روجآفا: أمّة نسوية في مواجهة أبوية التاريخ

*تنويه: هذه الصورة مُولَّدة باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض توضيحية ولا تعكس أشخاصاً حقيقيين.
روجآفا: أمّة نسوية في مواجهة أبوية التاريخ
قراءة في تحولات السلطة الجندرية وإمكانات التحرر في الشرق الأوسط
لا يمكن أن نفهم قمع النساء في الشرق الأوسط عموماً – والمجتمع الكردي تحديداً – دون العودة إلى جذور تاريخية أعمق بكثير من الحاضر السياسي أو الاجتماعي. فالنمط الأبوي الذكوري ليس مجرد نمط اجتماعي أو سلوك محلي؛ إنما بنية فكرية تشكلت عبر أساطير وثقافات دينية وتقاليد اقتصادية وقانونية، تراكمت عبر آلاف السنين وأعادت إنتاج ذاتها بصورة مذهلة وصادمة.
اليوم، حين نتحدث عن تحرير المرأة أو عن النضالات النسوية، فإن أي مقاومة لا تواجه هذه الجذور الأولى تبقى مقاومة سطحية، عاجزة عن إعادة المرأة إلى مكانتها الطبيعية في المجتمع، لأنها تصطدم بجذورها الرمزية التي ولّدتها الأساطير وانتقلت إلى اللاوعي الجمعي في مختلف المجتمعات، خصوصاً مجتمعات الأديان الإبراهيمية (السماوية).
قبل نشوء الدول الحديثة والقوانين، كانت الأساطير هي المصدر الأول الذي يحدد مواقع القوة في المجتمع، وساهمت مع بدايات ظهور الحضارات في ترميز هذه القوة، فاعتبرت المرأة مصدراً للخصب والنظام والحياة. ومع تطور المجتمعات الزراعية وظهور الملكية الخاصة والسلطة المركزية، تبدلت خارطة الرموز تدريجياً نحو تمجيد الذكورة، والتي جعلت من الرجل محوراً للوجود، القائد، الحامي، وصاحب العقل، فيما صوّرت المرأة ككائن ضعيف، تابع، يحتاج إلى رقابة. ومع نهاية هذه الحقبة، لم يعد هذا التحول الرمزي الكبير "تغيّراً في الأساطير فقط"، بل أصبح جزءاً من اللاوعي الثقافي الذي يحدد مَن يستحق السلطة ومن يجب أن يخضع لها.
في الشرق الأوسط، سارت هذه الأبوية في طريق تراكمي غير منقطع، عبر ثلاثة مصادر متعاقبة، هي الدين وتفسيراته للسلطة؛ والذي منح الرجال سلطة مطلقة تمثلت في احتكار النبوة والزواج والطلاق والشهادة والميراث ناهيك عن السلطة المطلقة حتى على أجساد النساء، والقبيلة ومفاهيم الشرف التي تداخلت مع الدين وأنتجت منظومة شديدة الصلابة ومقاومة لأي منحى إصلاحي، لتختزل قيمة المرأة في ما عُرف بـ "شرف" الرجل والعائلة والقبيلة، وأخيراً القانون الحديث الذي كرّس السياق الثقافي القديم بكل حمولته الذكورية وكرّس الماضي عبر توريث المعتقدات دون تفكيكها بل تحويلها إلى مواد قانونية شملت الأحوال الشخصية، العقوبات المخففة عن جرائم الشرف، ضعف الحماية القانونية للنساء، وغياب الاعتراف بالحقوق الاقتصادية.
اقرأ أيضاً:
"خليكي بالبيت" لا تبقي في البيت.. عن تطوّرات مفاهيم المجتمع للوجود النسوي
هنا، يمكن التعريج إلى موقع المجتمع الكردي ضمن هذا السياق، فبالرغم من الإرث التاريخي الغني للمرأة الكردية – في الأساطير والأدوار الاجتماعية – التي يعكسها الموروث أو الأدب الشفاهي الذي يميز المجتمع الكردي، لكننا نرى أن هذا المجتمع انغمس في منظومة الأفكار الأبوية الإقليمية لأسباب لها وجاهتها التاريخية نظراً لوقوع هذا المجتمع في قلب منطقة عرفت بحيويتها على مدار آلاف السنين، فتراجعت مكانة النساء تحت ضغوط مختلفة قادمة من التقاليد، الدين، البنية القبلية، الاقتصاد الريعي، النزاعات المسلحة، وحديثاً بضغط من القوانين المركزية للدول التي يعيش فيها الكرد حالياً.
في تجربة روجآفا الحالية، ومن خلال المتابعة والتواصل الشخصي، نستطيع أن نحدد أربعة مرتكزات مفصلية أحدثت تحولاً جذرياً في بنية السلطة والمشاركة الاجتماعية، بدأت بالديمقراطية التشاركية والتي شكّلت الإطار السياسي الأوسع لتجربة الإدارة الذاتية، حيث انتقلت إدارة المجتمع من نموذج الدولة الهرمية إلى نموذج أفقي يقوم على الكومينات والمجالس واللجان الشعبية، ما أتاح للنساء إلى جانب المشاركة، التأثير المباشر في صناعة القرار المحلي وإن كان هذا التأثير محدوداً حتى الآن ومقتصراً على بعض الجوانب، أكثرها حضوراً ما يتعلق بالملفين الأمني والعسكري. وضمن هذا السياق جاءت الرئاسة المشتركة كآلية مؤسسية لكسر احتكار الرجال للسلطة، إذ أصبح كل منصب رسمي وإداري وسياسي يُدار من قبل امرأة ورجل معاً، بوصفه مبدأ لا استثناء فيه، مما منح النساء سلطة تنفيذية حقيقية في كثير من المفاصل.
أما الكوتا الجندرية فمثّلت ضمانة جوهرية للحد من إقصاء النساء في المؤسسات العامة، إذ فُرض حد أدنى من التمثيل النسائي في المجالس والبرلمانات والإدارات لا يقل عادة عن 40%، بحيث لا يصبح وجود المرأة مرهوناً بالتوازنات السياسية أو الإرادة الفردية وتعتبر تجربة مجلس الرقة المدني الذي قادته المهندسة الراحلة ليلى مصطفى (36 عاماً)، بعد تحرير المدينة من تنظيم داعش نموذجاً حقيقياً لهذا التحول، والذي توّج بفوز مصطفى بجائزة (عمدة العالم) عام 2021 التي تمنحها مؤسسة "سيتي مايرز" (BBC Arabic).
إلى جانب هذه البنى السياسية ظهرت مؤسسات المرأة كركيزة مستقلة للحماية والتمكين، مثل مجالس وبيوت المرأة، والمنظمات القانونية والاقتصادية والتعليمية التي توفر للنساء مساحات للتنظيم الذاتي، وتسوية النزاعات، والتدريب، والتخطيط للسياسات المتعلقة بهن، إلى جانب ظهور منظمات مدنية بقيادات نسوية حقيقية شاركت في جهود التنمية الشاملة رغم قلة موارد ومصادر التمويل الداعمة لهذا التوجه من قبل المانحين الدوليين. هذه الأدوات الأربع لم تُنشئ فقط حضوراً سياسياً للنساء، بل أعادت صياغة مفهوم السلطة ذاته، وحوّلت المرأة من موقع التابع إلى فاعل أساسي في بناء المجتمع وإدارته.
مع ذلك نحتاج في روجآفا، لاستثمار ما تم إنجازه خلال سنوات الحرب الطويلة لبناء فكر نسوي قادر على الإنتاج الحقيقي وقيادة التغيير، عبر نهج أكثر شمولاً يركز على مفاهيم جوهرية، مثل ترسيخ المساواة في نظام إعادة إنتاج الدولة والمجتمع، من خلال مشروع متكامل يعيد تعريف حقوق الأفراد وخصوصاً النساء باعتبارهن قوة محركة وفاعلة بأدوار رئيسية تبدأ مثلاً بإقرار قوانين جديدة وتطبيقها بشكل حازم دون استثناءات، مثل قانون المساواة السويدي عام 1979، الذي أقر تحويل "إجازة الأمومة" إلى إجازة والدية بمشاركة الأم والأب. ومثل إعادة تعريف الأدوار الاجتماعية في الأسرة عبر مواجهة الدور النمطي للمرأة باعتبارها المسؤول الوحيد عن الأطفال، والعمل على ترسيخ التمثيل السياسي الواسع للنساء اجتماعياً دون الاعتماد على التوجيه الفوقي القادم من مراكز صناعة القرار التي يتحكم بها الرجال عموماً، أي تحويل هذا التمثيل إلى ممارسة اجتماعية مباشرة.
الآن، لماذا لا تكفي حركات المقاومة النسوية في تغيير الواقع الذي نعيشه سواء داخل روجآفا أو خارجها وحتى على المستوى الإقليمي!، لأن أغلبها على أهميتها تتعامل مع نتائج الفكر الأبوي لا مع أسبابها، إذ تطالب هذه الحركات بقوانين لكن دون مواجهة التفسيرات الدينية التي تشكل المرجعية الأساسية لتلك القوانين. كما تدعو للتمكين الاقتصادي دون أن تعالج جذور إقصاء المرأة من الملكية الخاصة وإدارة الهياكل الاقتصادية، وتطالب بالقيادة دون تغيير الصورة الذهنية التي تربط القيادة بالذكورة على اعتبار أن الرجال مصدر القوة المطلق، ولأنها أخيراً تتعامل مع العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، دون تفكيك ومواجهة مفهوم "الشرف" الذي تأسس وترسخ عبر منظومتي القبيلة والدين، لذلك فإن أي مقاومة نسوية لا تفكّك الأسس الرمزية والدينية والثقافية للأبوية سيقود إلى إنتاج شكل جديد من القمع، لكن بوجه مختلف.
لا يكفي إصلاح القوانين لإنتاج منظومة فكرية جديدة قائمة على تفكيك المنظومة الأبوية، بدون إعادة إنتاج القيم المجتمعية، وهي عملية ثقافية قد تستغرق وقتاً، لكن الوصول إليها ممكن، كما حدث في الدول الاسكندنافية (السويد، النرويج، الدنمارك)، والتي أعادت تشكيل قيمة الفرد ومعنى المساواة والشراكة وأعادت تعريف القوة وتفسيرها بشكل أكثر شمولاً، لتلعب النساء دوراً جوهرياً في إعادة بناء الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي والإداري.
ولإطلاق هذا المسار نحتاج في المجتمع الكردي وكذلك في مجتمعات الشرق الأوسط عموماً إلى إعادة كتابة النظام القيمي بشكل جذري لمنع عودة القمع بصور جديدة، عبر تحرير المجال الديني من التفسيرات الذكورية، وذلك لا يعني إلغاء الدين، لكن يعني بالضرورة كسر حلقة احتكار الرجال للتفسير الديني وتجييره بما يكرس سيطرتهم المطلقة على المجال العام. ثم إعادة كتابة العقد الاجتماعي بناء على معيار جديد، هو المواطنة لا النوع الاجتماعي، يلي ذلك تأسيس نظام تمكين اقتصادي جذري للنساء، وهذا لا يتحقق دون إقرار حق الملكية وحق العمل وحق الوصول غير المحدود إلى الموارد، ثم إعادة تشكيل النظام الرمزي والثقافي عبر أدوات التأثير الناعمة، كاللغة والتعليم والإعلام، وأخيراً نقل النقاش من حقوق المرأة إلى تفكيك الفكر الأبوي، فالمرأة لا تحتاج إلى منح حقوق، بل إلى إعادة الاعتراف بها كإنسان كامل، شريك في الوجود.
أن هذا المسار لابد أن يرتكز وينطلق من اعتقاد صريح وثابت تقوده الحركات النسوية ويقول إن الحرية لا تُمنح، بل تستعاد، وذلك عبر استعادة المرأة لمكانتها الطبيعية من خلال عملية تحرر معرفي، ثقافي، أخلاقي وقانوني. وهذه العملية كفيلة بتفكيك الأسس التي قامت عليها الأبوية – الدينية والقبلية والقانونية – وحينها يمكن للمرأة في المجتمع الكردي ومجتمعات الشرق الأوسط أن تعود إلى موقعها الذي تستحقه.