info@suwar-magazine.org

سيرة شخصية عن مدن تسأل: من أين الطريق؟

سيرة شخصية عن مدن تسأل: من أين الطريق؟
Whatsapp
Facebook Share

 

نعم هو الامر كذلك، فـ المدن مثل الفنادق لا تتخلّص من أشباحها، لكنها تغيّرهم حين تُبدّل شراشف أسرّتها، حدث هذا مع "دمشق".. حدث مع "بيروت"، حتى "برلين" وفق ما يحكي أهلها، لم تكن تُبنى من حجارةٍ فقط، بل من فكرةٍ عن نفسها، وفق ما يحكون، كانت تبتكر لقباً لأبنائها، تمنحهم به هويةً خفيفة الظل، كأنها وسام غير مرئي، كان ساكنها يُدعى "برليني"، ولم يكن "البرليني" يوماً مجرد ساكنٍ في برلين، بل كان كائناً يتقن العيش بين نظامٍ صارم وفوضى أنيقة؛ بين قطار يصل في الدقيقة، وفنان يضيع في الأزقة بحثاً عن معنى، وباتت المدينة بعد سقوط جدار برلين، قد أقنعت نفسها بأنها تعلّمت الدرس:

ـ لا أيديولوجيا أعلى من الحياة، ولا شعار يعلو على الإنسان.

 

 

نعم المدينة كما "الفندق" تُغيّر "شراشفها"، حتى لتبدو الصفات، صفات عابرة،  ففي بيروت، كان البيروتي يتقن الخفة، كأن الحياة تُحتمل بابتسامةٍ ذكية، أو بنكتةٍ في توقيتٍ دقيق، وفي دمشق، كان الدمشقي يتقن الصبر، كأن الزمن يُروّض بالبطء، وبالقدرة على الانتظار، وعلى تحويل العادي إلى طقس.

 

كانتا :

ـ بيروت تمشي بخفة، ودمشق تمشي بذاكرة.
ـ تلك تفتح نافذتها على البحر، وهذه تفتح بابها على التاريخ.

كان البيروتي يعرف كيف يمرّ من المأساة دون أن يتوقف طويلاً، وكيف يُلبس الجرح أناقةً تخفّف من ثقله، وكان الدمشقي يعرف كيف يُخفي جرحه في داخله، كيف يجعله جزءاً من نسيجه، لا يعلنه ولا ينكره، بل يعيش به وكأنه قدرٌ قديم.

 

 

ـ لكن المدن، حين تُختبَر، تكشف ما تخبّئه.

في بيروت، انقلبت الخفة إلى ثقل، حدث ذلك من اول يوم أخذ طريق القدس يمر منها، منذ  "بوسطة عين الرمانة"، من يومها صار صوت الرصاص أعلى من أشعار طليع حمدان، من قوة ارتجاله ومن جمعه بين الحكمة والبساطة، من يومها صار الشعار أعلى من الأغنية.. لم يعد "البيروتي" ذاك الذي يلمح الحياة من توترات فساتين بناتها، بل الذي يواجهها بوجهٍ عابس، مستعجل، يريد أن يحسم العالم دفعة واحدة.. اختلطت المقاهي بالمنابر، والقصائد بالبيانات، وصار الغضب لغةً اليوم من الكنيسة إلى المسجد، ومنهما إلى الزيتونة حيث بيوت الدعارة بظلال ما تبقّى من شجر المدينة المحترق.

 

اقرأ أيضاً:  

 

                   من لوليتا إلى جان دارك.. ما الذي تبقّى من الإيقونة

                      مرحباً بنا في عالم "دونالد ترامب"

 

 

في دمشق، لم يكن الانقلاب صاخباً، بل صامتاً، لم تخرج المدينة إلى الشارع كما فعلت بيروت، بل دخلت إلى نفسها.. انكمشت، وراحت تتأمل جرحها بصمتٍ ثقيل.. صار الدمشقي أقل كلاماً، وأكثر حذراً، لم يعد يثق بالكلمات، ولا بالشعارات، بل صار يقيس كل شيء بميزان الخوف، وبحساب الخسارة.

 

ـ في بيروت، كان الوهم أن "النضال" يمكن أن يكون امتداداً لحديثٍ في مقهى.
ـ وفي دمشق، كان الوهم أن "الصمت" يمكن أن يحمي كل شيء.. من الاعتقال ومن الفناء في الزنزانة.

لكن النضال، حين يتحوّل إلى تراشق بالرصاص لا يبقى فكرة، والصمت، وحين يطول، لا يبقى حماية.

في الروشة، ارتفع الصوت حتى غطّى على هدير البحر، وفي ساحة المرجة، صار الصمت أعلى من أي هتاف.. هناك مدينة تصرخ، وهنا مدينة تصمت، وبين الصراخ والصمت، كان شيءٌ ما يتكسر في الاثنين معًا.

 

 

ـ نشأت في بيروت مدنٌ داخل المدينة: بيروت التي تهتف، وبيروت التي تشك، وبيروت التي تنتظر.

ونشأت في دمشق أيضاً: دمشق التي تخاف، ودمشق التي لا تعرف كيف تسمّي ما يحدث ودمشق التي تتذكر. 

في كلا المدينتين، لم يعد الناس كما كانوا:
ـ في بيروت، فقدت الخفة براءتها.
ـ وفي دمشق، فقد الصمت حكمته.

ثم جاءت اللحظة التي لم تعد فيها الأسئلة مؤجّلة:

ـ حين تُدكّ بيروت، يشتعل السؤال في الشارع، وحين تُستنزف دمشق، يشتعل السؤال في الداخل.

في بيروت، يسأل البيروتي وهو بين الركام:

ـ كيف تحوّل الحلم إلى هذا القدر من الحطام؟


وفي دمشق، يسأل الدمشقي وهو بين جدرانه:

ـ متى صار الخوف أسلوب حياة؟

لكن السؤال الأعمق، الذي يتردّد بين المدينتين، ليس عن الماضي فقط، بل عن الطريق:

ـ من أين الطريق؟

أهو طريق الشعارات التي ترفع المدن ثم تتركها وحيدة؟
أم طريق الصمت الذي يحميها مؤقتاً ثم يتركها تتآكل من الداخل، لتأكل نفسها في القادم من الزمن، وهاهي اليوم تستمرئ المائدة؟

بين فلسطين كحلمٍ بعيد، وبين المدينتين كجسدين مثقلين، يقف الإنسان في بيروت ودمشق معاً، حائراً، لا هو قادر على العودة إلى ما كان، ولا هو مطمئن إلى ما سيكون.

 

 

ربما الطريق لا يبدأ من مدينة دون أخرى.. ربما يبدأ من الاعتراف بأن الخفة وحدها لا تكفي، وأن الصمت وحده لا ينقذ، وأن المدن، مهما اختلفت طباعها، تلتقي في لحظة انكسارها، كما تلتقي في لحظة بحثها:

ـ بحثها هناك.. هناك.. هناك، في تلك المسافة بين الصراخ والصمت، بين البحر والتاريخ، بين الحلم والخوف، بل وما بين ردائين أولهما بذلات "الحرس القومي" وقد انتزعت من الدمشقيات شقاوة المراهقة، وثانيهما صرخة "الميكروجيب" البيروتية، حيث البنات كما بحيرة البجع غير أنهن في شارع الحمرا عاريات ولسن على الخشبة المضاءة لمسرح البالشوي .

 

لم تكن "البيروتة" ولا "الدمشقة" مجرد صفتين، بل كانتا أسلوبين في العيش، طريقتين في النظر إلى العالم، وميزانين مختلفين لقياس الألم، في بيروت، كانت الحياة تُحتمل بخفةٍ ذكية، بنكتةٍ تُقال في اللحظة المناسبة، أو بفنجان قهوة في مقهى يطلّ على بحرٍ يعرف كيف يُخفي الأسرار، وفي دمشق، كانت الحياة تُحتمل بالصبر، ببطء الزمن، وبالقدرة العجيبة على تحويل الأيام العادية إلى طقوسٍ مشبعة بالمعنى.

 

ـ بيروت تكتب نفسها كل يوم.
ـ ودمشق تُعيد كتابة نفسها منذ ألف عام.

في بيروت، لم يكن "البيروتي" مجرد ساكن، بل قارئٌ للحياة، يعرف طريقه إلى " صخرة الروشة" كما يعرف طريقه إلى فكرة.. هناك، في مقاهي بيروت، لم تكن القهوة مشروباً، بل ذريعة للجدل، في مقهى "الهورس شو"، جلس سليم اللوزي يكتب غضبه، ومرّ غسان تويني وهو يحمل بيروت في جريدته كما يحمل الأب ابنه القلق، وعلى الطاولات نفسها، كانت تُناقش قصائد مجلة شعر، وتُفتح المعارك الأدبية كما لو أنها معارك مصير.

 

 

كانت بيروت تعرف كيف تحوّل الكلمة إلى حدث، والمقال إلى موقف، والمجلة إلى تيار.. لم تكن الثقافة فيها ترفاً، بل كانت أسلوب حياة.. أن تكون بيروتياً يعني أن يكون لك رأي، أو على الأقل أن تتقن الإصغاء لمن يملكون الآراء.

 

وفي دمشق، كانت المقاهي أقل صخباً، لكنها أكثر عمقاً، في مقهى الهافانا، جلس عبد الجبار كيالي منسي، لا ليُجمّل العالم، بل ليكشف قسوته، كانت كلماته تشبه المدينة: بسيطة، جارحة، وصادقة إلى حدّ الألم، وعلى مقربةٍ من ذاكرة المدينة، كان عبد السلام العجيلي يروي الحكاية كما لو أنه يحفظ توازناً دقيقاً بين الريف والمدينة، بين الطبيب والكاتب، بين الإنسان وظلّه.

 

وفي زوايا أخرى، كان زكريا تامر يكتب قصصه القصيرة كأنها صفعات صغيرة على وجه المدينة.

لم تكن دمشق تحتاج إلى صراخٍ كثير، لأن كتّابها كانوا يعرفون كيف يقولون القليل الذي يكشف الكثير.

دمشق لم تكن مدينة الجدل العالي، بل مدينة الجملة التي تبقى، وهل من جملة تبقّى كما بقيت صرخة حنا مينا:

ـ دقّ الأرض ابنة القحبة هذه.. دقّها.

 

 

ـ ثم تغيّر شيءٌ في المدينتين:

في بيروت، خرجت الكلمات من المقاهي إلى الشوارع.. لم تعد القصيدة تكفي، ولا المقال، ولا الجدل، صار الصوت أعلى، واليقين أسرع، والغضب أكثر حضوراً.. البيارتة الجدد لم ينتظروا نضج الفكرة، بل حملوها كما هي، وركضوا بها إلى الساحات.

 

وفي دمشق، لم تخرج الكلمات، بل تراجعت، صارت أقل، أثقل، أكثر حذراً، لم يعد الماغوط يضحك كما كان، ولا القصص تُقال كما كانت.. المدينة التي كانت تكتب نفسها بهدوء، بدأت تخاف من صوتها وتُصغي مرغمة إلى أصوات أفراد سرايا الدفاع وقد خلعوا عن البنات غطاء الرأس واستأثروا بمتاريس الجامعة وبوابات المدينة (وفي هذه المساحة اللعنة كنت أنا، فـ أنا لامن جيل الصوت المعنى، ولا جيل الصرخة الغاضبة).

 

ـ ما بين المدينتين:

ـ في الروشة، صار البحر شاهداً على صخبٍ لا ينتهي، وفي ساحة المرجة، صار الصمت أثقل من أي خطاب.. لم يتبق في ساحة المرجة من ذاكرة لـ شهداء ٦ أيار أيّة ذاكرة، فقد تحوّلت ذاكرة المرجة إلى ذاكرة الأوتيلات الرديئة وقد باتت  مزارات لرعاع الريف واثريائه وهم يعضون جلابيبهم بأسنانهم بحثاً عن شراء مضاجعة عابرة من امرأة عابرة سوّست الآلام أسنانها لتتعرى سوى من آثام الجسد:

ـ ترتديها كما لو مُحمّلة بإكليل الأشواك.

 

 

هناك مدينة تصرخ  وراء ياسر عرفات وأبو حسن سلامة وكان  الثاني قد استأثر بـ "جورجينا رزق" (ويا الله كم استغرقت من الوقت حتى خلقت جورجينا)، وهنا مدينة تصمت، لكن الاثنتين، في العمق، كانتا تتألمان بالطريقة نفسها:

ـ المقاهي التي كانت تصنع المعنى، صارت تراقب انكساره.
ـ الطاولات التي شهدت ولادة الأفكار، شهدت أيضاً ارتباكها.

ـ في بيروت، صار السؤال يُقال بصوتٍ عالٍ.
ـ وفي دمشق، صار السؤال يُفكّر به بصمت.

لكن السؤال واحد:

ـ من أين الطريق؟

الطريق يبدأ بالأسئلة، الأسئلة هي حصى الطريق، هي حوافر الخيل التي طالما شقت طرقات، دونها ما من طريق أبداً.

ـ إذن:

ـ ثانية ما الطريق؟

هل يبدأ من تلك الطاولات القديمة في مقهى الهورس شو، حيث كانت الأفكار تولد بلا خوف؟
أم من زوايا مقهى الهافانا، حيث كان الصمت يُنضج الكلمات؟

هل الطريق هو ما كتبه محمد الماغوط بسخريته الموجعة؟
أم ما دافع عنه غسان تويني بقلق الأب على مدينةٍ تتعب؟
أم هو ما حلمت به بيروت في صفحات مجلة شعر حين ظنّت أن القصيدة قادرة على إنقاذ العالم؟

 

 

ربما الطريق لا يعود إلى الوراء، لا إلى تلك المقاهي كما كانت، ولا إلى تلك الأسماء كما عرفناها، لكن شيئاً منها لا يزال حياً.

في بيروت، في ظلّ الضجيج، لا تزال هناك طاولة ينتظر عليها حوارٌ لم يكتمل، وفي دمشق، في عمق الصمت، لا تزال هناك جملة لم تُكتب بعد، وحتى اللحظة، وما بعد تحوّلات هائلة في كل منهما.. الجملة لم تُكتَب.

ـ بين هاتين اللحظتين، تقف المدينتان، كما لو أنهما توأمان، لم تكونا (سياميين) في يوم من تاريخهما.
واحدة تعلّمت أن الصوت قد يخذل، وأخرى تعلّمت أن الصمت قد لا ينقذ.

وبينهما، يقف الإنسان:
لا يسأل فقط عن فلسطين كطريقٍ بعيد، بل عن نفسه كطريقٍ أقرب.

 

 

من أين الطريق؟

ـ ربما يبدأ من استعادة ما فقدته المدينتان معاً:
أن تكون الكلمة مسؤولة، لا متسرّعة.
وأن يكون الصمت اختياراً، لا خوفاً.
وأن تعود المقاهي أماكن للبحث، لا فقط للذكرى.

 

هناك، فقط، قد تلتقي بيروت ودمشق من جديد.
ليس في الحلم، بل في الطريق.

ثانية، وثالثة وحتى انقطاع النَفَس أسأل:

 

ـ ومن أين الطريق؟

أهو طريق الشعارات التي تشتعل سريعاً وتخبو سريعاً؟
أم طريق الإنسان، البطيء، المرتبك، الذي يتعثر وهو يبحث عن معنى؟

ربما لا يبدأ الطريق من ساحةٍ مزدحمة، ولا من جدارٍ مغطى بالكتابات، ربما يبدأ من مكانٍ أكثر هشاشة:

ـ من الاعتراف بأن العالم أعقد من أن يُختصر، وأن الألم لا يُقاس بالشعارات، وأن المدن، مهما ادّعت النضج، تظلّ قابلة لأن تنزلق إلى وهم اليقين.

ـ هناك، فقط، يمكن أن يبدأ الطريق.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
الثلاثاء, 16 حزيران 2026
الأحد, 14 حزيران 2026
السبت, 13 حزيران 2026

إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard