info@suwar-magazine.org

الطائفة.. ذاك "الافتراس الأمومي" النهم

الطائفة.. ذاك "الافتراس الأمومي" النهم
Whatsapp
Facebook Share

 

هيَ هيَ، تلك الجماعة المغلقة التي تظن بأنها أداة لحماية أبنائها، هيَ هيَ التي تتحول إلى أداة لإبادتهم، هذه الـ "هي"، هي "الطائفة"، وهل يحتاج كلام كهذا إلى برهان؟

ـ لِمِ لا؟

خلاصة كتلك تستدعي التوقف أيضاً مع المفاهيم، بل إلى "التعريف"، تعريف "الطائفة"، بما يتجاوز القول بأنها مجرد رابطة اجتماعية أو سياسية، للوصول إلى الحقيقة الأخرى،  التي تعني بأن "الطائفة" هي أفقٌ ميتافيزيقي يعطي للإنسان وهَم وجوده.. خدعة الوجود، وفي حال كهذا سيتجاوز الانتماء الطائفي حدود العقلانية؛ فهو يمنح الفرد شعوراً زائفاً  بأن حياته مشروطة بمعنى أعلى، يتجاوز ذاته.

ـ معنى أعلى؟

نعم.

غير أن هذا المعنى الأعلى سرعان ما يتحول إلى أداة ضبط، حين تتعرض الطائفة لتهديد خارجي، لتشدّ العصب وتتماسك، فإذا ماحدث النصر، أو لحظة انكسار العدو الخارجي، تُترك الطائفة بلا "آخر" تحاربه، فتبحث عن آخرٍ جديد.

وهنا يبدأ السؤال اللاحق:

ـ من هو عدوها الجديد؟

 إنه في داخلها، يُستنبت من تربتها ووحولها ويبدأ الانقسام.

 ولنذهب مع لعبة التاريخ فقد تهدينا وقائعه إلى ما أعمينا أعيننا عنه في الحاضر.

 
 

 

 

لعبة التاريخ فقد تهدينا وقائعه

في التاريخ الإسلامي مثلًا، كان الانقسام بين المسلمين واليهود في يثرب بدايةً لاصطفاف طائفي واضح، لكن سرعان ما انتهت هذه الخصومة إلى صراع داخلي بين المسلمين أنفسهم بما عُرف بحروب الردة ثم صفّين والجمل وكربلاء، ومع مرور الوقت، تحولت هذه الصراعات إلى نزاعات مذهبية شيعيةـ سنية، ثم انقسامات داخل كل مذهب على حدة (الإسماعيلية، الزيدية، الاثنا عشرية...). وكأن الطائفة لا تشعر بكمال هويتها إلا عبر صراع جديد، حتى لو كان الصراع مع الذات.

ـ إنها كائن يُعرّف نفسه بدلالة الآخر، العدو، أو المُختلف.

 

 

يمكن أن نجد شيئاً مشابهاً في المسيحية، فبعد أن كانت المسيحية في القرون الثلاثة الأولى مضطهدة من روما الوثنية، دخلت طور القوة السياسية مع قسطنطين، لتبدأ بعدها الانقسامات:

ـ  الكاثوليك ضد الأرثوذكس، ثم الكاثوليك ضد البروتستانت، ثم الحروب الطائفية بين البروتستانت أنفسهم في أوروبا.

 

ولعل حروب الثلاثين عاماً (1618-1648) أبرز مثال على كيف أن الحرب التي بدأت بصراع ديني بين كاثوليك وبروتستانت انتهت إلى حرب أوروبية شاملة دمّرت مجتمعات برمّتها وأدخلت القارة في طور من إعادة التفكير بفكرة الدين والدولة، ومن نتائجها المتأخرة، الكفر بالدين لحساب بناء الدولة.

 

اقرأ أيضاً:

     

             هل سنردد ماردده الجندي "شيفيك": هايل هتلر، ثم يختنق صوتنا؟

   

 "آبو" من سجن "إيمرالي"، إلى تأملات ما بعد السجن .. يوم يتحرّر السجين من قيوده

  

 

في أيامنا

التجربة اللبنانية تحمل دلالة قوية، بدأ الصراع اللبناني كصراع طوائف (مسيحية/مسلمة/ سنية/شيعية)، لكنه انتهى إلى حروب داخل كل طائفة: الموارنة انقسموا بين بشير الجميل وخصومه، والشيعة انقسموا بين أمل وحزب الله، والفلسطينيون أنفسهم دخلوا في حرب مخيمات دامية.

 

ما جرى في العراق بعد 2003،  لا يبتعد كثيراً عن المثل اللبناني، إذ تحوّل الصراع من سنّة وشيعة ضد الاحتلال الأميركي إلى اقتتال سنّي–سنّي (القاعدة ضد العشائر السنية) واقتتال شيعي–شيعي (جيش المهدي ضد المجلس الأعلى).

