info@suwar-magazine.org

من رسائل لم تصل صندوق بريدهم.. السيد محمد إدريس

من رسائل لم تصل صندوق بريدهم.. السيد محمد إدريس
Whatsapp
Facebook Share

 

لا أعرف إن كانت هذه الرسالة ستصل إليك، ولا أعرف أين يمكن أن تُقرأ، أو في أي مدينة تقيم الآن، أو أي خشبة مسرح صارت بيتك الأخير، كل ما أعرفه أنني، على امتداد سنوات طويلة، كنت أبحث عنك كما يُبحث عن أثرٍ خافتٍ لخطى في رملٍ تعبره الريح.. كنت أسمع باسمك، أتعقّب أعمالك، أفتّش عن حضورك، لكنك كنت دائماً هناك… في مكانٍ ما، وخارج القبض.

 

 

أكتب إليك لأن أثرك لم يكن عابراً في المسرح العربي، ولم يكن تفصيلاً يمكن تجاوزه أو وضعه في الهامش.. كان، بالنسبة لي على الأقل، واحداً من تلك الزلازل الصامتة التي لا تُحدث ضجيجاً بقدر ما تُعيد ترتيب الداخل.

 

 

أنت لم تكن مجرد مخرجٍ مسرحي، بل كنت تصوغ رؤية، تقترح لغة، وتكسر ما بدا وكأنه نهائي في شكل العرض المسرحي وعلاقته بالعالم.

 

أتوقف عند أعمالك التي شاهدتها أو قرأت عنها، تلك التي كانت تذهب إلى الإنسان في هشاشته القصوى، وتضعه عارياً أمام مصيره، بلا زينة بلاغية ولا حلول جاهزة.. في تلك العروض التي اشتغلت فيها على الجسد بوصفه نصاً، وعلى الصمت بوصفه قولاً أكثر فداحة من الكلام، كنت تعيد تعريف ما يمكن أن يكونه المسرح.. هناك، في تلك اللحظات التي يتوتر فيها الفضاء، ويتحوّل الممثل إلى كائنٍ يتأرجح بين الانكسار والتمرد، شعرت أنني أمام مسرح لا يُشاهد بقدر ما يُعاش.

 

اقرأ أيضاً:

                 

                     امتناناً لـ نجوى فؤاد أكتب عن سيّد درويش     

                     "إمام" من الصومعة إلى ميدان التحرير    

 

في أعمال أخرى لك، حيث تتقاطع الأسئلة السياسية مع الوجودية، لم تكن الشعارات حاضرة، بل كان القلق هو البطل الحقيقي.. كنت تترك الشخصيات معلّقة في منطقة رمادية، لا خلاص فيها ولا يقين، وكأنك تقول إن المسرح ليس مكاناً للإجابات، بل لتعرية الأسئلة.

 

 

هذا ما جعل تلك الأعمال، على اختلافها، تشترك في شيء واحد:

ـ أنها لا تنتهي عند إسدال الستارة، بل تبدأ هناك، داخل من شاهدها.

تعلمت منك، حتى دون أن ألتقيك، أن المسرح ليس نصاً يُؤدّى، بل كائناً حياً يتنفس، يتورّط، ويخون أحياناً.

تعلمت أن الخشبة ليست مكاناً، بل مصيراً، وأن الممثل ليس أداة، بل جرحٌ مفتوح يمشي على قدمين.

 

 

ربما لم تكن هذه دروساً مباشرة، لكنها كانت تتسرّب من أعمالك، من صمتها، من قسوتها، ومن ذلك التوتر الخفي الذي يشبه الحياة أكثر مما يشبه الفن.

 

ما لا أفهمه، وربما لن أفهمه، هو كيف لا يُذكر اسمك، في الوعي العام، بموازاة أسماء صنعت تاريخ المسرح العالمي.. كيف لا يكون لك ذلك الحضور الذي نراه عند بريخت أو يونسكو أو غيره من كبار المسرحيين، رغم أن ما اشتغلت عليه، وما اقترحته، لا يقل عمقاً أو مغامرة أو فرادة.

ـ هل لأنك اخترت أن تعمل بعيدًا عن الضوء؟ أم لأن هذا العالم لا يُجيد الإصغاء إلا لمن يصرخ بلغته؟

 

أفكر أحياناً أن المشكلة ليست فيك، بل فينا نحن.. في قدرتنا المحدودة على التقاط ما هو مختلف حقاً، في ميلنا إلى الاعتراف بما يأتي من الخارج أكثر مما نصنعه في الداخل، وربما لأن تجربتك كانت تتطلب قارئاً آخر، متفرجاً آخر، زمناً آخر… لم يأتِ بعد.

أكتب إليك أيضاً من موقع شخصي جداً، لأنك، دون أن تدري، كنت جزءاً من تكويني، ليس بوصفك نموذجاً يُحتذى، بل بوصفك قلقاً يُقيم في الداخل.

كنت أحد أولئك الذين يجعلون الكتابة نفسها موضع شك، ويجعلون الفن سؤالاً لا جواباً، وربما لهذا السبب بقيت أبحث عنك… لا لأجدك، بل لأفهم شيئاً مما تركته خلفك.

 

 

إن وصلت هذه الرسالة إليك، في أي مكان كنت، فاعلم أن هناك من يرى، ولو متأخراً، أن ما فعلته لم يذهب سدى، وإن لم تصلك، يكفي أنها كُتبت، لأن الكتابة أحياناً لا تحتاج إلى عنوانٍ بقدر ما تحتاج إلى الحافز.

إن قرأت رسالتي هذه، دلّني على مكانك، في رأسي حزمة أسئلة، عنوانها:

ـ من أنت؟

لك، حيثما كنت، تحية تليق بذلك الأثر الذي لا يُمحى.

 

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard