النساء السوريات: لا بديل عن الضمانات الدستورية!

واجهت النساء السوريات، ولعقودٍ طويلة، تحدياتٍ جسام في ظل النظام الاستبدادي بعهد الأسدين الأب والابن، تحوّل من الفساد وقمع الحريات، إلى ارتكاب المجازر والقصف بالطيران والكيماوي، بدءاً من مجزرة حماة 1982، وما تلاها مع انطلاقة الاحتجاجات في سوريا 2011، وصولاً لمراحل التشرّد والحصار، والتجويع والتغييب القسري، والتعذيب الممنهج في السجون والمعتقلات، إذ تقاسمت المرأة السورية هذه الانتهاكات جنباً إلى جنب مع الرجل. إلا أن معاناتها كانت مضاعفة، حيث عانت من القوانين التمييزية، والسياسات الإقصائية من نظام الأسد، وإلغاء دورها كمرأة باعتبارها نصف المجتمع، بالإضافة لضغط العادات والتقاليد المجتمعية التي أعاقت حياتها وتطورها، لتستمرّ بتحمل العبء الأكبر في مجال العناية بالأطفال، وكبار السن، والمحتاجين إلى رعاية خاصة ضمن الأسرة والمجتمعات المحيطة.
عملت العديد من القيادات النسائية ضمن منظمات مدنية، وشبكات حقوقية، وتحالفات من أجل تحسين الأطر التنظيمية وفق المعايير الدولية، وإلغاء القوانين التمييزية، وتطوير سياسات حساسة للنوع الاجتماعي، كما طالبت بتخصيص 30٪ كوتا للنساء في مختلف المناصب، وصولاً للمناصفة ضمن السلطات التشريعية، والقضائية، والتنفيذية، فكان لها مساهمتها في تطوير قطاع العمل المدني بسوريا، والمشاركة الفاعلة في العملية السياسية، واستلام مناصب قيادية في الأحزاب السياسية، وهيئات المعارضة السورية، والإدارة الذاتية تارةً بشكل مباشر، وأخرى بشكل غير مباشر عبر مساهمتها وتأثيرها من خلال الدور الاستشاري أو العملياتي.
إن هذه المساهمات التاريخية، أوجدت لها اعترافاً نوعاً ما من القطاع العام، والسياسي، والمدني، بضرورة العمل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، ومنها الهدف الخامس الذي يسعى لتحقيق المساواة بين الجنسين. خاصةً وأن الجميع أكد على ضرورة الالتزام بالقوانين والمعاهدات الدولية، و قرارات مجلس الأمن، مثل منهاج مؤتمر بكين، وبما يقدمه من إطار عمل متكامل لاعتبار حقوق النساء و الفتيات جزءاً لا يتجزأ من حقوق الإنسان، واتفاقية "السيداو" التي تؤكد على إلغاء كل أشكال العنف والتمييز ضد النساء، و قرار مجلس الأمن 1325، والقرارات اللاحقة التي تأطر دوراً حقيقياً للنساء في قطاعات السلام و الأمن من خلال تبنيّ ضرورة المشاركة، والحماية، والوقاية، والتعافي...
اقرأ أيضاً:
ففي مراجعة سريعة لتقييم وضع النساء منذ بدء المرحلة الانتقالية، ما يزال دون المستوى المتوقع بكثير، وما تزال العديد منهنَّ يعانينَّ من الانتهاكات الجسيمة، وأخطرها "الخطف، والقتل على الهوية"، كما أن النساء السوريات ما تزال تعاني من الإقصاء والتمييز قانونياً، وسياسياً، ومجتمعياً، كما يتم مشاهدة وتوثيق حالات العنف المنزلي، والعنف القائم على النوع الاجتماعي يومياً وفي حالة ازدياد.
فيما يعتبر القطاع المدني، الأكثر تشميلاً لهنًّ؛ ولكن الأرقام غير معلنة بإحصائيات واضحة عن عدد المنظمات النسائية المسجلة في سوريا، أو عدد المنظمات التي تقودها نساء،. كما أن العديد من تلك المنظمات لا تقوم بتوضيح إن كانت تملك برنامجاً مستداماً لدعم النساء بغض النظر عن التمويل أم لا؛ ولا تقدم أرقام حقيقة عن نسبة مشاركة النساء فيها من حيث عدد (المتطوعات، فريق العمل، المتعاقدات، مجلس إدارة، والمستفيدات).
إن الطريق إلى الأمام، ما يزال محفوفاً بالمخاطر و التحديات، إلا أنهنًّ لم يفقدنًّ الأمل بطموحاتٍ كبيرة، وهذا ما يبدو واضحاً من خلال عملهنًّ الجديّ والفعال التي تقوم به النساء السوريات يومياً، والمنظمات النسائية، والذي لا يمكن تجاهله، و لكن لا بد من توجيه رسالة واضحة وصريحة في هذا السياق، ومطالب محددة، وفي مقدمتها أن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا، لن يتم من دون ضمانات دستورية لحقوق النساء، تليق بالدور الذي قدمته في إسقاط نظام الأسد، والذي لا يستطيع أحد إنكاره، أو القفز من فوقه تحت أيّة حججٍ كانت؛ أو مبررات غير واقعية، وقد يكون هذا درساً لمعرفة أن تحقيق السلام، والعدالة، والديمقراطية، والتنمية لن يتم دون شرط تحقق المساواة بين الجنسين في سوريا، والتي هي أساس بناء المجتمعات المتقدمة.