهة واحدة لا قدرة لنا على رفضها.

 

 


 وصِرنا "الخونة"، بختمٍ لا يترك مكاناً للتكذيب.
أكثر ما يؤلمنا في هذا التخوين، أنّ من تألموا لرؤية قماشٍ ملوّن، كانوا قد أعمَوا أعينهم عن رؤية دماء البشر التي أراقها جيشُ 'الوطن' نفسه.

 هكذا أنجز الجولاني مهمته وأكمل المشروع؛ كسب كل ما أراد دفعة واحدة: تخلّص منا بفصم عقدٍ لا يمكن وصله من جديد، ونفّذ مشروعهم الذي أقاموه لينفّذوه "بأمانة" يكافأ عليها.

 

 

 

عصر الخراب، وعصر الصمود

إنه عصر الخراب، لكنه أيضاً عصر صمودنا، نحن أبناء السويداء، نحمل الجراح، والذاكرة، والكرامة.

اليوم، ولأول مرة، نشعر أن هذا البلد يخاف علينا… كما نخاف عليه.
 لم نعد أقليةً منسية في وطنٍ أُجبرنا طويلاً على التنازل عن انتمائنا إليه.

ورغم الخراب كله، تبقى الكرامة في قلوبنا، وتظل ساحة الكرامة رايةً للأجيال القادمة.

ما نراه اليوم، هو تعاون مذهل لم نعهده من قبل، بين أهل السويداء هنا، وبين الدروز من كل مكان، من كل أنحاء العالم، حرفياً، يجتمعون بتنظيمٍ ومحبة، بفكرٍ يعطي الآخرين قبل أن يُشبِع نفسه، بتآخٍ يجعل كل واحدٍ منا يشكر الله… أنه وُلد بين قومٍ يعرفون كيف يحبون هكذا.

 

 

نداء الحرية

قبل كل هذا، كنا نغني في ساحتنا:
 "لطلع عا راس الجبل واصرخ يا حرية"
 ويرد عليّ الحِدا من كل سوريا.

بعد كل ما حدث، لم نعد نغني لجبل العرب فقط.
 سنغني اليوم لجبل الدروز،
 للسلطان، ولأبطالنا.
 ونستحضر بألم إخوتنا الذين دفعونا لنصبح "أعداء"،
 دفعونا من حيث يوجعنا،
 من عمق الألم والمعاناة والكرامة،
 لنصبح أعداء، بعد أن كنا إخوة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard