صديقاتي المومسات.. ثمة رسالة في رأسي

العاشقات مغامِرات، فإذا ما وصل عشقهن إلى الذروة يتحوّلن إلى "متوحشات"، ذلك أن العشق بحد ذاته "مغامرة"، وهل ثمة مغامرة أكثر تهوراً من أن تمنح الشريك، خيالك، أشياءك، حبك، وعلى الدوام وصولاً إلى الذروة.. من يمنح بهذا الكرم، سيتحوّل إلى مفترس إذا ما خيب أمله.
لذا فـ "العاشقة" مجازِفة، قد تتحول إلى مجازِفة دامية.
المومسات، لا يتحوّلن إلى عاشقات.. المومس قلّما يمكن خداعها، ذلك انها اختبرت "الرجل" بما يكفي لقراءته على ضوء "داروين وأصل الأنواع".
أظن أن ما سبق إن لم يصلح للموافقة عليه، فقد يستحق التأمل، وهذا يكفيه بما يكفي لمغادر الأخلاق والدخول من بوابة الأنثروبولوجيا البشرية، أي حين لا نسأل:
ـ من أفضل، العاشقة أم المومس؟
بل نسأل:
لماذا أنتج "الحب" كل هذا الدم، بينما لم ينتج "البغاء" المقدار نفسه؟
هذه مفارقة تستحق التأمل، ولو أتيح لمؤرخ أن يجمع الجرائم التي ارتُكبت بسبب المال، والجرائم التي ارتُكبت بسبب السلطة، والجرائم التي ارتُكبت بسبب العقيدة، ثم وضع إلى جوارها الجرائم التي ارتُكبت بسبب "الحب"، فقد يكتشف أن "الحب" ليس مجرد عاطفة جميلة كما تصفه الأغنيات، بل إحدى أخطر القوى التي عرفها الإنسان.
الإنسان لم يقتل كثيراً من أجل اللذة، لكنه قتل كثيراً من أجل المعنى، والحب، قبل أن يكون لذة، هو مصنع للمعنى.. حين تقع امرأة في الحب، أو يقع رجل في الحب، فإن ما يجري ليس مجرد انجذاب إلى شخص آخر، بل إعادة تنظيم للعالم كله.. إعادة ترتيب كل شيء، وربما بعثرة كل شيء، الأشياء تتغير مواقعها، الوقت نفسه يتغير، الليل يصبح أقصر، أو أطول، أو أشدّ اضطراباً.. الغياب يصبح أطول، أما الرسائل فتتحول إلى أحداث تاريخية لحروب بالغة الشدّة على اللغة، وصولاً إلى "الغدر باللغة".
نعم، اللغة لاتستحق كل هذه الثرثرة، كان يمكن للغات البشرية، أن تكون بمفردات أقل، مفردات تلبي الضرورة دون أن تغامر إلى صناعة أوهام الفضيلة، كلمات قليلة، من مثل:
ـ خبز، ماء، وبعض الأصوات التي يمكن أن تواصلك مع رفاقك من الحيوانات في هذه الأرض.
مع اللغة الصوت يتحول إلى وطن (ياللعنة)، والابتسامة تتحول إلى عقيدة، من هنا يبدأ الخطر.
في البدايات لا يرى العاشق المحبوب كما هو، يرى فيه ما يحتاج إليه.. يرى خلاصه، ويرى غده الذي لم يولد بعد.
اقرأ أيضاً:
في بداياته، الحب ليس رؤية للآخر بقدر ما هو إسقاط للعالم الداخلي على جسد خارجي، ولذلك فإن انهيار الحب يشبه انهيار الديانات أكثر مما يشبه انتهاء الصفقات:
ـ الصفقة الفاشلة تسبب الخسارة.
ـ أما العقيدة المنهارة فتسبب الزلزال.
هنا نصل إلى النقطة التي تبدأ منها الجرائم، معظم جرائم العشق ليست جرائم كراهية، إنها جرائم خيبة، والفرق كبير بين جرائم العشق وجرائم الكراهية.. الكراهية تريد الإيذاء، أما الخيبة فتريد استعادة ما ضاع، ولهذا يبدو كثير من القتلة العاطفيين في التحقيقات، أقرب إلى المنهارين منهم إلى المجرمين التقليديين، إنهم أشخاص يشهدون سقوط عالم كامل، وحين يعجزون عن استعادته يحاولون تدميره، كأنهم يقولون:
ـ إذا لم أستطع العيش في هذا العالم فلن أتركه قائماً.
ولعل أخطر ما في الحب أنه لا يعترف بالحدود، ولا يكتفي بالجسد، يريد الذاكرة، أي كل ما مضى، ويريد المستقبل أي كل ما سيأتي، بما فيه الموت، ويريد أن يكون شاهداً على الحياة كلها.
العاشق لا يريد ساعة من الوقت، يريد:
ـ يريد العمر كله.
لا يريد قبلة:
ـ يريد المصير.
ومن هنا ينشأ الشعور الخفي بالملكية، وهو الشعور الذي يرتدي ألف قناع.. يسمي نفسه غيرة / يسمي نفسه اهتماماً / يسمي نفسه خوفاً / لكنه في جوهره يقول:
ـ لقد وضعت جزءاً من نفسي فيك، وليس من حقي أن أفقده.
في المقابل يبدو عالم المومسات وكأنه ينتمي إلى كوكب آخر، هناك لا أحد يبيع الخلود، يباع الوقت فقط:
ـ ساعة / ليلة / احياناً دقائق.. وعلى الواقف.
كل شيء محدد منذ البداية، ولهذا تبدو الخسائر أقل عمقاً.. الزبون لا يغادر وهو يشعر أن حياته انتهت، هو يغادر وهو يشعر أن خدمة ما، قُدِمت إليه وانتهت.
حتى حين يشعر بالأسى فإن أساه لا يمس البنية العميقة لوجوده، ذلك أنه لم يستثمر روحه كلها، ربما استثمر بعض من مدّخراته .. أقول "بعض"، ومن يتبق له "بعض"، قلّما يرتكب الجريمة، الجريمة يرتكبها من يملك الـ "كل" ويخاف خسارته.
مع المومس أنت لا تستثمر روحها كلها، وهي كذلك لا تستثمر روحها بك، وقد يكون المومسات، أشدّ خبرة في "اقتصاد الروح" من العاشقات، ولهذا فخسائرهن أقل ثقلاً.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً، فالبشر يحملون أوهامهم معهم أينما ذهبوا، حتى إلى بيوت المومسات.. كثير من الرجال لم يدخلوا تلك الغرف بحثاً عن الجنس، دخلوا بحثاً عن الإصغاء، عن الحنان، عن امرأة لا تحاكمهم، عن أم مؤقتة، وربما عن وطن بالإيجار.
ولهذا كثيراً ما تحولت العلاقات التعاقدية إلى علاقات عاطفية من طرف واحد، وهنا تبدأ المأساة من جديد، فالإنسان يحاول دائماً أن يشتري ما لا يباع (يحاول أن يشتري الحب).
ـ والحب لا يباع.
ولهذا فإن عالم صديقاتي المومسات، مليء بدوره بالمآسي، ولا يسوءني أن أقول صديقاتي، أقولها وأنا بكامل لياقتي الذهنية والانفعالية والعاطفية أنا نبيل الملحم، كما لو أنها من تيجان زمني الشخصي، لقد منحنني أبدع ما انتجت، نعم انتجته في "خمارة جبرا"، وبما تبقى من أعمال، وأبدعها "حانوت قمر".
لكنه عالمهن ممتلئ بالمآسي، ليست مأساة الوعد المكسور دائماً، بل مأساة الوعد الذي لم يُعط أصلاً.. الرجل يتخيل والمومس تعرف أنه يتخيل، وتمضي اللعبة:
ـ أحدهما يدفع المال، والآخر يدفع الوهم.
وفي النهاية قد يكون الوهم أكثر كلفة من المال.
إن تأمل تاريخ الجريمة يقودنا إلى استنتاج غريب:
ـ ليست الرغبة الجنسية هي التي تدفع الإنسان إلى أقصى درجات العنف، بل الرغبة في الامتلاك العاطفي،
فالجسد يمكن تعويضه، أما الوهم الذي يقول "هذا الإنسان لي" فلا يقبل التعويض، ولهذا كانت الغيرة عبر التاريخ واحدة من أعنف المحركات الإجرامية:
ـ لقد أحرقت مدناً، وأشعلت حروباً، وأنتجت مآسي أدبية لا حصر لها، ومن بينها سبعة روايات لي رغبة في إحراق الذاكرة.
من الملاحم القديمة إلى الروايات الحديثة، وربما لهذا السبب تحديداً تبدو المومس، في بعض الأحيان، أكثر حكمة من العاشقة.. ليس لأنها أقل إحساساً، ربما لأنها تعرف حدود اللعبة، تعرف أن الليل سينتهي، وأن الزبون سيغادر، وأن الوعد غير موجود، وأن الخيال لاينبغي أن يتحول إلى عقيدة، في حين أن العاشقة الحقيقية تفعل العكس تماماً.
إنها :
ـ تمنح الخيال حق الإقامة الدائمة.. تفتح له أبواب البيت، ثم تكتشف متأخرة أنه قد يصبح سيد المكان.
وربما يمكن اختصار المأساة كلها في جملة واحدة:
ـ المومس تبيع الوهم وهي تعرف أنه وهم، أما العاشقة فتشتري الوهم معتقدة أنه الحقيقة.
ومن هذه المسافة الصغيرة بين الوهم والحقيقة خرجت أجمل قصائد البشر، وأعظم رواياتهم، وأشد جرائمهم قسوة، فالحب ليس بريئاً كما تزعم الأغنيات، لكنه أيضاً ليس مذنباً:
ـ إنه مجاز نار.
وما يفعله البشر بالنار هو الذي يحدد إن كانت ستنير بيتاً أم ستحرق مدينة بأكملها.
على كل، من احترقت مدينته، لن تنال الحرائق من رصيفه.. رصيف ما تبقّى من زمنه و "ليس زمناً طويلاً".