info@suwar-magazine.org

من ينشر الموت يغتال من يستحق الحياة

من ينشر الموت يغتال من يستحق الحياة
Whatsapp
Facebook Share

 

                                                                شهادة من دوار العمران

 

                           

تنام المدينة على جراحٍ لا يدرك عمقها إلا من عاشها أو عايش صداها.

نحن هنا لننقل الشهادات الحيّة، شهادات أولئك الذين واجهوا الظلم والحيف، فيما حاول البعض طمس صوت الحقيقة. لكن الحقيقة لا تُمحى؛ صوتها راسخ، يعلو حتى لو تأخر، ويظهر مهما حاولوا كتمه، وخاصة حين يُفقد نصف الأسرة في ضربة غدر واحدة.

 

 

                                                                       (1 )

 

التعريف بالصديقة والبيئة المحيطة

بدلت الأسماء بناءً على طلب صديقتي التي لم تحب نشر أسماء أفراد عائلتها.
صديقتي رانيا فتاة هادئة، طيبة، مهذبة، ومن أفضل من يمكن أن تتعامل معهم. تعكس شخصيتها صورة أسرة مثقفة، بسيطة، تعيش بسلام وتسعى لكسب رزقها بكرامة، دون أن يكون لها أي علاقة بالحرب أو السلاح، بل لم يخطر ببالها يومًا أن تقتنيه.

يعيش اثنان من أشقائها في السويداء. أخوها الأصغر سامر كان قد تعرّض لحادث سير ترك له علة في ظهره جعلت حركته محدودة وصعبة. أما شقيقاتها، فإحداهن كانت قد نجت من السرطان، وما زالت في طور العلاج، لكنها كانت في حالة مستقرة وتتعافى تدريجيًا.

 

 

                                                                      (2 )

مكان السكن وظروف الحرب
خلال هجوم المسلّحين من بعض العشائر ومجموعات مسلّحة تضم مطلوبين دوليًا بتهم الإرهاب، وبإشراف مباشر من أجهزة الأمن العام، كانت منطقة دوار العمران أكثر النقاط اضطرابًا، لوقوعها عند مدخل السويداء من جهة قرية المزرعة التي انطلق منها الهجوم إلى المدينة.

يقع بيت أسرة صديقتي على طريق الحج، قريبًا من الدوار باتجاه المزرعة، أي في قلب المنطقة المهددة مباشرة. وقد تعرّض هذا الحي لهجمات متواصلة طوال الأيام الخمسة التي «طحنت» السويداء، من قتلٍ وحرقٍ ونهب.

سكن أفراد الأسرة في شقق متجاورة ضمن بناء واحد؛ بيت العائلة وبيوت الإخوة والأخوات مع عائلاتهم. وفي بناء قريب سكن أهل زوجة (ي.ع)، شقيق صديقتي.”

   

اقرأ أيضاً:

        

               رائحة الجنازات صارت تعلو على أعراسنا بعد افتراسهم مدينتنا

        

      سامحونا على الخراب الذي آذى قلوبكم… شهادة على خيانة الدولة لأبنائها

        

 

                                                                      (3 )

 

 لحظة الهجوم والاختطاف

"حين بدأت أخبار الهجوم تتأكد مع اقتراب المسلحين من اجتياز قرية المزرعة باتجاه مدينة السويداء، أبعد الأهالي النساء والأطفال إلى القرى البعيدة، فيما بقي الرجال ليدافعوا عن بيوتهم.

ذهبت أم صديقتي وأخواتها مع أطفالهن إلى القرى، بينما التحق شقيقها سامر ببيت أهل زوجته، حيث اجتمع مع عائلته وعائلة أخت زوجته، ليكونوا معًا في مكان واحد.

في اليوم الأول للهجوم، داهم المسلحون المنزل، وأنزلوا النساء إلى الطابق السفلي. في تلك الأثناء عاد شقيق الزوجة من الخارج، ففزعوا من حركة دخوله وأطلقوا عليه النار قبل أن ينسحبوا.

في اليوم التالي، أبعد سامر النساء والأطفال إلى مكان آمن، ثم عاد ليبقى مع أهل زوجته الذين رفضوا مغادرة البيت، خاصة أن جثة ابنهم القتيل ما زالت في الداخل.

نزل أهل الزوجة ووزوج أختها مع جار لهم لدفنه في بستان قريب، بينما بقي سامر لعجزه الصحي عن المشاركة. لكن المسلحين باغتوهم أثناء الدفن، فأحاطوا بهم واقتادوا جميع الرجال بالقوة، بينهم سامر، بعد أن فتشوا المنزل.

 

في الطريق، أصيب والد الزوجة، لكنه نجا بعدما تركوه إثر رشوتهم بالنقود. روى لاحقًا أنهم طمأنوه بقولهم: «لا تخف، مجرد تحقيق لن يطول أكثر من ساعة، ثم نعيدهم لك سالمين، عد الآن لتطمئن أهلك.». لكن تلك الكلمات لم تكن سوى غطاء لجرائمهم.

 

تتعدد الروايات عن وحشية هؤلاء المسلحين. من بينها واحدة تروي دخولهم إلى منزل آخر، حيث وجهوا السلاح إلى أحد الأبناء، فصرخ والده: اقتلني بدلاً منه. لكنهم ردوا ببرود: «ما لي ولك؟ لن تبقى طويلًا قبل أن يأخذك الله، أريده هو»، ثم أطلقوا النار على الابن أمام عينيه. كانوا يتعمدون قتل الأطفال والشباب، كما قتلوا الشيوخ إذلالًا. أما الكهول ومعظم النساء، فقد تركوهم شهودًا بذواكر تختنق بصور دماء أحبتهم التي أريقت أمامهم.

 

 

                                                                      ( 4 )

 

عودة الابن الأول

لم يطل انتظار العائلة حتى تبدّد الوعد بعودة المخطوفين سالمين. مرّت الساعات ثقيلة، الساعة صارت ساعتين، ثم يومين… كان الأخ الأكبر، نبيل، يزور أهل زوجة أخيه ليطمئن عنهم في غياب الأخ الأصغر، وقَلَق زوجته على أهلها. ثم انقطع الاتصال به بعد إحدى زياراته، خلال مروره بدوار العمران.

كانت الهجمات في أشدها، وكان الوصول إلى المنطقة شبه مستحيل، فلم يتأكد أحد من مصير الأخ. ومع أنهم حين اتصلوا به، كان أحد المسلحين يرد ويستهزئ بهم، قائلاً إنهم لن يروا ابنهم مرة أخرى، فإن عدم وجود جثة جعل الأمل بعودته كبيرًا، فلم يريدوا تصديق كلامه.

حتى انجلت سماء المدينة بعد يومين، واستطاع ابن عمها الوصول إلى المنطقة، فوجد الجثمان الذي بدا مرور الوقت عليه، وكأنه سقط منذ فقدوا الاتصال به.

 

 

                                                                      ( 5 )

 

وفاة الأخت الناجية من السرطان

  مضت الأيام وانتهى الهجوم، واستطعنا النجاة. بدأت الأسر النازحة بالعودة من أماكن لجوئها، وحتى ذلك الحين لم تكن نساء الأسرة اللواتي كن بعيدات قد علمن بمصير الأخوين، فقد كانت الاتصالات تنقطع معظم الوقت، وغالبًا ما كنا نحن "المغتربون" من ننقل الأخبار لمن هم على الأرض حين نتمكن من التواصل مع أحدهم عبر الشبكة الشحيحة المتاحة. ولم يُسمح للأخبار أن تصل الأم والأخت، خوفًا على صحتهما.

لكن الأخت الناجية من السرطان علمت عند عودتها إلى البيت بمصير أخيها، ولم تحتمل مصيبة استشهاده. جاء الخبر كأنما سرطان جديد ألمّ بها، فتدهورت صحتها ودخلت المستشفى أيامًا قبل أن تسلم روحها حزنًا عليه.

الأم، التي علمت بما حدث من أهل الزوجة، فكرت: "بما أن المسلح لم يكن مضطرًا لإطلاق أي وعد، وبما أنه يزعم أنّه مسلم، بلحية طويلة وينطق بشعار 'الله أكبر'، فهو بالتأكيد سيلتزم بعهده ويعيد ابنها إليها، ولو طال الزمن."

كانت تكرر لنفسها: "الحمد لله، الله سيسلّم ابني من كل شر. أرجوكم أيها الخاطفون أن ترأفوا به، فإنه قد أصيب في الحادث، ظهره يؤلمه ولا يستطيع النوم من دون المسكّنات، كما أنه لا يستطيع أن يمشي جيدًا. هو ليس فقط غير مسلّح، بل إنه غير قادر على القتال حتى لو أراد ذلك. ارحموه أيها المسلحون يحميكم الله لأمهاتكم "

 

 

                                                                     ( 6 )

 

ليالي الدعاء وانتظار الخبر

مضت الأيام، وصديقتي تستيقظ معظم الليالي، تبقى حتى الصباح، تكرر الأدعية، تضيف ما تعلمته حديثًا إلى ما كانت تعرفه من قبل، وتسهر الليالي داعية. لم تكن تستطيع النوم حتى لو أرادت. كانت تناجي ربها ليلًا ونهارًا داعية أن يعود أخاها، وتقول:

"يا ربي، إنني صابرة راضية بقضائك. أرجوك، لا تمتحني بثلاثة إخوة معًا."

كما كانت تقول لي حين أزورها عن أحلامها:

"لا أستطيع أن أروي لك الأحلام، أخاف أن تتحقق."

ومع هذا، كانت تنتظر أخاها بفارغ الصبر والأمل. وكنت أحاول أن أطمئنها بكل ما أستطيع من صبر وحكمة، لكن يبدو أن رسائلي لم تكن تصلها حقًا، حيث كنت – أنا نفسي – غير واثقة بما أقول.

 

 

                                                                     ( 7 )

 

الغموض حول مصير الأخ
 لم تترك صديقتي وأهلها بابًا لم يطرقوه في السؤال عن أخيها وأخي زوجته. اتصلوا بكل من تعرفه الأسرة للسؤال عنهما، وكان الرد يأتي: "إنه بخير، لا تقلقوا، ولكن لا تسألوا عنه كثيرًا، فسؤالكم يعرّضه للخطر على أيدي الخاطفين."

للمفارقة، انتشر فيديو لمحافظ السويداء (مصطفى البكّور)، وهو من إدلب، وكما تبين لاحقًا، كان وجوده في السويداء للتخطيط للهجوم قبل شهور وتهيئة الأرضية المناسبة. لم يستحِ أن يظهر في الفيديو وهو يطمئنّ عن النساء الدرزيات المختطفات عند مختار إحدى قرى درعا. إنه يعرف الخاطف، وهو مسؤول المحافظة، بدل تحريرهن، يزورهن، غير مدرك انحطاط هذا الموقف الذي لم يمتنع عن توثيقه بالصوت والصورة.


بعد كل الأسئلة، لم تستطع صديقتي الحصول على أية معلومة تريحها. والحقيقة أننا، كنا، قد سألنا مرات عديدة، وكان لي صديق في مجال حقوق الإنسان، وقد سأل معارفه من النظام، حيث قالوا إن اسم أخيها واسم أخي زوجته غير موجودين بين المختطفين. ولهذا لا ندري: إما أن يكونا عند العشائر مختفيين قسرًا، أو أن يكونا… (وتوقف صديقي عن الكلام ولم يُكمل).

 

مضى شهران على الحادثة حتى وصلهم الخبر أخيرًا، إذ كان جثمانه مع جثمان أخي زوجته في مستشفى المجتهد. ظلوا بعد الخبر أيامًا حتى تمكنوا من استلام الجثمانين، حيث تقتضي القوانين انتظار تجميع عدد من الجثث لنقلها معًا.

 

لم يستطيعوا معرفة شيء عن ظروف قتلهما، وكل ما يعرفونه أن الجثمانين كان واضحًا عليهما أن زمنًا طويلًا مر على مقتلهما، ربما منذ اختطافهما.

بكت الأم بحرقة، وكان أكثر ما يؤلمها ذلك الوعد الذي صبّرت قلبها عليه منذ العودة من النزوح، فإذا به ينكسر أمامها.

 

 

                                                                      ( 8 )

 

 تداعيات الفقد الثالث

علمتُ بخبر موت الأخ من أهلي في السويداء، لأن صديقتي لم تكن تتكلم كثيرًا في تلك الفترة، وكنت لا ألح كثيراً بالاتصال، فالصمت كان يحتل جزءًا من المكالمة، مما يجعلها غير محتملة، وكنت أعلم أن هذا يثقل عليها فوق حزنها.

 

شعرت أنني أضعف من أن أعزّي صديقتي للمرة الثالثة. فقد زرتها في المرة الأولى بعد وفاة أخيها، وفي المرة الثانية بعد وفاة أختها، ولم أكن أجرؤ أن أتخيّل أنني سأزورها بعد الفقد الثالث خلال شهرين فقط. لكن ما لا بد منه وقع.

 

اتصلت بها فلم ترد في ذلك اليوم. ورغم شعور ثقل الفقد ورغبتي بالعزاء والتهوين عليها، إلا أن شيئًا ما كان أريح بالنسبة لي في عدم ردها، مع يقيني أنها غير قادرة على الكلام أمام هول الفاجعة.

 

 

                                                                        ( 9 )

 

 

مدينة الجنازات بالجملة

عندما علمت عن وفاة أخي صديقتي من أهلي، كانت مدينتي الصغيرة التي كانت وادعة، المدينة التي يقل عدد سكانها عن نصف مليون، تقيم المآتم يوميًا لعشرات الشهداء. مر شهران ونصف على الهجوم الغادر الذي سفح أرواحنا، حتى بدأت المدينة تشعر بالقليل من الهدوء، إذ خفت التهديد بالهجوم يوميًا، وصار الناس يستطيعون الالتفات للحزن كما يليق على موتاهم. رغم ذلك، ما زلنا نتعرض يوميًا لخرق الهدنة وضرب بعض المناطق بأسلحة مختلفة القوة.

 

 

                                                                     (10)

محاولة العزاء الأخيرة

مرت أيام قليلة، واتصلت بها في المرة الثانية لأعتذر عن تأخري، وأقول لها:
 "أرجوك، دعيني أرافقك اليوم."

لكنها لم ترد. وكنت أقول لنفسي: الحمد لله، لأنني ما زلت أريد دفع ذلك الموقف الذي لا أعرف كيف سأواجهه، لم أكن أعرف كيف أعزّيها، وأنا التي رأيتها بعد وفاة الأخت والأخ، ولم أكن أتصور أن أراها بعد فقدها الثالث.

 

عندما اتصلت بها للمرة الثالثة، شرحت لها شعوري معتذرة: "كنت أشعر أنني وراء باب لا أملك الجرأة لفتحه ومواجهتك”. قلت لها: "اعذريني لأنني شكرت الله أنك لم تردي من قبل، أنك تأخرتِ حتى تمكنتُ من استجماع قوتي لأتحدث إليك."

 

لم يكن سهلاً أن أعزّيها للمرة الثالثة في شهرين. كنتُ أطرق بابها بخوفي وصمتي، وأحمد الله أحيانًا حين لا ترد. لكن الحقيقة أنّنا جميعًا كنّا نتهرّب من مواجهتها، لأننا شعرنا أنّنا نجونا بينما حملت هي نصيبها ونصيبنا من الفقد. كأنّها افتدتنا بحزنها وذابت روحها، فيما بقيت أرواحنا مثقلةً بذنب البقاء.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard