مرحباً بنا في عالم "دونالد ترامب"

مرحباً بي وبكم في عالم "دونالد ترامب"، عالم "كل ما ليس متوقعاً"، عالم:
ـ الجوكر.
نعم الـ "جوكر"، ليس بوصفه شخصية سينمائية، من فيلم يجعل اللامتوقع هو القاعدة، فكلاهما لا يفعل الشيء غير المتوقع لمجرد المفاجأة، بل ليُثبت أن النظام نفسه هش، وأن ما نسميه "منطقاً" ليس سوى اتفاق مؤقت.
الجوكر لا يكذب بالطريقة التقليدية، بل يغيّر قواعد اللعبة بحيث يصبح الكذب نوعاً من الحقيقة البديلة، وهذا يلتقي بشكل لافت مع فكرة أن العالم يمكن إعادة تعريفه عبر تكرار الادعاء، لا عبر مطابقته للواقع.
عالم دونالد ترامب لا يُفاجئ لأنه "غير متوقع" فحسب، بل لأنه يصرّ على أن يجعل "اللامتوقع" هو القاعدة، وهنا، يلتقي دون أن يدري مع "الجوكر"، لا في النوايا، بل في النتيجة:
ـ كلاهما يحوّل الفوضى إلى عرض، والارتباك إلى أداة، ويجعل الآخرين يعيشون في حالة ترقب دائم، كأنهم ينتظرون نكتة لا يعرفون إن كانت ستنتهي بالضحك أم بالكارثة، ولا نعلم إن كان هذا الرجل يكتب السيناريو سراً ثم يؤديه، أم يصعد المسرح دون نص ويجبر العالم على الارتجال معه.
ـ ربما يشترك بذلك مع كاليغولا، الإمبراطور الذي جعل من "اللا متوقع" سياسة حكم، والذي " لم يكن الجنون عنده عرضاً جانبياً، بل أسلوب إدارة"، فيما الناس لم يكونوا يخافون مما سيفعله، بل من أنهم لا يستطيعون التنبؤ بما سيفعل، وربما يصح أن نقول بأنه (وأعني دونالد ترامب):
ـ يشبه مسرحاً كتب نصه الجوكر، وأخرجه كاليغولا.
كلاهما يخلق حالة من الارتباك المستمر، حيث لا يعود السؤال "ما الصحيح؟" بل:
ـ ماذا سيحدث بعد ذلك؟
سيكون السؤال أشدّ إرباكاً، حين نأخذ علماً بأن "دونالد ترامب" هو "كل ما ليس متوقعاً"، حيث لا شيء ثابت سوى التقلب، ولا شيء حقيقي تماماً سوى الإحساس الفجّ بالقوة.. عالمٌ يُدار كما لو أنه برنامج تلفزيوني طويل، حلقة تبتلع حلقة، ومشاهدون يتناوبون على الأدوار بين ضحايا ومصفقين، بينما يقف الرجل في الوسط، لا بوصفه رئيساً فحسب، بل بوصفه مخرجاً لنفسه، وممثلاً أول، وجمهوراً أيضاً، وهاهو اليوم يعلن استبدال تسمية مضيق هرمز بـ "مضيق ترامب"، كما لو أن بوسع المضائق أن تتحول إلى "فنادق" ليضاف المضيق إلى سلسلة فنادقه، "فنادق دونالد ترامب"، مع إضافة ملح الخليج إلى جلسات الشاي المسائية لزبائن الفندق.
اقرأ أيضاً:
هل نحتاج إلى كذبة الجاهلية لنُثبت فضيلة الإسلام؟ همساً للـ د. محمد حبش
في عالم دونالد ترامب، لا تُقاس الحقيقة بمدى تطابقها مع الواقع، بل بقدرتها على البقاء في التداول.. الكذبة ليست عيباً، بل أداة، ليست انحرافاً، بل أسلوب حياة.. الكذبة هنا ليست مجرد وسيلة دفاع، بل هي هجوم استباقي، تشبه إلى حد بعيد إطلاق دخان كثيف في ساحة معركة، لا لإخفاء الموقع فحسب، بل لإرباك العدو حتى يفقد الرؤية بالاتجاه.
لا يكذب ليخفي الحقيقة، بل ليخلق حقائق بديلة، وكلما تكررت الكذبة، أصبحت أقل إثارة للدهشة وأكثر قابلية لأن نصدّقها (تلك حقيقة سبقه إليها الألماني غوبلز) ، دون نسيان أننا كائنات تبحث عن طريق لتصديق الكذبة.. عن وسيلة للموافقة عليها بهزّ الرأس بحثاً عن استرسال في اليقين، دون المرور بجسر الشك، ولابد أن "دونالد ترامب" يعرف هذه الميزة فينا، وكلنا على يقين بأن:
ـ العالم قابل للفهم، وأن العقل قادر بشكل أو بآخر على الإمساك به.
نعم، هو الحال كذلك، فنحن فلاسفة اليقين الذين يشبهون مهندساً يبني بيتاً، دون أن نشك للحظة أن الأرض تتحرك تحت هذا البيت، وهنا تكمن الخطورة، وهي الخطورة التي أدركها "دونالد ترامب"، وبنى "سيرك" عالمنا عليها فكنا:
ـ الفلاسفة القردة التي لابد وتتعلم كيفية تقشير الموزة، وتكتفي بأكل قشرتها.
ومن بعدها نتساءل:
ـ ما الدافع الذي يحرّك امبراطور عالمنا وأعني "دونالد ترامب"؟
قد يبدو الدافع الذي يحرك هذه الشخصية مركّباً، لكنه في جوهره بدائي على نحو يكاد يكون طفولياً، فثمة من يراه:
ـ الحاجة إلى الهيمنة.
هيمنة لا تكتفي بالسياسة، بل تمتد إلى الصورة، إلى الجسد، إلى الرغبة ذاتها، ووفق رؤية كهذه، يصبح الدافع الجنسي جزءاً من منظومة القوة، لا بوصفه شهوة عابرة، بل كآلية إثبات للسيطرة.. المرأة، في هذا السياق، ليست شريكاً بل مادة خام، صلصال منحوتته، تعكس للرجل صورته التي يريد أن يراها:
ـ منتصراً، مرغوباً، فوق النقد.
وكأن الجسد نفسه يدخل في صفقة، مثل برج أو فندق، قطعة أخرى في إمبراطورية رمزية تتغذى على الاستحواذ.
تحرشه بمذيعة تلفزيونية وعلى الهواء مباشرة، لايعدو أن يكون جزءاً من:
ـ فوق النقد.
وعندما نقترب من علاقاته المثيرة للجدل، ومنها صلته بـ "جيفري ابستين"، لا يبدو حادثة عرضية، بل جزءاً من مناخ كامل، من شبكة علاقات حيث المال والسلطة والرغبة تتداخل على نحو مريب.. هنا لا يعود السؤال:
ـ ماذا حدث فعلاً؟
بل:
ـ كيف يمكن لعالم كهذا أن يستمر في إنتاج نفسه دون أن ينهار تحت ثقل تناقضاته، ومع ذلك، لا ينهار، بل يتضخم كفقاعة تعرف أنها ستنفجر، لكنها تستمتع بتمددها.
ـ التناقض هو الوقود الحقيقي لهذه الشخصية.. في الصباح يمكن أن يقول شيئاً، وفي المساء ينقضه دون أدنى شعور بالحرج، لكنه لا يرى في ذلك ضعفاً، بل مرونة.. العالم بالنسبة له ليس منظومة قيم، بل ساحة صفقات.
ـالموقف ليس مبدأ، بل عرض قابل للتعديل.
حتى العداء نفسه يمكن أن يتحول إلى صداقة إذا اقتضت المصلحة، والعكس صحيح.. هذا ليس انعداماً للبوصلة، بل بوصلة تشير دائماً نحو الذات.
وإذا أردنا أن نقارن هذا النموذج برؤساء أمريكيين آخرين، فإن الفارق يبدو صارخاً.. هناك من حكموا وهم يحملون عبء الدولة، كما لو أنهم موظفون لدى التاريخ، يحاولون أن يتركوا أثراً متماسكاً، أو على الأقل مفهوماً، أما هنا، فالرئاسة تبدو وكأنها امتداد لعلامة تجارية.
ـ القرار السياسي يتحول إلى إعلان، والخطاب إلى عرض حي، والبيت الأبيض إلى منصة.
عند هاري ترومان كان القرار ثقيلاً كالقنبلة التي ألقاها على اليابان، وعند جون كينيدي كان الخطاب محاولة لرفع العالم إلى مستوى الحلم، أما هنا فالعالم يُخفض إلى مستوى الصفقة.
في عالم آخر، كان الرئيس يقف خلف المؤسسة، أما هنا فالمؤسسة تقف خلف الرجل، أو تحاول أن تلاحقه، حتى فكرة الدولة العميقة، التي لطالما كانت هاجساً في السياسة الأمريكية، تتحول في هذا السياق إلى خصم شخصي، كأنها شخصية أخرى في العرض، تتلقى الضربات وتردّ عليها، وسخريته التي لا تنقطع من سابقيه "باراك أوباما"، كما من "جو بايدن" ليست سوى حجر الأساس في تكسير أسس "الدولة العميقة"، هذا عداك عن تشكيكه بأنوثة "هيلاري"، التي لم يجرؤ سواه على التشكيك بها، وقد تساقطت انوثتها في لعبة الرئاسة التي فاز بها.
لكن هذا النموذج، رغم صخبه، ليس وحيداً في العالم، بل يبدو أحياناً وكأنه نسخة صاخبة من نمط أكثر هدوءاً وخطورة.
ـ نمط الرجل الذي يرى نفسه مركز الكون، لكنه يختار مسرحاً مختلفاً لعرض نفسه.
ـ ماذا لو قارناه بـ "علي خامنئي"؟
عند علي خامنئي، تتخذ الهيمنة شكلاً صامتاً، يكاد يكون ميتافيزيقياً.. لا حاجة إلى الضجيج، لأن السلطة هنا تستند إلى بنية عقائدية تمنحها ما يشبه التفويض الإلهي.. لا تُقاس القوة عنده بعدد الأصوات المرتفعة، بل بمدى تغلغل الصمت في نفوس الآخرين.. بلغة أكثر دقّة:
ـ في فريضة الصمت اتي فرضها على بلاد فارس.
ليكون:
ـ نموذج الهيمنة الذي لا يصرخ، لأنه يفترض أن الجميع يسمعه.
أما روح الله الخميني، فقد كان تجسيداً أكثر وضوحاً لهذه الفكرة.. رجل لم يحتج إلى تسويق نفسه، لأنه قدّم ذاته كحقيقة مكتملة، فهو رسالة بريدية مرسلة من "الله".. الله شخصياً، مصحوبة بتحذير إلهي:
ـ ممنوع فتح الرسالة.
عند جمهور الخميني، لم يكن العرض ضرورياً بالنسبة لجمهور ينتحب على التاريخ، لأن الإيمان كان كافياً.
ـ هنا، (في مسرح الخميني) لا تكون الهيمنة صفقة، بل قدرٌ يُلقى على العالم كما تُلقى لعنة قديمة.
سيظهر معنا في الصورة "معمر القذافي"، كأنما ليعيد خلط كل الأوراق.
شخصية تقف في منتصف المسافة بين العرض والعقيدة، بين الجنون والنظام، بين الخيمة والعرش.
القذافي، مثل ترامب، كان عرضاً دائماً، لكن عرضه كان أقرب إلى حلم محموم، أو كابوس طويل لا يعرف متى يستيقظ.. كلاهما أحب المسرح، لكن أحدهما وقف على خشبة مضاءة جيداً، والآخر كان يكتب نصه في الظلام ويؤديه في العراء.
ـ ستتكثف المفارقة:
ترامب يصرخ ليُثبت وجوده.
خامنئي يصمت ليُثبّت سلطته.
الخميني يتكلم كأنه لا يُناقش.
والقذافي يهذي كأنه يخلق واقعاً جديداً من فوضاه.
لكن تحت كل هذه الاختلافات، ثمة خيط واحد خفي:
ـ الإيمان بأن العالم مادة خام، قابلة لإعادة التشكيل وفق إرادة فرد، والاختلاف ليس في الرغبة، بل في اللغة.
عند ترامب هي لغة السوق، عند خامنئي لغة العقيدة، عند الخميني لغة الثورة، وعند القذافي لغة العبث.
ـ ماذا لو ذهبنا إلى ماهو أبعد في التاريخ؟
قد يبدو من المغري أن نقارن هذه لشخصية بـ :
ـ جنكيز خان.
هناك ذلك الشعور الجامح بالقدرة على إعادة تشكيل العالم وفق إرادة فرد واحد، والفرق أن جنكيز خان كان يتحرك في عالم مادي، بالسيف والحصان، بينما يتحرك ترامب في عالم رمزي، بالشاشة والتغريدة.. الأول كان يفتح المدن، والثاني يفتح عناوين الأخبار، ومع ذلك، كلاهما يشترك في شيء عميق:
ـ الإيمان بأن العالم مادة قابلة لإعادة التشكيل.
لكن الخطر هنا أكثر تعقيداً، لأن هذا العالم ليس بعيداً، بل نحن داخله.. نحن لسنا مجرد متفرجين، بل جزء من الجمهور الذي يحدد نجاح العرض.. كل مشاركة، كل تعليق، كل غضب، هو وقود إضافي، وكأننا أمام آلة لا تعمل إلا بانتباهنا.
ـ بعد هذا يأتي السؤال:
ـ ما مصير عالم تُدار فيه القوة بهذا الشكل؟
ربما لا ينهار فجأة، بل يتآكل ببطء.. الحقيقة تصبح نسبية، الثقة تتآكل، والمؤسسات تتحول إلى ديكور، وفي النهاية، قد لا يكون السؤال من يحكم، بل:
ـ هل ما زال هناك شيء يُحكم أصلاً؟
كأن هؤلاء جميعاً، ترامب، وخامنئي، والخميني، والقذافي، وحتى ظلال جنكيز خان، يجلسون حول مائدة واحدة، لا ليتفاوضوا، بل ليتقاسموا وهماً مشتركاً:
ـ أن الكوكب صغير جداً على تعدد نسخ "الأنا المطلقة"، ومع ذلك، يواصل الدوران… لا لأنه يحتملهم، بل لأنه لم يجد بعد طريقة للتخلص منهم.
مرحباً بي وبكم مرة أخرى، في هذا العالم.
ـ عالم لا يحتاج إلى منطق كي يستمر، بل إلى جمهور يبني بيته دون احتساب للفالق الزلزالي الي يُبنى عليه، ولا يعلم متى ينهار فوقه.