info@suwar-magazine.org

من لوليتا إلى جان دارك.. ما الذي تبقّى من الإيقونة

من لوليتا إلى جان دارك.. ما الذي تبقّى من الإيقونة
Whatsapp
Facebook Share

 

 

ما الذي تبقّى منهن؟ وبوسعي أن أحدث تعديلاً على السؤال:

ـ ما الذي بقي منها؟

وأضيف إلى السؤال سؤالاً:

ـ من هي؟

إنها المرأة "الأيقونة"، ففي معناها الأعمق، هي ما يزيد عن صورة أو رمز، ربما تكون "لحظة" تُنتزع فيها المرأة من زمنها الحيّ لتثبّت في زمن واحد،  ليس زمن الكائن المتغيّر، المتناقض، القابل للخطأ، بل إلى شكل مكتمل يُرى من الخارج أكثر مما يُعاش من الداخل.

 

هي تلك الصيغة التي تحمل تناقضها في داخلها:

ـ تمنح صاحبها بقاءً يتجاوز الزمن، لكنها، في الوقت نفسه، تسلبه حقه في أن يتغير، أن يضعف، أن يكون إنساناً.

في العالم الكنسي ، تقف مريم العذراء في أعلى هذا المشهد، لا كأم فقط، بل كنقاء مطلق، كصورة لا تُمسّ، لا تخطئ، ولا تتبدل، إلى جانبها، تلمع سيرة مريم المجدلية، التي تأرجحت صورتها بين الخطيئة والتوبة، حتى أصبحت هي نفسها أيقونة لهذا التأرجح، ثم جان دارك، التي أُحرقت كجسد، وبُعثت كقديسة، كرمز يتجاوزها.

 

 

ابتسامة أبدية مُربِكة عالقة خارج الزمن، وفي الأدب تقف آنا كارنينا في خيالات "دافنشي"، الموناليزا، امرأة التي لم تعد فقط امرأة عاشقة، بل رمزاً للتوتر بين الرغبة والممكن، بين الحياة وما يُسمح لها أن تكونه.

 

وفي السينما، لا تختفي الأيقونة، بل تزداد وضوحاً .. مارلين مونرو،  صارت أكثر من جسد، أكثر من حياة، بل صورة تتكرر بلا نهاية، حتى كادت تمحو الإنسانة خلفها، وكان هذا حال صوفيا لورين، التي جُمّدت في صورة الجمال الطاغي، رغم كل ما تحمله من تعقيد يتجاوز ذلك.

 

أما في السياسة، فالأيقونات تُصنع غالباً من الألم أو من القوة..  إنديرا غاندي، لم تعد فقط زعيمة، بل صورة للسلطة الأنثوية بكل ما فيها من هيبة وتناقض، وبنيزير بوتو، التي تحولت إلى رمز، ربما بقدر ما كانت إنسانة تعيش داخل هذا الرمز، وهناك أيضاً روزا لوكسمبورغ، التي بقيت كفكرة، كثورة، أكثر مما بقيت كجسد عاش وتعب وخاف.

هذه الأسماء، على تباعدها، تبدو كأنها تنتمي إلى حكاية واحدة تتكرر بصيغ مختلفة:

ـ امرأة تُرى، ثم تُرفع، ثم تُختزل.

امرأة تُنزع من يومها العادي، من تناقضها، من ضعفها، لتُعاد صياغتها كصورة قابلة للتأمل، للتقديس، أو حتى للاستهلاك.

لكن، ماذا يبقى منهن داخل هذه الصور؟ وهل هذه الأيقونات امتداد لهن، أم أنها انفصال عنهن؟ وهل يمكن أن نحب امرأة دون أن نبدأ، ولو خفية، في تحويلها إلى صورة؟

ربما لا تأتي الإجابة مباشرة.. ربما تأتي عبر الحكايات التي تتسلل من خلف هذه الأسماء، من الشقوق الصغيرة في هذه الصور المصقولة، وهناك، تحديداً، يمكن أن تبدأ الحكاية.

 

 

وهنا سيولد السؤال:

ـ ما حال المرأة التي تتحول إلى إيقونة، ما الذي تنتزعه الايقونة من الأنوثة وما الذي تبقيه؟

حين تتحول امرأة إلى إيقونة بما يعني أن تُسحب امرأة من جسدها اليومي، من عثراتها الصغيرة، من ضجرها، من هفواتها، وتُعلّق في فضاء أعلى، نقيّ، متخيّل، منزوع التفاصيل، هناك، في ذلك العلوّ، تبدو أجمل، أكثر اكتمالاً، وأكثر طهراً مما تحتمله الحياة، لكن أليس هذا الارتفاع ذاته هو شكل من أشكال الإلغاء؟

 

 

الإيقونة هنا ليست امرأة، بل مشروع خلاص.. مشروع اكتمال، والكمال، اقلّه وفق رؤية السينمائي الفذ جان لوك غودار، هو الموت، ولهذا لم يخل فيلم من أفلامه من أخطاء المونتاج (كي لايكتمل الفيلم ومن ثم يموت).

 

ـ ولكن هل ثمة في الايقونة ماهو أكثر من ذلك؟

لِمَ لا،  فقد تكون صناعة الايقونة، ما هي إلاّ إضفاء صفات لا تخص صاحبتها، تمنحها ثباتاً لا تملكه، وتطلب منها أن تكون جواباً دائماً لسؤال لا ينتهي داخله.. في هذه اللحظة، لا يعود ينظر إليها ككائن يتغير، بل كصورة ينبغي أن تبقى.

 

ـ هل سيكون هذا إماتة للمرأة.. المرأة المحسوسة، الملموسة، العارية، تلك التي  لاتخلو من ندبة على الكتف، أو من تعب ينالها من ممارسة الصبر.

هكذا تبدأ المأساة الصامتة:

كلما اقتربت المرأة الايقونة من إنسانيتها، فلابد أن تبتعد عن صورتها.. كل تفصيل عادي فيها يصبح تهديداً للصورة، ليس لأنه خطأ، بل لأنه يكسّر الصورة، فالإيقونة لا تتعب، لا تخطئ، لا تتناقض ولا يُقتطع من زمنها زمن آلام "الطمث".

 

اقرأ أيضاً:  

 

                        مرحباً بنا في عالم "دونالد ترامب"

                       أنا "الشرشوح" ياولاد الشــر... شوحة

 

 

ـ ماذا لو قلنا أن "الايقونة" هي صناعة "رجل"؟

ـ ألم يكن هذا حال "لوليتا"؟

في الطريق الطويل بين مدينة وأخرى، كان همبرت همبرت يقود سيارته، وإلى جانبه تجلس لوليتا، أو بالأحرى، تجلس الفتاة التي يسميها هكذا.. الطريق يمتد، والفنادق تتشابه، والوجوه تمرّ كأنها بلا ملامح، لكنه لا يرى كل ذلك.. يرى فقط الصورة التي صنعها، يلمّعها، يعيد ترتيبها، يحرسها من أي خدش قد تسببه الحياة.

هي هناك، بجسدها، بمللها، برغبتها أحياناً في الهرب أو في النوم أو في أن تكون أي شيء آخر غير ما هو يراه، لكنه لا ينتبه، أو ربما ينتبه، ثم يغضّ النظر، لأن ما يراه غير ماهي عليه.

 

في هذا المشهد، الذي يتكرر بأشكال مختلفة في لوليتا لـ فلاديمير نابوكوف، لا يحدث شيء صاخب.. لا صراخ، لا مواجهة واضحة.. فقط انزلاق بطيء:

ـ فتاة تتحول إلى إيقونة، ورجل يتحول إلى حارس لهذه الإيقونة، وسجين لها في الوقت نفسه.

متى بدأت "لوليتا" تختفي لتحلّ محلها "لوليتا" الأخرى؟ هل كان ذلك منذ اللحظة الأولى حين أُطلق الاسم؟ أم حين قرر هو، دون أن يقول، أن ما يراه فيها هو الحقيقة الوحيدة الممكنة؟ وهل كانت تملك فرصة لتبقى "دولوريس" أصلاً، أم أن الإيقونة سبقت حضورها، وانتظرتها لتسكنها؟

 

 

حين تتحول امرأة إلى إيقونة، لا يحدث ذلك فقط لأنها جميلة أو مدهشة أو مختلفة، يحدث لأن هناك عيناً تريدها كذلك، تلك العين التي لايخلو أي منا من الانسياق وراءها، عين لا تكتفي بالرؤية، بل تعيد الخلق، وهنا، تصبح المرأة مادةً للخيال أكثر منها كائناً قائماً بذاته.. تُسحب من زمنها، من تغيرها، من تناقضها، وتُثبت في لحظة واحدة:

ـ لحظة الانبهار الأولى.

كل ما يأتي بعدها يصبح إما تأكيداً لهذه اللحظة أو تهديداً لها، وإلاّ ما الذي جعل من عنترة ابن شدّاد عنترة؟

ـ من قال أن "عبلة" لم تصب بالزكام وباضطرابات الدورة الشهرية؟

 

 

في حالة همبرت همبرت، ولوليتا، يبدو الأمر فاضحاً، يكاد يكون قاسياً إلى درجة لا تحتمل التأويل، لكنه، ربما، ليس غريباً بالكامل عن أشكال أكثر نعومة نعيشها ونراها.. كم من رجل أحبّ امرأة لأنه رأى فيها ما يحتاج أن يراه؟ كم من امرأة وجدت نفسها مطالبة، دون تصريح، أن تبقى كما كانت في أول نظرة، في أول دهشة، في أول جملة قيلت عنها؟

 

السؤال لا يأتي مباشراً، بل يتسلل من بين التفاصيل:

ـ هل نحن قادرون فعلاً على رؤية الآخر كما هو؟ أم أننا، في لحظة ما، نعيد كتابته على مقاس رغباتنا؟ وهل الإيقونة شكل من أشكال الحب، أم أنها، على العكس، دليل على عجز الحب عن احتمال الواقع؟

 

 

في لوليتا، لا نكاد نسمع صوت لوليتا كما هو، صوتها موجود، لكنه مكسور، متقطع، يأتي من خلف طبقات كثيفة من السرد، من اللغة، من التبرير، من الجمال ذاته.. كأن الإيقونة لا تكتفي بأن تُرى، بل تمنع الرؤية، تحجب الأصل لصالح الصورة.

وهنا، ربما، يتسع السؤال:

ـ ما الذي تنتزعه الإيقونة من الأنوثة؟

ليس الجمال، بل العكس، هي تُكثّفه، تُبرزه، لكنها في الوقت نفسه تجرّده من حركته، فالأنوثة، حين تُعاش، ستكون كما الحياة، متقلبة، مترددة، حارة وباردة، حاضرة وغائبة، لكن حين تُحوّل إلى إيقونة، تصبح صافية أكثر مما ينبغي، متماسكة أكثر مما ينبغي، وكأنها لا تعود قابلة للتغيّر، تُصبح صورة يمكن تأملها، لا حياة يمكن مشاركتها، وبهذا تصل إلى "الكمال" الذي طالما كان"الصيغة النهائية"، تماماً كما الجثة التي لا تغيّر رأيها ولا تخضع لتقلبات النزوة ودوافع الحياة وتشققات الزمن.

 

 

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن في الإيقونة شيئاً مغرياً، ليس فقط للرجل الذي يصنعها، بل أحياناً للمرأة التي تُرى من خلالها.. أن تكون مركزاً للانتباه، موضوعاً للرغبة، فكرةً مكتملة في عين أحد، كل هذا يحمل إغراءً لا يمكن تبسيطه، لكن هذا الإغراء نفسه يحمل بذرة القلق:

ـ ماذا يحدث حين تتعب الايقونة؟ حين لا تريد أن تكون هذه الصورة؟ حين ترغب، ببساطة، أن تكون عادية؟

هل يمكنها أن تنسحب من الإيقونة دون أن تفقد مكانها في عين من أحبها؟ أم أن الحب نفسه كان مشروطاً بهذه الصورة منذ البداية؟

 

 

ربما هنا تتقاطع لوليتا مع حكايات أخرى أقل تطرفاً، لكنها أكثر شيوعاً، هناك دائماً تلك اللحظة التي يكتشف فيها أحد الطرفين أن ما يُحب ليس هو، بل ما يُتخيل عنه.. لحظة صغيرة، قد لا تُقال بصوت عالٍ، لكنها تغيّر كل شيء، من بعدها، إما أن تبدأ محاولة شاقة لإعادة التعارف (رؤية الآخر كما هو، لا كما كان يُرى) أو يبدأ التباعد بصمت، لأن الصورة لم تعد قابلة للحياة.

لكن هل يمكن فعلاً العودة من الإيقونة إلى الإنسان؟ هل يستطيع همبرت همبرت، في لحظة صفاء ما، أن يرى لوليتا كفتاة عادية، لا كفكرة؟

ـ الرواية لا تمنحنا إجابة مريحة، وربما الحياة أيضاً لا تفعل.

لو فعل همبرت همبرت ذلك، ما الذي كان يمكن أن يحدث؟ بل ما الذي كان يمكن أن يبقى؟

يبقى شيء معلّق، غير محسوم، كأن الإيقونة، حتى حين تتشقق، تترك أثرها، وكأننا في الحب، لا نختار تماماً بين أن نرى أو أن نتخيل.. نفعل الاثنين، بدرجات مختلفة، وفي هذا التوتر تحديداً تتشكل العلاقات، أما انهيار الايقونة ما بعد أن تبتلع صاحبها، فسيكون السؤال الأكثر قسوة ولو بصمت:

 

ـ من هذا الذي أمامي؟ ومن هذا الذي أراه؟

 

وبين السؤالين، تبقى المسافة مفتوحة، قلقة، وغير مضمونة.. ربما هي المسافة الوحيدة التي يمكن أن يعيش فيها حب لا يتحول بالكامل إلى إيقونة، ولا يسقط بالكامل في عاديته.

 

 

يحدث ذلك لا لأن المرأة تخون صورتها، بل لأن الحياة تخون الثبات، فيما الموت وحده سيكون حاضنة ذاك الثبات.. حدث هذا لـ لوليتا نابكوف، حدث بلا عنف صاخب بقدر ماحدث باختفاء ناعم، لكن، وفي مكان آخر من العالم، بُنيت قصة مختلفة، تبدو لأول وهلة على النقيض، لكنها ربما تنتمي إلى البنية ذاتها.. هناك، في تاج محل، لا نجد امرأة تتحول إلى إيقونة داخل عين رجل فقط، بل إلى معمار كامل، إلى حجر، إلى بياض يُرى من بعيد كأنه وعد بالخلود.

 

ـ الحكاية معروفة، وتحمل اسم "تاج محل"، لكنها حين تُروى ببطء، تبدو أقل بساطة.

 ممتاز محل، المرأة التي أحبها الإمبراطور شاه جهان، ماتت، موت عادي، إنساني، كما تموت النساء في الحكايات الواقعية، لكن ما لم يكن عادياً هو ما حدث بعدها.. لم تُترك لتغيب، بل أُعيد خلقها في بناء، في ضريح، في تحفة معمارية صارت، مع الوقت، أشهر منها.

 

هنا، تأخذ الأيقنة شكلاً آخر، ليست صورة في خيال رجل فقط، بل صرحاً يراه العالم كله، لكن السؤال نفسه يتسلل:

ـ أين ذهبت ممتاز محل؟ هل بقيت داخل هذا البياض؟ أم أنها اختفت تحته؟

يأتي الناس من كل مكان ليروا تاج محل، يقفون أمامه، يلتقطون الصور، يتحدثون عن الحب، عن العظمة، عن الوفاء، لكن كم منهم يتخيل المرأة نفسها؟ صوتها، تعبها، حياتها اليومية، ربما ضجرها، ربما خوفها؟ كأن البناء، في كماله، ابتلعها، لم يعد القبر مكاناً لها، بل أصبحت هي ذريعة لوجوده.

وهنا، ربما، تبلغ الأيقنة ذروتها القاسية:

حين يتحول الإنسان إلى مناسبة لشيء أكبر منه، إلى قصة تُروى من خلاله لا عنه، يُخلّد حباً، وربما دون أن ينتبه أنه يخلّد صورة، وأن هذه الصورة ستعيش أكثر مما عاشت المرأة نفسها، بل ستكاد تمحوها.

 

ـ لكن، هل هذا محو؟ أم شكل آخر من البقاء؟

مرة أخرى، يصبح السؤال مرتبكاً، لأن ممتاز محل، التي ربما كانت ستُنسى كأي شخصية تاريخية أخرى، بقيت، بطريقة ما، عبر هذا الضريح، لكنها بقيت كيف؟ كاسم مرتبط بمكان، كحكاية مختصرة إلى جملة:

ـ "بُني لأجلها".

 

هل هذا إنصاف؟ أم اختزال نهائي؟

ليس هذا ولا ذاك، وربما ليس لدي من عتاد معرفي للإجابة بما يكفي عن هذا السؤال، غير أن الرواية، السينما، الخيال الشعبي، لم يتوقف يوماً عن صناعة الايقونة، كما ذهبت نتاجات إبداعية أخرى إلى تكسيرها، حدث هذا في "آلام جان دارك"  وقد أخرجه كارل ثيودور دراير، وقد أُنتج عام 1928 ليكون من أمهات السينما، وفيه لم تعد جان دارك كأيقونة مكتملة، بل كوجه مكشوف إلى حدّ القسوة، الكاميرا لا ترفعها، بل تقترب منها، تجرّدها من الهالة، من التاريخ، من كل ما سيُضاف إليها لاحقاً، نراها خائفة، مرتبكة، تبكي، تتردد.. ليست قديسة بعد، بل إنسانة على حافة الانكسار.

 

 

ـ وهنا تحديداً يحدث التشويش:

ـ هل ما نراه هو سقوط الأيقونة أم ولادتها الحقيقية؟ لأن هذا الضعف، هذا الارتجاف، هو ما سيُعاد لاحقاً صياغته كقوة، كإيمان لا يتزعزع، كأن السينما، في لحظة نادرة، تسبق التاريخ، وتعيدنا إلى ما قبل الصورة، إلى اللحظة التي لم تكن فيها جان دارك سوى جسد يواجه الخوف.

 

لكن هذه اللحظة لا تبقى، سرعان ما تُستعاد، تُعاد كتابتها، تُرفع، ليتحول الارتباك إلى يقين، والدموع إلى علامة قداسة، وكأن الأيقونة لا تحتمل هذا القدر من الإنسانية، فتعمل على امتصاصه، تلميعه، وإعادته في شكل يمكن احتماله.

 

يبقى في الفيلم أثر مقاومة خافتة:

ـ وجه لا يريد أن يُختصر، وربما هنا تكمن كثافته، في أنه لا يهدم الأيقونة، ولا يثبتها، بل يتركها معلّقة بين صورتين:

ـ امرأة تُحاكم، وأسطورة تتشكل.

 

 

في مكان ما بين لوليتا التي اختُطفت داخل خيال رجل، وجان دارك التي تحولت إلى قديسة رغم ارتباكها الإنساني، وممتاز محل التي دُفنت تحت جمالٍ يفوقها، تتكرر الحكاية بصيغ مختلفة:

ـ المرأة تُرى، ثم تُعاد صياغتها، ثم تُرفع، ثم تُفقد.

لكن الفقد هنا ليس واحداً، في حالة لوليتا، الفقد داخلي، يحدث داخل لغة، داخل سرد.

في حالة جان دارك، الفقد يُعاد تدويره ليصبح قداسة.

أما في حالة ممتاز محل، فالفقد مادي تقريباً.. جسد في قبر، وقصة فوقه تكبر حتى تغطيه.

 

 

فما الذي يبقى من المرأة حين تتحول إلى أيقونة؟ وما الذي يُنتزع منها؟

ربما يُنتزع الزمن، الإيقونة لا تشيخ، لا تتغير، لا تتعب، وربما يُنتزع الصوت، أو يُعاد تشكيله، لكن في المقابل، تُمنح شيئاً آخر:

ـ بقاءً لا يتناسب مع الحياة العادية.. بقاءً قد لا يكون لها، بل للصورة التي صُنعت منها.

 

 

وهنا، يعود القلق، لأننا لا نعرف إن كان هذا البقاء نعمة أم نوعاً آخر من الفقد.

ـ هل كانت ممتاز محل ستختار أن تُختصر في تاج محل؟ هل كانت لوليتا ستقبل أن تُعاد تسميتها لتصبح ما هي عليه في عين همبرت همبرت؟ هل كانت جان دارك سترى في قداستها خلاصاً أم تشويهاً؟

ـ لا أحد يجيب.

وانا لن أتطوّع إلى الإجابة كي لا أُميت السؤال.

 

 

تبقى الحكايات مفتوحة، متداخلة، كأنها تقول إن الأيقونة ليست حالة واحدة، بل مصير محتمل، يتكرر بأشكال مختلفة، رجل يحب فيصنع صورة.. جماعة تؤمن فتصنع قديسة. إمبراطور يحزن فيبني ضريحاً.

وفي كل مرة، هناك امرأة، في مكان ما داخل هذه الصورة، تحاول، أو لا تحاول، أن تبقى أكثر من ذلك، وربما، في النهاية، لا يكون السؤال:

 

ـ هل تتحول المرأة إلى إيقونة؟

بل:

ـ ماذا يحدث لها بعد ذلك؟ وهل يمكن، من تحت كل هذا الجمال، أن نسمع، ولو خافتاً، صوتها؟

قد يجيبنا انتحار مارلين مونرو، كأنها في انتحارها قد حاولت أن تسبق صورتها بخطوة أخيرة؛ صورةٌ صنعتها ورفعتها، ثم عاشت تلاحقها حتى لم يعد واضحاً:

ـ هل كانت تحيا بها، أم تختنق داخلها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard