info@suwar-magazine.org

الشعب يريد كرخانة

الشعب يريد كرخانة
Whatsapp
Facebook Share

 

لا يستوقفني فهم "افلاطون" للمدينة، باعتبارها تتكوّن من : الحكام الفلاسفة، والحراس أو الجنود، ومن ثم عامة المنتجين والحرفيين.. لا، المدينة بالنسبة لي هي ثالوث، ركائزه:

ـ البرلمان، القصر العدلي، والكرخانة.

وسيستبق القارئ استكمال القراءة، ظنّاً منه أنني أروّج للـ "كرخانة"، وأضعها في مصاف القصر العدلي والبرلمان.

 

 

لا، ليس الحال كذلك، فالمدينة ليست أبنيةً وشوارعَ ومقاهي وأسواقاً فقط.. ليست الحجر، بل نوع العلاقات التي تنشأ داخل الحجر، والطريقة التي تُدار بها التناقضات البشرية حين يتكدس البشر في مساحة واحدة ويُجبرون على العيش معاً، رغم اختلاف رغباتهم ومصالحهم وأحقادهم وأحلامهم وتباينات أصناف موائدهم.

 

المدينة، (بطريقة ما)، هي ركل للقبيلة، ذلك أن القبيلة تقوم على القرابة والدم والعرف والثأر، أما المدينة فتبدأ عندما يخرج الإنسان من يقين الدم إلى تعقيد الجماعة الكبرى.. هناك، تظهر الحاجة إلى مؤسسات لا تحمي الفضيلة فقط، بل تدير الفوضى أيضاً.

 

 

منذ المدن الأولى، كانت المدينة الحقيقية تقوم، بشكل معلن أو خفي، على ثلاثة أعمدة:

ـ مكان لإدارة السلطة، ومكان لإدارة العدالة، ومكان لإدارة الرغبة، أي:

ـ البرلمان، والمحكمة، والكرخانة.

قد تبدو الفكرة صادمة ( فما بالك إن كنت أتعمّد الصدمة، ذلك أنني على يقين أن تكسير طغيان البلادة لا يحدث إلاّ بالصدمة؟)، لكنها (أي المدينة) تصبح أقل غرابة إذا نظرنا إلى تاريخ المدن لا إلى أخلاقها المعلنة..فالمدينة، عبر العصور، لم تُبنَ على الطهارة، بل على القدرة على تنظيم التناقضات البشرية ومنعها من التحول إلى حروب مفتوحة.

 

 

كان لا بد أولاً من مؤسسة تُنظم الصراع على القوة، في القبيلة، يُحسم النزاع بالغلبة المباشرة:

ـ الأقوى يفرض إرادته.

أما المدينة فقد احتاجت إلى مكان يتحول فيه العنف إلى كلام، وتتحول القوة إلى شرعية، هكذا ظهرت المجالس والساحات العامة ومجالس الشيوخ والبرلمانات.. في أثينا القديمة، لم تكن "الأغورا" مجرد سوق، بل فضاءً للكلام العمومي، حيث بدأت السلطة تفقد طابعها الشخصي لتصبح شأناً عاماً، وفي روما، كان مجلس الشيوخ محاولة لتحويل صراع النخب إلى نظام سياسي يمكن احتماله.

 

 

البرلمان، بمعناه العميق، ليس مؤسسة ديمقراطية فقط، بل جهاز لتأجيل الحرب الأهلية (تخيّلوا لبنان بلا برلمان؟ على علاته وفائض أناقة نوابه، مازال ضمانة لعدم الانجراف الى الحروب المخزية).. إنه البرلمان، المكان الذي تسمح فيه المدينة للكراهية والطموح والمصالح المتضاربة بأن تتواجه بالكلمات لا بالسكاكين .. ما من مشهد أبدع إثارة ومتعة، من أن تنقل الشاشات وقائع جلسات تدار ما بين النواب بتراشق القباقيب (والحال كذلك ما من رجل يصلح لإدارة مجلس نوّاب كما السيد "اسفنجة" وأعني به نبيه بري القائد الذي لايحول ولا يزول ولا تدركه العقول)، و لذلك لا توجد مدينة بلا شكل من أشكال التمثيل السياسي، حتى لو كان تمثيلاً ناقصاً أو فاسداً أو شكلياً،  فحين تغيب هذه المؤسسة يعود البشر سريعاً إلى منطق العصابة أو العشيرة أو الزعيم الفرد.

 

 

لكن تنظيم السلطة وحده لا يكفي، فالمدينة لا تستطيع الاستمرار إذا بقي الثأر حقاً فردياً.. هنا تظهر المؤسسة الثانية:

ـ المحكمة.

قلائل يستحقون لفظ الجلالة، من مثل النجار، الحدّاد، الإسكافي، الصنايعي، المومس، والقاضي.

من يقرأ ما سبق سيصرخ بوجهي:

ـ كيف لي أن أساوي ما بين القاضي والمومس؟

ربما لدي ما لا لا لا يكفي من الإجابة.

 

 

ـ مبدئياً لماذا القاضي؟

في المجتمعات القبلية، يأخذ الإنسان حقه بيده، ويصبح الدم ديناً مفتوحاً بين العائلات، أما المدينة فتقوم على فكرة مختلفة تماماً:

ـ لا يحق للفرد أن ينتقم بنفسه، لأن العدالة أصبحت ملكاً للمؤسسة.. من هنا وُلد القضاء بوصفه إعلاناً عن نهاية الثأر الشخصي وبداية احتكار الدولة للعنف.

 

 

لهذا لم يكن قانون حمورابي مجرد نص قانوني، بل إعلاناً عن ولادة المدينة بوصفها سلطة أعلى من الأفراد، وكذلك فعلت المحاكم الرومانية، ثم المحاكم في المدن الإسلامية الكبرى، حيث أصبح القاضي ممثلاً لفكرة تتجاوز العائلة والقبيلة والطائفة.

المحكمة ليست مكاناً للعدالة فقط، بل مكاناً لترويض الغضب البشري، إنها تقول للمواطن:

ـ لا تضرب خصمك، لا تثأر، لا تقتل… سلّم غضبك للمؤسسة.

 

 

وهكذا يتحول العنف من فعل شخصي إلى حق تحتكره الدولة، غير أن البرلمان والعدالة لا تكفيان أيضاً لصناعة المدينة، فالبشر لا يعيشون بالقانون وحده، بل بالرغبات كذلك، وهنا نصل إلى المؤسسة الثالثة، المؤسسة التي حاولت المدن دائماً إخفاءها خلف ستائر الأخلاق، رغم أنها ظلت حاضرة في قلبها:

ـ الكرخانة.

ليست الكرخانة مجرد بيت دعارة، كما يُختزل الأمر عادة، بل مؤسسة اجتماعية لإدارة ما لا تستطيع المدينة إلغاءه:

ـ الرغبة، الليل، الجسد، والفائض الغريزي الذي يرافق التمدن دائماً، فكلما ازدادت المدينة تعقيداً، ازدادت حاجتها إلى أماكن تُصرف فيها توتراتها السرية.

 

 

لهذا لم تختفِ بيوت الدعارة من المدن الكبرى عبر التاريخ، مهما اختلفت أديانها أو قوانينهاٍ، وسأدخل على محركات البحث، لانتزاع معلومات تخص المدينةـ الكرخانة، ففي بومبي الرومانية كانت الكرخانة جزءاً معروفاً من الحياة الحضرية، وفي البندقية جرى تنظيم الدعارة وفرض الضرائب عليها، أما في إسطنبول والقاهرة وباريس فقد ظلت المدينة تعرف جيداً أين يقع حي الليل، حتى وهي تدّعي العفة نهاراً.

 

اقرأ أيضاً:  

 

                   الخمسة الذين حاولوا الخروج من زنزانة الطائفة

                    أيها القائد: نصيحة.. أقتل رفاقك أولاً

 

 

ـ سقالله بحسيتا:

لم تكن المدن السورية استثناءً من ذلك، ففي حلب عُرفت "بحسيتا" بوصفها جزءاً من الجغرافيا الاجتماعية للمدينة القديمة، مثلها مثل الأسواق والخانات وأحياء الحرفيين، وعلى حد علمي، وهي معلومة حصرية بي شخصياً، أن النساء المشتغلات بـ "بحسيتا" حلب، كنّ يشتغلن يوماً بالسنة متطوعات لصالح المجهود الحربي (ولا شكّ أن عائدات هذا المجهود، باتت تثقل صدر مصطفى طلاس بالنياشين)، وفي دمشق أيضاً وُجدت أحياء تؤدي الوظيفة نفسها ضمن تفاهم اجتماعي غير معلن بين الأخلاق المعلنة والحياة الواقعية، ومن بينهن سيّدة جليلة، حاولت رسمها في رواية "خمّارة جبرا" تحت اسم "فرنسا"، وهي سيّدة كانت تتكئ بذاكرتها على كتفي، كما لو تحتفي بالرذيلة.

 

 

لا.. لم يكن الأمر احتفاءً بالرذيلة، بقدر ما كان اعترافاً ضمنياً بأن المدينة لا تستطيع أن تعيش فقط بشعارات الطهر، بل تحتاج أيضاً إلى إدارة ما يُخفى خلف اللغة .

 

 

التحوّل الكبير:

التحول الكبير جاء مع صعود الأنظمة الشمولية العربية (أنظمة القائد التاريخي المتمسك بحمّالات الامّة ومن بينها حاملات الأثداء)، خصوصاً منذ ستينيات القرن العشرين، فقد بدأت الدولة الحديثة في تقديم نفسها بوصفها وصيةً أخلاقية على المجتمع، لا مجرد سلطة سياسية، وهنا لم تعد المسألة تتعلق بتنظيم المجال العام، بل بإخضاعه.. إخضاعه بالكامل، وتحديداً إخضاع "الرغبة" وفقاً لوقائع ويوميات سرير القائد.

 

 

أُغلقت الكرخانات في سوريا، لا بوصفها أماكن هامشية فقط، بل بوصفها فضاءات تقع خارج السيطرة الكاملة للدولة، فالسلطة الشمولية لا تحتمل وجود مؤسسة (مهما كانت)، أن تعمل بمنطقها الخاص، أو تُنتج ليلاً لا تراقبه السلطة بالكامل:

ـ وهكذا بدأت المدينة العربية تفقد تدريجياً فضاءاتها الحرة، ومثالها سوريا:

ـ السياسة الحقيقية في سوريا، اختفت خلف الحزب القائد، القضاء خضع للأجهزة الأمنية، وأحياء الليل  دُفعت إلى السراديب، كما الحركات الراديكالية، والراديكلية هنا تشمل طيفاً واسعاً بدءاً من اليسار ومنظمة العمل الشيوعي، وصولاً للحركات الإسلامية الراديكالية، دُفعت إلى السجون، فيما احتكرت السلطة أحزاباً أخرى تحت ستار "الجبهة الوطنية التقدمية" وكان عليها استكمال مسيرة الاحتكار، باحتكار المومسات بعد أن دمجتهم في مؤسساتها، لتسقط عنهم هويتهم.

 

 

لكن المفارقة أن إغلاق "بحسيتا" لم ينتج مدينة أكثر طهارة، بل مدينة أكثر خوفاً،  فبينما كان النظام بدءاً من "الأب القائد" يتحدث عن الفضيلة والأخلاق العامة، كما لو أن أبوّته لنا "فضيلة"، والابوّة هنا تعني اجتياح شراشف نوم أمهاتنا (يالها من فضيلة) ، كانت في الوقت نفسه توسع السجون، وتبني أجهزة الاستخبارات، وتحوّل التعذيب إلى جزء من بنية المتعة.

 

 

ـ بحسيتا وقد أُغلقت:

أُغلقت الكرخانات، أما البرلمان فقد تحول إلى واجهة، فيما المحكمة تحوّلت إلى أداة، بعد أن أُسقطت مطرقة القاضي واحتل البسطار العسكري المائدة.

وهكذا،  لو عدنا لتاريخ "المدينة"، يمكن النظر إلى تاريخ المدينة بوصفه حركة دائمة بين طرفين:

ـ مدينة تعترف بتناقضاتها وتنظمها.

ـ ومدينة تنكر تناقضاتها وتخفيها بالقوة.

في الحالة الأولى، تتوزع وظائف السلطة والعدالة والرغبة في مؤسسات منفصلة لكنها متوازنة، وفي الحالة الثانية، يتم احتكار هذه الوظائف من قبل سلطة واحدة، فتختفي الحدود بين القانون والعنف، وبين الأخلاق والقمع، وبين التنظيم والإنكار.

 

 

إن "ثالوث المدينة" ليس نموذجاً مثالياً، بل وصف لبنية عميقة تتكرر عبر التاريخ بأشكال مختلفة، فالمدينة لا تُلغِي الرغبة، ولا تُلغِي العنف، ولا تُلغِي الصراع على السلطة، هي فقط تختار:

ـ هل تديرها عبر مؤسسات متعددة، أم تحتكرها في جهاز واحد؟

وفي هذا الاختيار، يتحدد شكل المدينة، ومعه يتحدد شكل الإنسان داخلها.

 

ماحدث أن المدينة الشمولية لم تُلغِ الجانب السفلي للحياة، بل نقلته من الحي الليلي إلى القبو الأمني، وهذا حال الأنظمة التوتاليتارية التي لا تخاف الرغبة لأنها لا أخلاقية (وفق لغتها)، بل لأنها مستقلة عنها، فهي تريد احتكار كل شيء:

ـ الكلام عبر الإعلام الرسمي، العدالة عبر القضاء الخاضع، والخوف عبر الله والأجهزة الأمنية.

ولهذا تخشى أي فضاء لا تراقبه لتحتكره تماماً:

ـ المقهى، المسرح، الحانة، الحي الليلي، وحتى النكتة .

 

 

المدينة الحرة أمر آخر، المدينة الحرة هي مدينة تملك ظلالها الخاصة، أما المدينة الشمولية فهي مدينة تريد أن تضع الضوء الأمني حتى داخل ظلالنا.

 

من هنا يمكن فهم التناقض العنيف الذي عاشته مدن عربية كثيرة:

ـ كلما تقلصت الحياة المدنية الحرة، تمددت المؤسسات الأمنية، وكلما ارتفعت شعارات الفضيلة، ازداد العنف المكتوم داخل المجتمع والدولة معاً.

 

إنني في هذا النص لا أقدّم رثاءً للكرخانة ولا تمجيداً لها، بل محاولة لقراءة وظيفتها التاريخية داخل بنية المدينة.. المسألة لا تتعلق بالدفاع عن الدعارة بوصفها قيمة، بل بفهم الطريقة التي أدارت بها المدن، عبر التاريخ، تناقضاتها البشرية العميقة.

 

المدينة ليست اختراعاً أخلاقياً خالصاً، بل تسوية تاريخية هائلة بين ما يريد الإنسان أن يكونه، وما يعجز عن التوقف عن كونه، وفي هذه اللحظة التاريخية التي أنا بها، سأهتف:

ـ الشعب يريد "كرخانة".

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard