هل نحتاج إلى كذبة الجاهلية لنُثبت فضيلة الإسلام؟ همساً للـ د. محمد حبش

كتب د. محمد حبش، الذي حملت له تقديراً واحتراماً متصلاً، منشوراً على الفيس بوك هذا نصه: " وفي الفقه الإسلامي، لو احتمى ألف عدو بطفل بريء لعصمت دماؤهم حتى نضمن سلامة الطفل.. وفي الفقه الجاهلي، لو تترس عدو واحد بألف طفل لقتلناهم جميعاً حتى نشفي صدورنا ونقتل العدو".
منشور د. حبش، جعلني أتساءل:
ـ هل من النزاهة الفكرية أن يُبنى التفوق الأخلاقي لزمن ما، على تشويه ما سبقه من آزمنة، أو أن تُختزل حقبة تاريخية كاملة، بما فيها من شعرٍ ووجدان وتجارب إنسانية، في صورة "جاهلية" تُستدعى فقط لتكون نقيضاً باهتاً لما تلاها؟
ما أورده الدكتور محمد حبش يندرج في هذا السياق الذي يُبسّط التاريخ إلى ثنائية أخلاقية مريحة:
ـ نورٌ مطلق يقابله ظلامٌ مطلق.
غير أن التاريخ، في حقيقته، لا يُكتب بهذه الطريقة، بل هو نسيج معقد من التناقضات، يتجاور فيه السمو والانحطاط في كل مرحلة، بما فيها المرحلة الإسلامية نفسها، فإذا كان الفقه الإسلامي قد بلغ، في بعض صوره، درجة رفيعة من حماية الإنسان (كما في المثال الذي أورده) فإن التاريخ الإسلامي، بوصفه تجربة بشرية ممتدة، شهد أيضاً لحظات لا يمكن وصفها إلا بأنها انكسارات أخلاقية عميقة:
ـ حروب داخلية دموية، كـ"الفتنة الكبرى"، حيث اقتتل الصحابة أنفسهم، وسالت دماء في معارك كالجمل وصفين.
ـ ممارسات قاسية في بعض العصور الأموية والعباسية، حيث سُحقت معارضات سياسية بأدوات العنف، وقُمعت حركات فكرية باسم الدين أو السلطة؛ بل إن مدناً بأكملها دُمّرت في صراعات داخلية، كما حدث في حصار بغداد أو واقعة الحرة في المدينة المنورة.
ـ هل يعني ذلك أن الإسلام كدين مسؤول عن هذه الوقائع؟
بالطبع لا. لكنها تذكير ضروري بأن التجربة التاريخية للمسلمين (كغيرهم من الأمم) ليست طاهرة على نحو مطلق، ولا يجوز استدعاؤها بوصفها معياراً أخلاقياً خالصاً في مواجهة "جاهلية" مُختلقة.. في المقابل، فإن ما يُسمى بالجاهلية لم يكن صحراء أخلاقية كما يصوّرها عميان الزمن.. لقد أنجبت تلك المرحلة شعراً يُعد من أرقى ما وصل إليه التعبير الإنساني.. فيه قيم الفروسية، والكرم، والوفاء، والنجدة.. كانت هناك مواثيق تحمي المستجير، وأعراف تُلزم القبيلة بنصرة الضعيف، وقصص تُروى عن حماية النساء والأطفال حتى في أزمنة الحرب.
اقرأ أيضاً:
هي نهاية سطوة "حرّاس الدين" إلى "يوم القيامة".. إذا كان ثمة قيامة
صحيح أن تلك المرحلة شهدت أيضاً مظاهر قسوة (كوأد البنات أو الحروب القبلية) لكنها، شأنها شأن أي مرحلة بشرية، كانت تحمل في داخلها بذور النبل كما تحمل بذور العنف.. الإشكال لا يكمن في تفضيل مرحلة على أخرى، بل في طريقة النظر إليهما، فالتاريخ ليس ساحة لتصفية الحسابات الأخلاقية، بل محاولة لفهم الإنسان في تعقيده، والانتصار الحقيقي لأي منظومة قيم لا يتحقق بتشويه ما قبلها، بل بقدرتها على تقديم نموذج إنساني أرقى في الحاضر، لذلك، فإن الدفاع عن الإسلام لا يحتاج إلى تسفيه الجاهلية، كما أن الاعتراف بجماليات الجاهلية لا ينتقص من الإسلام.. كلاهما جزء من مسار إنساني طويل، لا يُختزل في منشور، ولا يُحسم بثنائية أخلاقية حادة، بل يُفهم عبر قراءة نقدية عادلة، تُنصف ولا تُدين بالجملة، وتُضيء ولا تُطفئ.
أظن أن منشور د. حبش، يفتقد إلى نزاهة المؤرخ، فرفع قيمة الإسلام، لايأتي من "حط" قيمة من سبقه، ومن سبقه حمل أسماء مازلنا نسمع صدى أصواتها فينا:
ـ امرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى، عنترة بن شداد، طرفة ابن العبد..
هؤلاء ليسوا مجرد شعراء، بل هم مؤسسو الحسّ العربي.. في لغتهم تجلت الصحراء، والكرامة، والخوف، والحب، والزمن، ومن هنا، فإن اختزال تلك المرحلة بكلمة "جاهلية" فقط، دون رؤية هذا الثراء الإنساني، هو ظلمٌ للتاريخ وإنسانه معاً، ويكفينا أن نستحضر منهم عنترة بن شداد:
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ مني
وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها
لمعت كبارقِ ثغركِ المتبسّمِ
هذا البيت مذهل لأنه يجمع بين لحظتين متناقضتين:
ـ ذروة العنف في ساحة القتال، وذروة الرقة في استحضار الحبيبة.. كأن عنترة يقول إن الحب لا يغيب حتى في حضرة الموت، بل يصبح أكثر حضوراً وثراء.
ألا يكفي بيت الشعر هذا لننتزع عن ما قبل الإسلام صفة الجاهلية، ونسميه باسمه:
ـ زمن الفروسية.. خيال الصحراء الذي يفتح فضاءت الحرية؟
يحزنني أن ينحدر د. حبش إلى مساحة من يرى بعين واحدة، وهو الرجل الذي طالما احترمت "وسطيته".
وأخيراً أسأل د. حبش:
ـ هل ترفع من شأن الإسلام إذا اعتبرته يشكل قطيعة مع من سبقه؟
ـ هل ترفع من شأنه إن اعتبرته وليد "اليتم" الحضاري، بلا آباء ولا أمهات ومقطوع من شجرة يابسة؟
لا أيها السيد، أنت تُهين الإسلام، وتفتري على ما تسميه وسواك (جاهلية)، والجاهلية حسب ظني هي أبدع عصور التنوير في التاريخ الممتد وقد حمل لنا "عنترة".
تحزنني الخيبة، وكنت قد ظننت ذات يوم أنك :
ـ تحمل وعداً.