info@suwar-magazine.org

التحريض الرقمي في الفضاء السوري كبديل عن السياسة.. لماذا فشلت محاولات جر الكرد إلى الحرب؟

التحريض الرقمي في الفضاء السوري كبديل عن السياسة.. لماذا فشلت محاولات جر الكرد إلى الحرب؟
Whatsapp
Facebook Share

 

في الفضاء الرقمي السوري، تكاثرت ظاهرة الخطاب الشوفيني المعادي للكرد، خطابٌ لا يقوم في معظمه على أسبابٍ سياسية واضحة أو وقائع تاريخية دقيقة، بل يقوم على حقدٍ مُعاد تدويره، بلا وعي أو مبرر.

 

 

الجزئية في الموضوع، هي أن كثيراً ممن يهاجمون الكرد لا يستطيعون، عند السؤال المباشر، أن يقدموا سبباً محدداً لهذا العداء، لأن المسألة في جوهرها ليست خلافاً سياسياً، بل تراكمات نفسية وخطابات تعبئة قديمة، أُعيد إحياؤها في سياق الحرب السورية.

 

 

هذا النوع من الخطاب لا يقوم برسالة نقد تجربة سياسية أو عسكرية بعينها، بل يهدف إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن الشعب الكردي، وتحميلهم مسؤوليات جماعية على  مسار الصراع في سوريا، وكأنهم كيان طارئ أو خصم داخلي.

 

 

الأخطر من ذلك، هو أن هذا التحريض يُقدَّم غالباً بوصفه رأي وطني، بينما هو في حقيقة الأمر شكل من أشكال الشوفينية التي تبحث عن عدو، لتفسير الفشل والانكسار العام.

 

اقرأ أيضاً:

     

              الكراهية ليست عرَضاً: بنية التحريض في التاريخ السوري الحديث

         

   محتوى مضلل وخطاب طائفي: شبكة قنوات مترابطة تغذّي الصراع في السويداء

       

 

بجردة حسابٍ بسيطة، نجد أن هذه الحملات لا تعمل في الفراغ، فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في الـ 8 من ديسمبر كانون الأول 2024، اعتمدت السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع بشكل متزايد على ما يمكن تسميته "جيشاً رقمياً من النشطاء" على مواقع التواصل الاجتماعي، ينشطون في تلميع صورتها وتبرير ممارساتها، مقابل مكاسب سياسية أو مادية أو موقعٍ ما في شبكة الولاءات.

 

 

هؤلاء لا يدافعون عن الدولة ككيان سياسي وانتماءٍ وطني، بقدر ما يمارسون الارتزاق الإعلامي، حيث يجيدون قلب الوقائع، وتبرير القمع، وتحويل الضحية إلى متهم.

 

 

ويتجلّى هذا الدور بوضوح في التعاطي مع ما يجري في مناطق الأقليات، لا سيما في السويداء والساحل السوري، فبدلاً من الاعتراف بطبيعة الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية في تلك المناطق، يجري تسويق روايات جاهزة تبرّئ السلطة من أي مسؤولية، وتُلقي باللوم على مؤامرات خارجية أو مجموعات خارجة عن القانون، مع تجاهلٍ متعمّد لحقيقة أن هذه المناطق كانت ولا تزال تدفع ثمن سياسات مركزية قائمة على الإقصاء والتهميش واستخدام القوة.

 

 

إلى جانب هذا الذراع الرقمي الداخلي، تستند السلطة السورية إلى دعم إعلامي مفتوح من وسائل إعلام خليجية، لعبت دوراً محورياً في إعادة تأهيل الخطاب الرسمي السوري، وفي شنّ حرب إعلامية على السوريين أنفسهم، لا على السلطة.

 

 

هذه الوسائل لم تُخفِ يوماً أنها تعمل وفق أجندات سياسية واضحة، مرتبطة بمصالح مالكيها وتحالفاتهم الإقليمية، وقد أعلنت انحيازها ضد أي سردية سورية تتحدث عن الحقوق أو العدالة أو المساءلة.

 

 

في هذا السياق، يُعاد إنتاج الكراهية ضد الكرد بوصفهم المشكلة الأسهل، لا لأنهم كذلك في الواقع، بل لأنهم خارج شبكة السيطرة الإعلامية التقليدية للسلطة وحلفائها، وهنا يصبح التحريض عليهم أداة لتوحيد جمهورٍ مأزوم حول عدوٍ داخلي، وصرف الأنظار عن المآزق الحقيقية التي تعاني منها البلاد.

 

 

مع ذلك، ما يستحق التوقف عنده هو فشل هذه المنظومة - الرقمية والإعلامية معاً - في تحقيق هدفها الأعمق: جرّ المناطق الكردية إلى دوامة جديدة من الدماء، فبرغم كل محاولات التأزيم، وبرغم الضخ التحريضي المنظم، لم تنزلق تلك المناطق إلى سيناريو الحرب الشاملة.

 

 

فالاتفاق الذي جرى بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية في الـ 30 من يناير كانون الثاني 2026، شكّل نقطة مفصلية في هذا الإطار، وجرى تصويره، عن قصد، على أنه تراجع أو تنازل أو هروب من المواجهة، بينما القراءة الواقعية تشير إلى عكس ذلك تماماً، ما حدث هو انتقال من صراعٍ عسكري مفتوح إلى صراعٍ سياسي وأمني منخفض الكلفة، هدفه الأساسي حماية المناطق والسكان، لا تسجيل نقاط دعائية.

 

 

فالحرب لا تُخاض دائماً بالسلاح، وأحياناً تكون إدارة التوازنات، وتفادي المواجهات العبثية، والحفاظ على أرواح المدنيين، جزءاً أصيلاً من منطق الصراع نفسه، وأن اختيار عدم الذهاب إلى مواجهة مفتوحة لم يكن ضعفاً، بل كان قراراً عقلانياً لتجنيب المناطق الكردية سيناريوهات دمار شبيهة بما حدث في مناطق سورية أخرى.

 

 

في النهاية، يتضح أن حملات الكراهية، سواء التي يقودها نشطاء مأجورون أو تدعمها وسائل إعلام إقليمية، بقيت عاجزة عن فرض واقعٍ جديد على الأرض، لأن الواقع، مهما جرى التلاعب به رقمياً، لا يزال يُحكم بمعادلة بسيطة، مفادها أن من يختار حماية الناس وكبح منطق الدم، يمتلك قوةً سياسية وأخلاقية تفوق ضجيج التحريض.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard