هل كان وليم شكسبير نبياً وقد كتب التاريخ من ظلّه؟

يحلو لي أن أقول إن التاريخ هو المؤامرة نفسها، ليس لأن البشر أشرار بطبيعتهم، بل لأن السلطة، منذ أن وُجدت، لا تعمل إلا عبر الخفاء، والاتفاقات غير المعلنة، والتحالفات التي تُصاغ في الظلال، غير أن أخطر ما ابتكرته السلطة في الأزمنة الحديثة ليس المؤامرة ذاتها، بل نظرية نفي المؤامرة؛ أي ذلك الخطاب الذي يُقنع الناس بأن ما يجري أمام أعينهم مجرد مصادفات بريئة، أو نتائج طبيعية لحركة التاريخ، كأن العالم يتحرك وحده، بلا أيدٍ تدفعه، وبلا عقول تخطط لمساره، غير أن قراءة متأنية للتاريخ، القديم منه والحديث، تكشف أن ما نسميه "الحدث التاريخي" كثيراً ما يكون نهاية عملية طويلة من التدبير الخفي.
في العصور القديمة لم يكن هذا الأمر سراً، كان التاريخ يُكتب أحياناً بوصفه تاريخ المؤامرات نفسها، يكفي أن نتذكر مقتل يوليوس قيصر في روما القديمة. لم يسقط الرجل في معركة، بل في مجلس الشيوخ، وسط دائرة من المتآمرين الذين أقنعوا أنفسهم بأن اغتياله ضرورة لإنقاذ الجمهورية. كانت تلك واحدة من أشهر المؤامرات السياسية في التاريخ، ومع ذلك تحولت لاحقاً إلى حدث يُروى في كتب التاريخ كأنه لحظة انتقال طبيعية في مسار الجمهورية الرومانية، غير أن ما جرى في الحقيقة كان اتفاقاً سرياً بين رجال خافوا من سلطة رجل واحد، فأحاكوا المجزرة، ثم جاء وليم شكسبير ليحكي حكايتها.
ـ وليم شكسبير هو من حكاها، وليس صحيفة صفراء لم يكن لها مطبعة في آنها.
إذا عدنا أبعد قليلاً في الزمن، إلى مصر الفرعونية، سنجد ما عُرف في الدراسات الحديثة بـ"مؤامرة الحريم"، هي المحاولة التي دُبّرت في القصر الملكي لاغتيال الفرعون رمسيس الثاني.
لم تكن حركة شعبية، ولا انقلاباً عسكرياً واسعاً، بل شبكة من الترتيبات السرية داخل البلاط نفسه، شاركت فيها زوجات وحراس وكُتّاب، لقد تركت لنا البرديات تفاصيل تلك المؤامرة، بما في ذلك المحاكمات التي تلتها، وكأن التاريخ نفسه يعترف بأن السلطة لا تُهدَّد غالباً من الخارج، بل من داخل دوائرها الأقرب.
وفي العصور الوسطى والحديثة المبكرة تتكرر الصورة نفسها.. اغتيال الملوك، الانقلابات في البلاطات، التحالفات السرية بين النبلاء… كلها تشكل النسيج الحقيقي الذي تحركت فيه السلطة، لكن ما يثير الانتباه أن الأدب كان أحياناً أكثر صدقاً في كشف هذه الحقيقة من كتب التاريخ الرسمية.
هنا يبرز مسرح ويليام شكسبير بوصفه كشفاً عميقاً لطبيعة السلطة. في عالم شكسبير لا يتحرك التاريخ عبر الصدف، بل عبر التدبير الخفي.. السلطة لا تُنتزع في وضح النهار، بل في غرف مغلقة، وبين همسات، وفي لحظات تواطؤ قصيرة تغيّر مصير الممالك، وما يبدو على المسرح كحدث مفاجئ هو في الحقيقة نهاية سلسلة طويلة من الترتيبات السرية.
ـ هكذا تصبح المؤامرة، لا الاستثناء، بل القاعدة التي يتشكل بها التاريخ.
اغتيال قيصر لم يكن انفجاراً شعبياً عفوياً، بل عملاً مدبّراً بعناية.. يكفي أن نتأمل مسرحية يوليوس قيصر اجتمع المتآمرون ليلاً، أقنع بعضهم بعضاً، وزيّنوا فعلتهم بشعارات الفضيلة والجمهورية.. كانوا يدركون أن التاريخ لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالسردية التي تُروى بعد الفعل، ولذلك لم يكن الاغتيال هو الفعل الأهم، بل الخطاب الذي تلاه:
ـ خطبة بروتوس وخطبة أنطونيوس ليستا مجرد بلاغة مسرحية، بل معركة على تفسير الحدث نفسه.
هنا يكشف شكسبير حقيقة عميقة:
ـ المؤامرة لا تنتهي حين تُنفَّذ، بل تستمر في الصراع على معناها.
وفي ماكبث تبدو المؤامرة أكثر عرياً.. ملك يُقتل وهو نائم، وسلطة تُنتزع عبر جريمة لا شهود عليها، لكن ما يلفت الانتباه ليس الجريمة وحدها، بل شبكة الخوف التي تُبنى بعدها.. ماكبث لا يكتفي بالمؤامرة الأولى، بل يخلق مؤامرات أخرى تحميها:
ـ القتل يولّد القتل، والسر يولّد أسراراً جديدة.
هكذا تتحول السلطة إلى نظام دائم من الريبة والشك، كأن شكسبير يقول إن المؤامرة ليست حادثة عابرة في التاريخ، بل آلية عمله الأساسية.. رافعته، ولاّدته إن شئنا.
أما في هاملت فنجد شكلاً آخر للمؤامرة:
ـ المؤامرة التي تحاول إخفاء نفسها تحت قشرة النظام.
الملك الجديد يحكم القصر بهدوء ظاهري، لكن هذا الهدوء مبني على جريمة قتل أخفيت بعناية. الحقيقة لا تظهر عبر الوثائق ولا عبر القضاء، بل عبر الشك، والحدس، والمسرح داخل المسرح، حين يقيم هاملت عرضاً مسرحياً ليرى رد فعل الملك، فإنه يكشف لنا أن الحقيقة في عالم السلطة لا تُكتشف بالطرق الرسمية، بل بالحيلة، وباختبار ردود الفعل.
كأن شكسبير يلمّح إلى أن التاريخ الرسمي غالباً ما يكون ستاراً يخفي ما حدث فعلاً.
اقرأ أيضاً:
وإذا خرجنا من المسرح إلى التاريخ الحديث سنجد أن الصورة لا تختلف كثيراً، اغتيال أبراهام لينكولن في القرن التاسع عشر لم يكن فعلاً فردياً محضاً كما قُدّم أحياناً، بل جزءاً من شبكة أوسع من المتآمرين الذين حلموا بإحياء الجنوب الكونفدرالي، وفي القرن العشرين، حين قُتل جون إف. كينيدي، لم يتوقف الجدل حول ما إذا كان القاتل فرداً معزولاً أم جزءاً من شبكة أوسع.
بغض النظر عن الإجابات النهائية، فإن ما يكشفه هذا الجدل هو شيء آخر:
ـ أن الوعي الحديث أصبح يخشى الاعتراف بفكرة المؤامرة نفسها، حتى عندما تشير الوقائع إلى وجودها.
الأمر نفسه يمكن ملاحظته في الانقلابات السياسية الكبرى في القرن العشرين، حيث كانت التحولات التي بدت لاحقاً كأنها "حركات تاريخية كبرى" تبدأ في الواقع باتفاقات سرية بين قلة من الضباط أو السياسيين.. التاريخ الرسمي يميل إلى وصف هذه الأحداث بلغة عامة:
ـ أزمة سياسية، انتقال سلطة، تغير ميزان القوى.
غير أن ما يحدث في الغالب قبل تلك اللحظات هو سلسلة طويلة من الاجتماعات السرية، والاتصالات غير المعلنة، والرهانات الخفية.
ومن هنا يمكن القول إن أعظم مؤامرة في التاريخ الحديث ليست المؤامرات نفسها، بل إقناع الناس بأن المؤامرات لا وجود لها، لأن إنكارها لا يلغيها، بل يتركها تعمل بحرية أكبر.. شكسبير، قبل قرون، كان أكثر صدقاً من كثير من المؤرخين المعاصرين، لقد كشف ببساطة ما يحاول الخطاب السياسي الحديث إخفاءه:
ـ أن التاريخ ليس حركة بريئة للوقائع، بل مسرح تتصارع فيه الإرادات الخفية.

بهذا المعنى، يصبح مسرح شكسبير أشبه بوثيقة فلسفية عن طبيعة التاريخ، ففي عالمه، لا يسقط ملك لأن الزمن تغيّر، بل لأن أحدهم قرر أن يسقطه، ولا تقوم مملكة لأن الظروف نضجت، بل لأن مجموعة من البشر رتبت لذلك في الظل، وحين ننظر إلى التاريخ من هذه الزاوية، ندرك أن المؤامرة ليست شذوذاً في مساره، بل إحدى لغاته الأساسية، وأن إنكارها ليس سوى محاولة لكتابة التاريخ من وجهة نظر المنتصرين وحدهم.
ربما بوسعي التوسع في هذه الفكرة من سؤال بسيط لكنه مقلق:
ـ إذا كانت المؤامرة حاضرة في لحظات كثيرة من التاريخ، فهل يمكن أن تكون الأنظمة السياسية نفسها قد وُلدت من رحمها؟
ليس المقصود هنا إطلاق حكم عام أو تبسيط التاريخ إلى سردية واحدة، بل الانتباه إلى حقيقة أن كثيراً من التحولات السياسية الكبرى لم تبدأ في الساحات العامة، بل في أماكن مغلقة، بين عدد محدود من البشر قرروا أن يعيدوا ترتيب العالم وفق مصالحهم أو مخاوفهم أو طموحاتهم، أو شهيتهم لركوب ظهر التاريخ والإمعان في جلده.
فالتاريخ السياسي، إذا نُظر إليه عن قرب، يكشف أن ولادة أنظمة كثيرة لم تكن نتيجة تطور هادئ أو حتمي، بل نتيجة لحظة تدبير، انقلاب يبدأ باجتماع بين عسكر.. نظام جديد يولد من تحالف خفي بين نخب متصارعة.. حدود دول تُرسم في غرف مغلقة قبل أن تُقدَّم للشعوب كحقائق جغرافية أو قدر تاريخي.
ـ بعد ذلك بسنوات أو عقود، يصبح هذا كله مألوفاً إلى درجة أن أحداً لا يتساءل كيف بدأ.
وهنا تحديداً تصبح فكرة برتولت بريخت ذات معنى عميق.. كان بريخت يدعو إلى ما سماه النظر إلى المألوف بوصفه غريباً، ما يعني أن نكسر الألفة التي تجعلنا نقبل الأشياء كما هي.. أن نتوقف أمام ما اعتدناه حتى نرى البنية التي صنعته.
حين طبق بريخت هذه الفكرة في المسرح كان يريد أن يوقظ المتفرج من سكونه، أن يمنعه من التسليم بما يراه، وأن يدفعه إلى السؤال:
ـ لماذا يحدث هذا؟

إذا نقلنا هذه الفكرة من المسرح إلى التاريخ، سنجد أن كثيراً مما نعدّه طبيعياً قد يصبح فجأة غريباً حين ننظر إليه من جديد.. دولة قائمة منذ عقود تبدو لنا كأنها جزء من جغرافيا العالم، لكن السؤال البسيط يكشف أنها بدأت ذات يوم بقرار اتخذه بضعة رجال.. نظام سياسي يبدو اليوم ثابتاً، لكنه ربما وُلد في لحظة اضطراب حين اجتمع عدد قليل من الفاعلين وقرروا أن يغيروا ميزان القوة.
إن الألفة هي ما يمنح السلطة استقرارها العميق، فحين يعتاد الناس على نظام ما، يتوقفون عن التفكير في لحظة ولادته.. يصبح الحاضر بديلاً عن السؤال، لكن التاريخ، إذا نُبش قليلاً، يعيد إلينا تلك اللحظة الأولى:
ـ لحظة الترتيب، التوافق، أو التدبير الذي سبق إعلان الأمر على الملأ.
بهذا المعنى، يمكن القول إن المؤامرة لا تكون دائماً حادثة استثنائية داخل النظام السياسي، بل قد تكون أحياناً اللحظة التي وُلد فيها النظام نفسه، وبعد أن يستقر الحكم، تتحول تلك اللحظة إلى ذكرى غير مرغوب فيها، أو إلى صفحة مطوية في الرواية الرسمية، ما كان في الأصل فعلاً مدبَّراً يصبح في الذاكرة العامة "بداية تاريخية".
وهنا يلتقي التفكير التاريخي مع الحس المسرحي، فكما يكشف المسرح ما يحدث خلف الستار، يستطيع التفكير النقدي أن يفعل الشيء نفسه مع التاريخ.
نحن نرى المشهد النهائي:
ـ مؤسسات، قوانين، أعلام، وحدود.
لكن خلف هذا المشهد كانت هناك دائماً لحظة أخرى أقل وضوحاً، لحظة كان فيها كل شيء قابلاً لأن يتخذ مساراً مختلفاً.
ربما لهذا تبدو فكرة بريخت ضرورية خارج المسرح أيضاً، فالنظر إلى الغريب وراء المألوف ليس تمريناً فكرياً فحسب، بل طريقة لفهم التاريخ نفسه.. حين نفعل ذلك نكتشف أن كثيراً من الوقائع التي تبدو اليوم مستقرة بدأت ذات يوم كفعل صغير في الظل، كاتفاق بين قلة، أو كتدبير لم يكن أحد يتوقع أن يتحول إلى واقع دائم.
وهكذا، فإن المؤامرة لا تظهر فقط في لحظات الاغتيال أو الانقلاب، بل قد تظهر أيضاً في لحظة الميلاد الأولى للسلطة، وما إن تمر السنوات حتى يختفي أثر تلك اللحظة، وتصبح النتيجة وحدها هي الواقع الذي نراه.
عندها يصبح السؤال الحقيقي، على طريقة بريخت:
ـ ليس ماذا نرى، بل كيف أصبح ما نراه مألوفاً إلى هذا الحد.
كان علينا أن نعترف بنبوّة وليم شكسبير وأن نقرّ بأن برتولد برخيت من حواريي نبينا.
وكان علينا أن نضيف:
ـ حمير أولئك الذين ينفون نظرية المؤامرة، أقلّه ونحن من مشاهدي هذا العالم الذي يحترق من حولنا.. وبنا.