 

 

لو عدنا إلى لبنان "الأقدم" بل وإلى ١٨٦٠، إلى جبل لبنان وحروبه، والتي اشتهرت بأنها حرب بين الدروز والموارنة،  سنعثر على مايكفي من الشواهد بأن البيئة الدرزية نفسها شهدت صراعاً داخلياً حاداً بين زعامات الطائفة، فقد كان جبل لبنان مقسماً إدارياً إلى قائمقاميتين:

ـ واحدة للمسيحيين (الشوف والمتن وجبيل...) وأخرى للدروز (حاصبيا وراشيا والبقاع الغربي).

داخل البيئة الدرزية، تنافست العائلات الكبرى مثل آل جنبلاط وآل أرسلان وآل عبد الملك وآل تلحوق على الزعامة والنفوذ، وتباينت مواقفها تجاه العثمانيين والمسيحيين، بل وتجاه استخدام العنف نفسه.

 

 

هذا التنافس انفجر في شكل مواجهات مسلحة بين القرى الدرزية المتحالفة مع هذا الزعيم أو ذاك، خصوصًا بعد أن حاولت الدولة العثمانية إعادة تنظيم الحكم المحلي بما يحدّ من نفوذ الإقطاعيين، فحدثت اشتباكات بين أنصار سعيد جنبلاط وأنصار خصومه، وأحرقت قرى درزية على أيدي دروز آخرين في سياق تصفية الحسابات الداخلية أو الانتقام.

والنتيجة؟

النتيجة  أن "أداة الحماية" التي هي "الطائفة" تحولت إلى "أداة إبادة".

بمعنى آخر، حرب 1860 لم تكن فقط مواجهة درزية–مارونية، بل كانت أيضًا فرصة لتصفية صراعات قديمة بين الزعامات الدرزية نفسها على النفوذ السياسي والعسكري، ما جعل بعض القرى الدرزية تدفع ثمن صراع داخلي بقدر ما دفعته في الحرب ضد الموارنة.

 

 

ـ هل يتوجب علينا أن نتوسع أكثر لنتساءل:

ما الذي حدث في قارات أخرى وأماكن أخرى كما الحال في رواندا؟

في رواندا، كان الصراع بين الهوتو والتوتسي، لكن بعد المجازر الكبرى، بدأت حرب الهوتو على الهوتو أنفسهم، إذ ظهرت أجنحة متشددة تفتك بأيّ هوتو يُشتبه بتعاطفه مع التوتسي أو رفضه للمجازر.

 

 

ربما نلجأ للفلسفة.. قد تعيننا.

ما يجري هنا ليس مصادفة، بل تعبير عن ديناميكية كامنة في كل جماعة مغلقة، ربما التقطتها الفلسفة أكثر مما بوسع السياسة أن تلتقطها، فهذا الفيلسوف الألماني هيغل أشار إلى أن الهوية لا تتحدد إلا بوجود الآخر: "الوعي بالذات هو وعي بالآخر".. حين يختفي الآخر أو يُهزَم، تحتاج الهوية إلى إنتاج "آخر داخلي" حتى تستمر.

الطائفة إذن ليست كياناً ساكناً، بل ماكينة لإنتاج الصراع، تبدأ بصراع خارجي ثم تنقلب إلى صراع داخلي حين يزول التهديد الخارجي.

 

 

حين يزول الضغط الخارجي، تتجه العدوانية إلى الداخل.. إلى صراع داخلي بين أبناء الجماعة:

ـ  في البداية تتوحد لقتل (العدو الخارجي)، ثم تتنازع على ميراثه، ثم تعيد إنتاج السلطة الاستبدادية عبر زعمائها الجدد، وتعيد دورة العنف إلى الداخل، ليتحوّل مخلّص الطائفة إلى جلاّدها.

 

وهنا ربما يكون السؤال الأعمق هو:

ـ هل يمكن للطائفة أن تتجاوز هذه الحلقة الدموية؟

 

سنلجأ لـ حنة أرندت عن "العفو" كفعلٍ سياسي، فالمصالحة الحقيقية بين الطوائف، أو بين أبناء الطائفة الواحدة، ليست ممكنة إلا إذا تخلّت الطائفة عن فكرة "الحق المطلق"، وبدأت ترى نفسها كجزء من مجتمع أوسع لا يقوم على الاستبعاد.. يحدث ذلك عندما يُمحى من الذاكرة شعار:

ـ نحن الأفضل.. الأكرم.. الأشجع.. نساءنا محصّنات ونساء الآخر عاهرات.. دمنا أزرق ودم الآخر بلا لون.

يُمحى حين تعترف الطائفة بأنها منحدرة، كما بقية الطوائف،  من جد واحد انحدرت منه البشرية بأجمعها وأعني:

ـ الشمبانزي.. جدّنا الأول.

 

 

الطائفة التي تبدأ كملاذ حماية، لا تنتهي إلاّ أن تكون فخاً لأبنائها.. التاريخ يخبرنا أن الحرب الطائفية ليست نهاية الصراع، بل بدايته الداخلية، لتكون النتيجة:

ـ دائرة مغلقة تلتهم نفسها حتى الفناء.

 

في عالم "العناكب" ثمة بعض الأنواع تمارس ما يُسمى بـ "الافتراس الأمومي" حيث تأكل الأم أبناءها، و... قد يحدث العكس.

 

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard