info@suwar-magazine.org

الاعتذار وموجباته.. بعد أخذ الإذن من سمير عطالله

الاعتذار وموجباته.. بعد أخذ الإذن من سمير عطالله
Whatsapp
Facebook Share

 

 

لست مسحوراً بـ "سمير عطالله"، ولكنني أقرأه بالشغف الذي قرأت به حكمة شيخوخة "غسان تويني"، كما بالشغف الذي أصغيت به لحيوية الحياة في "جبران تويني"، تلك الحيوية التي تسببت في انتزاعه من حياتنا، فيما بقي "ديكه" الزجاجي بألوانه الساحرة في الذاكرة، كما لو أنه يلتقط السياسة من حوافها الإنسانية، دون مغادرة صخبها المباشر.

 

 

في مقالات "سمير عطالله"،  تبدو الأحداث الكبرى وكأنها ظلال لأسئلة أعمق تتعلق بالخوف والذاكرة وحدود الأوطان الهشة.. هو من أولئك الذين لا يكتفون بسرد الوقائع، بل يحاولون أن يقرأوا ما وراءها، حيث تتحول الجغرافيا إلى حكايات، والتاريخ إلى صورة موازية  لضعف البشر وهم يفاوضون مصائرهم بين الحلم والقلق، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى كل حديث له، عن الاعتراف بالمآسي القديمة، ليس باعتباره تصحيحاً للتاريخ فحسب، بل باعتباره إعادة ترتيب لمصالح الحاضر أيضاً.

 

 

في كل مرة تعود فيها القوى الكبرى إلى دفاتر الماضي، فإنها تفعل ذلك بقدر من البراغماتية لا يقل عن صوت الضمير.. الاعتراف بالمآسي يشبه أحياناً إعادة فتح ملفات لم تُغلق يوماً، لكنه يظل مرتبطاً بتوازنات اللحظة السياسية، فحين تتحدث الولايات المتحدة عن صفحات دامية في تاريخ شعوب أخرى، فإن خطابها لا ينفصل عن حساباتها مع تركيا، الشريك في منظومة حلف شمال الأطلسي، حيث تتشابك الذاكرة مع التحالفات، ويتحول الماضي إلى جزء من لعبة التوازنات الدولية.

 

اقرأ أيضاً:  

 

                  لاهوت السلطة ومخاوف الأقليات.. أي نسخة من "الله" أنت؟

                         حكاية انحكت.. أصواتٌ تتشابك داخل رأس واحد

 

 

هذه المنطقة، أعني منطقتنا (ولا أراهن أن يبقى لنا منها شيئاً بما يعيننا على استعادة الـ "نا" منها) والتي تبدو على الخرائط كتلة جغرافية واحدة، ليست سوى قطع بازل متراكمة من الأعراق واللغات والديانات.. لم يكن التنوع فيها حالة طارئة، بل كان جزءاً من تكوينها العميق، غير أن هذا التنوع، الذي كان يمكن أن يتحول إلى مصدر ثراء حضاري، أصبح في كثير من اللحظات مادة للصراع، لأن الخوف ظل المحرك الخفي للعلاقات بين الجماعات، فكل أقلية شعرت بالتهديد بحثت عن جدار يحميها، وكل جماعة تخيّلت أن الدولة الخاصة بها قد تكون الملاذ الأخير من قلق التاريخ.

 

 

غير أن الدول التي تولد من رحم الخوف تحمل هشاشتها معها، فهي تبدأ باعتبار الحدود خلاصاً، لكنها سرعان ما تكتشف أن الحدود يمكن أن تتحول إلى أسوار داخلية تفصل أبناءها بعضهم عن بعض، وحين تُبنى الدولة على فكرة النقاء العرقي أو الطائفي، تصبح أسيرة لهذه الفكرة، تعيش في حالة دفاع دائم عن وجودها، وكأنها تخشى أن يذيبها أي اختلاف طارئ، وهكذا يتحول حلم الأمان إلى دورة متكررة من القلق، ويتحوّل البحث عن النقاء إلى صراع مفتوح مع طبيعة الواقع نفسه، لأن الواقع بطبيعته مركّب ولا يعترف بالصفاء المطلق.

 

 

لقد أظهرت تجارب كثيرة أن تفتيت المجتمعات لا يصنع الاستقرار، بل يوزع التوتر على مساحات أصغر، فعندما تُقسَّم الأرض وفق خطوط العرق أو الطائفة، فإن تلك الخطوط لا تتوقف عند الحدود السياسية، بل تتسلل إلى داخل المجتمع ذاته، لتعيد إنتاج الانقسام في تفاصيل الحياة اليومية، وهكذا يصبح كل كيان صغير حارساً لذاكرته الخاصة، وسجيناً لها في الوقت نفسه، يعيش على جراح الماضي أكثر مما يبني تصوراً للمستقبل.

 

 

في المقابل، استطاعت مجتمعات أخرى أن تحوّل التنوع إلى صيغة تعايش لا إلى

مشروع تفكك، كما حال المانيا، والنرويج، والسويد،  وهي بلدان لم تلغِ التعدد الثقافي والاختلاف، لكنها حوّلته إلى جزء من المشهد الاجتماعي، لا إلى سبب للانقسام السياسي، وحين يشعر الإنسان بأن القانون يحميه وأن العدالة لا تميّز بين أصوله، تتحول الهوية إلى عنصر ثقافي يثري المجتمع، لا إلى متراس يحتمي به الفرد.

 

 

المشكلة الحقيقية في منطقتنا ليست في كثرة الأقليات، بل في ضعف الدولة القادرة على احتضان الجميع، فحين تتآكل الدولة بالفقر والفساد والتمييز، تبدأ الجماعات بالبحث عن بدائل تحميها، فتظهر المشاريع الانعزالية كأنها حلول واقعية، بينما هي في جوهرها تعبير عن اليأس أكثر مما هي مشروع بناء.

 

 

الدولة المزدهرة ليست مجرد سلطة سياسية، بل هي فكرة جامعة تجعل الإنسان يشعر أن كرامته مرتبطة ببقاء هذا الكيان، لا بالهروب منه أو الاحتماء داخله.

 

 

التاريخ لا يعاقب الشعوب لأنها متعددة، بل لأنهـا تفشل في إدارة هذا التعدد، وحين تغيب العدالة يصبح التنوع عبئاً، وحين تحضر يتحول إلى طاقة خلاقة، ولذلك فإن السؤال الذي يواجه هذه المنطقة ليس كم دولة يمكن أن تنشأ فوق أرضها، بل أي نوع من الدول يمكن أن يجعل أبناءها يشعرون بأن اختلافهم مصدر غنى لا سبب خوف؟

 

في نهاية المطاف، لا تبحث الجماعات عن حدود جديدة بقدر ما تبحث عن شعور قديم بالأمان، ذلك الشعور الذي لا تصنعه الخرائط، بل تصنعه العدالة.

 

 

وها أنذا سأقتطع مما كتبه "سمير عطالله" وقد حمل عنوان "الاعتذار وموجباته":

"الحل الوحيد ليس تفكيك الدول، بل إقامة الدولة المزدهرة والقابلة للحياة.. دولة تتقاسم الخيرات والحياة الكريمة، وليس يتآكلها الفقر والعوز والفساد، وفي مثل هذه الدولة تختفي الأحلام الصغيرة وخرافات الطمأنينة الكاذبة.

ما هو الأنسب، دول صغيرة متحاربة لا ضمانة فيها لأحد، أم دول متشاركة تتجاوز المشاعر الصغيرة إلى الحقائق الدائمة؟

في أي بلد يعيش الأشوريون والصابئة والأيزيديون والأكراد والشيعة والسُّنة، في طمأنينة شبه كاملة؟

في السويد والنرويج وألمانيا.. كلما ابتعدوا شمالاً صوب القطب".

 

 

 

وسؤالي ما بعد أسئلة سمير عطالله:

هل علينا أن نبتعد شمالاً صوب القطب لنلتقط آدميتنا، أم أن آدميتنا، هي تلك التي نصنعها بأيدينا؟

هو سؤال لابد أن يُسأل، لبشر مثلنا يقفون على حافة التاريخ.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard