info@suwar-magazine.org

السويداء ـ من أجل طريق ثالثة

السويداء ـ من أجل طريق ثالثة
Whatsapp
Facebook Share

 

بقصد أو بغير قصد من الشيخ الهجري، وجدت السويداء بعد محنة الإبادة نفسها، في الخندق الواحد مع نظام الشرع، فالمتتبّع لتصريحات الشيخ الهجري وقراراته سيكتشف أنه يتنافس مع الهجري على ودّ إسرائيل وودّ الأمريكان، بل رأيناه، ينخرط أكثر وأكثر في المشروع الذي انخرط فيه نظام الشرع ـ وهو مشروع "سلام إبراهيم".

 

 

هذه هي المحصّلة الوحيدة لما تمّ في السويداء وفي دمشق منذ الهجمة الإباديّة على السويداء من نظام الشرع، ومن المفارقات أن جماعة الهجري يتّهمون الشرع ونظامه بالعمالة لإسرائيل وأن نظام الشرع وأنصاره يتّهمون الهجري ومَن حوله بالعمالة لإسرائيل، وأنا الناظر من بعيد، سأقول كلا الادّعاءين صحيح، فالمنافسة بين المعسكريْن ليس النأي بالنفس عن إسرائيل،  بل على العكس هي منافسة على "قلب" إسرائيل و"مفاتنها" ـ إذا صحّ التعبير علمًا بأن "مصاهرتها" ليس مدعاة للفخر خاصة بعد غزّة، وأن نموذجها مأزوم!

 

 

 

بقصد أو بغير قصد ألقى الشيخ الهجري نفسه أمام خيار واحد فقط وهو الانخراط في مشروع إسرائيل، وكان أهل الجبل أمام خيار واحد هو الانخراط في مشروع نظام الشرع، فما الذي تغيّر؟ بمعنى أن الهروب من انسداد الأفق شمالاً أوقعه في انسداد الأفق جنوباً، خاصّة وإن إسرائيل تبدو الآن في رقصة تانغو مع الأمريكان، ولن تستعجل الأمور بدلالة أنها لم تفتح أي ممرّ إغاثة إنسانيّة ولم تفعل أي شيء لمساعدة الهجري على حلّ القضايا الملحّة من إعادة النازحين وتعمير المناطق المدمّرة وما إلى ذلك، ولو أمعنّا النظر قليلاً فيما حصل وفيما لم يحصل بالأساس، لاكتشفنا دون عناء أن إسرائيل تفضّل "الربح الكبير" مع الشرع على "الربح الصغير" مع الهجري، بل هي ستستغلّ محنة الجبل وتسرّع الهجري في ابتزاز نظام دمشق، وستستغلّ أزمة السويداء وحاجتها إلى زجّ دروز سوريّة في مناوراتها، وأرجّح أنها تريدهم "مرتزقة" في ميدان عمليّاتها الممتدّ من شرق السويداء إلى رأس الناقورة ـ أو ما سيُسمى ابتذالًا عند جماعة الشيخ الهجري "باشان"!

 

اقرأ أيضاً:

     

                          أفكار متأنّية في محنة السويداء

   

 

ـ لكن لنعد إلى الجبل وإلى رهانات الشيخ الهجري بالنسبة للدروز أنفسهم على فرض أنهم يمتلكون القرار.

 

كنتُ ولا أزال مع دراسة كلّ الخيارات في ضوء المحنة والإبادة بما فيها فكرة كيان مستقلّ، وبالقدر ذاته من الوعي والإرادة أجزم أن المظلوميّة والضحوية لا يُمكن أن تكون مشروعاً ولا مبرّرا لمشاريع غير مسؤولة وغير تاريخيّة ـ إذا صحّ التعبير.. قد تكون مبرّرا للقطيعة مع دمشق، أو للتفكير في علاقة أخرى معه تقوم على الديمقراطية اللا مركزية أو على حكم ذاتي متطوّر للجبل وأهله، لكنها ليست مشروعاً ولا حلّا، لا للذين تم تهجيرهم من بيوتهم ولا للمستقبل، أما دعاة الاستقلال والدولة وجواز السفر، فلم يُجيبوا على أسئلة أخرى مثل:

 

ـ ماذا مع دروز سورية في المناطق الأخرى؟

ـ هل تُريدون أن يرحلوا عن ديارهم ويأتوا إلى الجبل؟

ـ في أي ظروف ومَن سيستقبلهم؟

ـ هل تستطيعون ضمان سلامتهم ريثما يفعلون؟

ـ وماذا تقولون لدروز فلسطين إذا أقدمت إسرائيل على ترحيلهم إلى دولة "الباشان" الدرزيّة ـ  وهو مشروع حاضر دائما في أدراج المؤسسة الإسرائيليّة؟

ـ وماذا تقولون لدروز لبنان إذا وُضعوا أمام الخيار ذاته؟

أنا شبه واثق من أن خطاب الـ"باشان" منبعه في تل أبيب، وشبه واثق من أن تل أبيب منبع لأمور أخرى تحصل في مسألة السويداء وسورية عموماً ولأغراض إسرائيليّة، هي فاعل مؤثّر هناك على الأرض كما في الخطاب المتداول، ومع هذا، ليس من الضروريّ أن أعطيها فوق قدرها أمام إرادة أناس يقرّرون أخذ زمام المبادرة. 

 

 

 

يُمكن للمتحلّقين حول الشيخ الهجري، ومنهم ضباط كانوا في جيش الأسد ومنفّذي أوامر عنده، أن يواصلوا توصيف الإبادة وتوصيف مرتكبيها، ويُمكنهم أن يدلّلوا على وحشية وهمجيّة مرتكبي المقتلة ضد أهلنا، ويُمكنهم أن يواصلوا الردح ضد جنبلاط أو ضد كلّ من ينتقد رهانهم، لكن كل هذا لا يُغني عن طرح مشروع قابل للحياة، يُعيد للجبل القدرة على أن يعيش ويضمّد جراجه وينهض، فالطاقات فيه أكبر ألف مرّة من اختزالها في شيخ وشلّة باللباس  العسكريّ وعشر مدافع رشّاشة وخمسة أقلام لم تكتب إلى الآن كلمة واحدة في كيفيّة استرداد الحياة والكرامة التي خطفها الهمج.

 

 

 

السويداء بحاجة إلى كلّ أبنائها وبناتها كي تشقّ الطريق الثالثة بعيداً عن الخضوع لدمشق وبعيداً عن الارتزاق من مشاريع إسرائيل وأمريكا في الإقليم.. طريق ثالثة تستند إلى القرار المستقلّ قولاً وفعلاً وإلى إرادة جامعة لأهل الجبل تراعي أوضاع كلّ دروز سورية والإقليم.

 

 

في التاريخ البعيد والقريب للجبل نفسه والمنطقة ما يكفي من دروس مُفحمة، ولكن التفكير بالعقل الصافي وبمصلحة الدروز في الجبل والإقليم، سيوصل حتماً إلى استنتاجات أبعد من "باشان" وأكثر ثباتاً في الزمان والمكان وأكثر، أمّا نُقطة البداية للطريق الثالثة فستكون بترك العدم والبُهتان والأوهام كلّها ـ هكذا بدأت طريق الحِكمة الشريفة ـ والذهاب إلى بناء إرادة جامعة دون استفراد أو احتكار أو غطرسة كما هو حاصل الآن، كي تدرس كلّ الخيارات بعمق، دراسة العاقل الحكيم صاحب الحقّ الذي يعرف كيف يحمي حقّه، ليس فقط من المُعتدين الخارجيين بل من الأوهام والتسلّط، أيضاً.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard