أيها القائد: نصيحة.. أقتل رفاقك أولاً

"أقتل الشاهد"، تلك أول كلمة في كتاب "حكمة الطاغية"، نعم هي حكمته ليكون:
ـ طاغية.
دونها لن يكون.
تلك حكمته، وثمة تاريخ يشهد، يرى، وقد يؤجّل شهادته، وللشهادة حكاية، أحاول وعبر "التداعي الحر"، أن أجلس في مقعد المؤرخ، وأنا الكائن الذي لا يمتلك أدوات المؤرخ، لـ "يشهد".. فيحاول.
في البدايات، لا يكون هناك قائد، بل جماعة تحلم، كان هذا حال "البعثَين" في العراق وسوريا.. كان هذا حال الثورة الكوبية، وكان هذا حال ثورة أكتوبر، وحتى كان حال كومونة باريس.. "جماعة تحلم لتطلق "ثورة" فتتكئ الثورة على ضمير الجمع، على كلمة "نحن" التي تبدو واسعة بما يكفي لاحتواء الجميع، متناقضاتهم وأحلامهم ونزواتهم الصغيرة.
ـ هل يبقى الحال كذلك؟
ليس ثمة ما يشير إلى ديمومة الـ "نحن" إياها، فما إن تستقر السلطة في يد أحدهم، حتى يبدأ هذا الضمير بالتآكل، كأن "نحن" لم تكن سوى جسر مؤقت نحو "أنا"، والـ "أنا" هنا، لم تكن سوى نرجسية عدوانية متضخمة، لا تحتمل الشراكة.
ـ عند تلك اللحظة تحديداً، لا يعود الرفيق رفيقاً، بل يصبح خطراً مؤجلاً، ذاكرة حية يجب التخلص منها.
الرفيق هو الشاهد الذي لا يمكن خداعه.. هو الذي يعرف القائد قبل أن يصبح صورة، قبل أن تتحول أخطاؤه إلى تكتيك، وضعفه إلى حكمة، وتردده إلى عمق استراتيجي، وسلسه البولي لايعني سوى أن السماء تمطر .. الرفيق في هكذا حال، هو الذي يتذكر اللحظة التي لم يكن فيها القائد إلا احتمالاً بين احتمالات أخرى، لهذا السبب، يبدو وجوده (وأعني الرفيق) في حد ذاته تهديداً، ليس لأنه يعارض، بل لأنه يعرف.
المعرفة هنا هي:
ـ الفضيحة.
فضيحة الأسطورة الناشئة.
ومن هنا، لن تكون أنت (وأنا جحش مثلك)، الحالم بـ :الحريّة، العدالة، توزيع الثروة، إطفاء جذوة العنف، تهديم أسوار السجون، لن تكون خصمه.
ـ خصمه "رفيق" اليوم، وشاهد الغد.
اقرأ أيضاً:
في تجربة جوزيف ستالين، لم تكن التصفيات الكبرى مجرد صراع على السلطة داخل الحزب، بل كانت عملية جراحية لإعادة تشكيل الذاكرة نفسها.. كل من شارك في صناعة اللحظة الثورية أصبح عبئاً يجب التخلص منه، لأن وجوده يعني أن القصة لم تُكتب بعد بصيغتها النهائية.. كان ليون تروتسكي، على سبيل المثال، أكثر من خصم سياسي؛ كان تجسيداً لاحتمال آخر للثورة، ولذلك لم يكن كافياً إقصاؤه، بل كان لا بد من محوه، جسداً وذكراً، وكأن قتله هو الطريقة الوحيدة لضمان أن تبقى رواية واحدة فقط على قيد الحياة.. هي:
ـ رواية جوزيف ستالين.
"ستالين" ابن الحذّاء، الذي طالما عانى من وطأة وصلافة أمّه (بالمناسبة، ما من مهنة تروق لي سوى واحدة من مهنتين: كندرجي، أو بحّار، في الأولى أصنع عوازل لمن يطأون الموتى بأقدامهم، والثانية لمن هربوا من اليابسة).
ـ صدام حسين:
وفي مكان آخر، وبأسلوب أكثر فجاجة، قدّم صدام حسين مشهداً يكاد يكون طقساً مسرحياً للقتل.. لم يكن الأمر مجرد تصفية لرفاقه، بل إعادة ترتيب للذاكرة أمام أعين الجميع.
الاعترافات القسرية، النظرات المرتعبة، إجبار الرفاق على المشاركة في إدانة بعضهم، كل ذلك لم يكن يهدف فقط إلى القضاء على خصوم محتملين، بل إلى تحطيم فكرة الرفقة ذاتها.
ـ لم يعد هناك الـ "نحن"، بل مجموعة أفراد ينتظر كل واحد منهم دوره في النجاة المؤقتة.
ـ كان القتل هنا أداة لإعادة تشكيل النفس الجماعية، لا مجرد إجراء أمني.
ـ ماذا عن حافظ الأسد؟
لم يكن خصوم حافظ الأسد الحقيقيون، في العمق، أولئك الذين ظهروا على السطح كأعداء سياسيين مباشرين، مثل صلاح جديد .. لا، هؤلاء كانوا، في نهاية المطاف، أبناء اللعبة ذاتها، يتنازعون على السلطة، بأدواتها ولغتها، غير أن الصراعات الأكثر عمقاً لا تُرى في بيانات الانقلابات، بل في تلك المنطقة المعتمة من النفس، حيث يتكوّن الخصم بوصفه شاهد، لا مجرد منافس.
هناك، في ذلك الظلّ، يمكن أن يظهر نور الدين الأتاسي، لا كخصمٍ سياسي مباشر، بل كصورة أخرى للسلطة، صورة تُربك أكثر مما تُهدد.
وُلد الأتاسي في بيئة مدينية من الطبقة الوسطى في حمص، حيث كان العلم هو الطريق الوحيد للترقي، لا القوة.. اختار الطب، وكأن اختياره المبكر كان انحيازاً للإنسان قبل أن يكون انحيازاً لأي فكرة.. لم يكن طبيباً في المعنى المهني الضيق، بل كان يرى في الجسد المريض حكاية، وفي الألم مسؤولية.
في سنواته الأولى، لم يتردد في الاقتراب من تجارب كبرى خارج حدود بلاده، وكان من بينها الثورة الجزائرية، حيث مارس دوره كطبيب في قلب معركة لا تُقاس فقط بعدد الرصاصات، بل بعدد الأرواح التي يمكن إنقاذها، وهذه شهادة جزائريين به، ومن بينهم أحمد بن بيلا، الرجل بالغ النزاهة (واظن ولست متاكداً أن الصافي سعيد حكاها، نسيت هل بالكتابة أم في لقاء تلفزيوني، ثانية لست متاكداً).
ـ هناك، في الجزائر ربما، ترسّخت لدى "الأتاسي" فكرة أن الفعل الحقيقي ليس في السيطرة، بل في الحماية.
حين عاد إلى سوريا، وانخرط في حزب البعث ، لم يكن انتقاله إلى السياسة قفزة نحو السلطة، بل امتداداً لذلك الحسّ الأخلاقي، ومع صعوده إلى موقع الرئاسة، لم تتبدّل طبيعته.. لم يتعلّق بالسلطة، لم يبنِ حوله شبكة ولاءات، ولم يحاول أن يحوّل الدولة إلى ملكية شخصية.
ـ كان، على نحو ما، عابراً داخل الموقع الذي يفترض أن يرسّخ أصحابه فيه جذورهم.
وهنا تبدأ المفارقة:
في عالم تُحكمه موازين القوة، لا تكفي النزاهة لحماية صاحبها.. لم يمتلك الأتاسي أدوات الصراع، ولا بدا راغباً في تعلّمها، وحين جاءت لحظة التحوّل الكبرى، واصطدمت صورته للسلطة بصورة أخرى أكثر صلابة وبراغماتية، لم يكن الصراع بين رجلين فحسب، بل بين منطقين:
ـ منطق يرى السلطة وسيلة، ومنطق يراها غاية.
في هذا السياق، يمكن قراءة ما حدث لا كصراع بين رفاق الأمس فقط، بل كصدام بين نوعين للمعنى، ومع أن الأسماء الظاهرة في المشهد كانت متعددة، فإن الحضور الأكثر إرباكاً ربما لم يكن لمن ينازع على السلطة، بل لمن لا يتقن التمسك بها أصلاً.
سُجن الأتاسي لسنوات طويلة، حتى تآكل جسده واقترب من الموت داخل الزنزانة.. لم يكن سجنه مجرد إجراء سياسي بارد، بل بدا، في أحد وجوهه، كأنه محاولة لإسكات ذلك الصوت المختلف، الصوت الذي لا يهدد بالقوة، بل بالإحراج الأخلاقي.. فحين يتحول الخصم إلى شاهد، يصبح التخلص منه أكثر إلحاحاً، وأكثر قسوة.
لم يُعرف عن الأتاسي أنه حاول النجاة عبر التنازل، ولا أنه فاوض على كرامته.. بقي، حتى النهاية، وفياً لتلك البذرة الأولى:
ـ الطبيب الذي يقف إلى جانب الألم، لا إلى جانب من يصنعه.
لكنه، في مفارقة قاسية، لم يستطع حماية نفسه، لأنه لم يكن يرى في الصراع ما يبرر أن يتحول إلى شيء آخر غير ما هو عليه.
في سيرة نور الدين الأتاسي، لا نجد حكاية رجل خسر السلطة فقط، بل حكاية رجل لم يشأ أن يربحها بالشروط التي تفرضها، وفي قراءة تلك المرحلة، لا يعود السؤال:
ـ من انتصر؟
انتصر حافظ الأسد للـ "السلطة"، أما الأتاسي فعبرنا دون أن نتوقف لنتأمل "شهادته"، وهذه "زلّة" فينا نحن الذين:
ـ نقتل رفاقنا.
تراجيديا نور الدين الاتاسي تبدأ من لحظة ولادته.. كيف؟
ـ تبدأ حين لم تهمس له أمّه، بأنفاس حارّة:
ـ أقتل رفاقك.
لم توصه بأن يفعل هذا، وذاك عيب في الامومة الصافية.
لنذهب إلى "روح الله" الخميني:
أما روح الله الخميني، فقد قدّم نموذجاً مختلفاً في الشكل، متقاطعاً في الجوهر، الثورة التي جمعت أطيافاً متناقضة ضد الشاه، لم تتحمل هذا التناقض بعد انتصارها.. فجأة، ضاقت الدائرة، وصار كل اختلاف تهديداً، وكل قراءة أخرى للنص الثوري انحرافاً يستوجب الإقصاء.
هنا لا يظهر القتل دائماً في صورته المباشرة، لكنه يتسلل عبر الإقصاء والسجون والمحاكمات، بوصفه نتيجة منطقية لفكرة واحدة خطيرة:
ـ إذا كنتُ أنا التعبير الأصدق عن الحقيقة، فإن كل "شاهد" سواي خطأ يجب تصحيحه أو محوه.
ـ وحبيبنا "النميري":
في تجربة جعفر نميري، تتجلى سيولة التحالفات بوصفها عرضاً لقلق أعمق.. الانقلابات على الحلفاء، الانتقالات الحادة بين المعسكرات، لم تكن مجرد براغماتية سياسية، بل تعبيراً عن شعور دائم بأن الأرض غير ثابتة.. في مثل هذه الحالة، يصبح الرفيق عبئاً لأنه يذكّر بإمكانية الانقلاب، لا من الخارج، بل من الداخل نفسه.
ـ كل شريك محتمل هو مشروع خائن مؤجل، وكل ذاكرة مشتركة هي تهديد غير مرئي.
حتى "كومونة باريس"، تصدّعت من داخلها أيضاً:
ـ انتهت كما لو حرب أهلية داخل الكومونة.. بلغ اعتقال رفاق، وتهديدهم، وتصفية حسابات سياسية حادّة.
هكذا، قبل أن تُسحق الكومونة نهائياً، كانت قد استُنزفت من داخلها.. لم يقتل القادة بعضهم بعضاً بمعنى الاغتيال المباشر بقدر ما فعلوا ذلك عبر الشكّ، والانقسام، وتحويل الثورة إلى ساحة محاكمات، لتنتج "الطاغية".
ـ بالنهاية، لم ينجُ أحد من الهزيمة.
ما يجمع هذه التجارب ليس فقط العنف، بل البنية النفسية التي تبرره.. الدكتاتور لا يرى نفسه مجرد حاكم، بل مركزاً للحقيقة، ومن هذا الموقع، لا يعود الخلاف اختلافاً، بل يتحول إلى خيانة، ولا يعود الرفيق شريكاً، بل يصبح منافساً على المعنى ذاته.
ـ هنا تتضخم البارانويا حتى تتحول إلى منهج حكم، لا باعتبارها مرضاً، بل كآلية بقاء.. العالم يُختزل في ثنائية قاسية:
ـ أنا، أو الفوضى.
لكن ما يغيب خلف هذا العنف كله هو هشاشة عميقة.. القائد الذي يقتل رفاقه ليس بالضرورة الأقوى، بل قد يكون الأكثر خوفاً من فكرة أنه لم يصنع كل شيء وحده.. إنه يدرك، في مستوى ما، أن صعوده كان نتاج شبكة معقدة من العلاقات والظروف والصدف، وأن هناك آخرين يمكنهم الادعاء بأن لهم نصيباً في هذه القصة.
ـ بدل أن يتصالح مع هذه الحقيقة، يختار أن يمحوها.
القتل، في هذه الحالة، ليس فقط وسيلة للتخلص من خصم، بل محاولة لإعادة كتابة الأصل.
وهكذا، يتحول قتل الرفاق إلى ما يشبه طقساً لإعادة الولادة.. مع كل رفيق يُمحى، يقترب القائد خطوة من أن يصبح الرواية الوحيدة، الصوت الوحيد، الذاكرة الوحيدة.
لم يعد هناك من يروي البداية بشكل مختلف، ولا من يذكّر بأن الطريق كان مزدحماً يوماً.. كل شيء يُعاد ترتيبه ليبدو وكأن القصة بدأت به، وتنتهي عنده.
ـ في النهاية، لا يقتل الدكتاتور رفاقه لأنه يملك فائض قوة، بل لأنه عاجز عن احتمال الذاكرة.
الذاكرة تربكه، تهدد صورته عن نفسه، تفتح احتمالات لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، يختار أبسط الحلول وأكثرها قسوة:
ـ أن يختزل العالم في نسخة واحدة، وأن يختزل الثورة في اسم واحد، وأن يختزل التاريخ في صوت واحد، وأن يختزل الذاكرة بـ "شعب لا يتذكّر"، ورفاق جدد ممسوحي الذاكرة، بعد أن يمحو رفاق أمسه:
يمحوهم، لا لأنهم أعداء، بل لأنهم:
ـ شهود على ماحدث.