info@suwar-magazine.org

لاهوت السلطة ومخاوف الأقليات.. أي نسخة من "الله" أنت؟

لاهوت السلطة ومخاوف الأقليات.. أي نسخة من "الله" أنت؟
Whatsapp
Facebook Share

 

 

وكذلك المسيحية دينٌ لا يقل شأناً عن الإسلام:

ـ لها كتاب لا تقل مكانته الروحية والرمزية عن القرآن، بل يسبقه زمنياً بقرون.

ـ  لها نبي وشبكة لاهوتية وثقافة حضارية شكّلت العالم الحديث بقدر ما شكّلته الحضارة الإسلامية في زمنها الذهبي.

ماذا لو أن أوروبا التي تشكّلت تاريخياً على قاعدة مسيحية، ماذا لو قررت فجأة أن تعود إلى صيغة "الدولة المسيحية" الصارمة، دولة تستمد قوانينها من اللاهوت الحرفي، وتستبدل الدستور بكتاب مقدس، والبرلمان بمجمع كنسي؟

 الإجابة وبلا تردد:

ـ لارتجفت أوروبا قبل أن يرتجف سكانها من المسلمين أو اليهود أو الملحدين أو حتى المسيحيين المختلفين مذهبياً.  

 

 

سيحدث هذا، ذلك أن الدولة حين ترتدي ثوب العقيدة تتحول من مؤسسة سياسية إلى كائن فوق بشري لا يقبل التفاوض، ومن هنا تبدأ المأساة دائماً، لأن الله عندما يُستدعى إلى منصة الحكم يفقد سموه ويتحول إلى موظف إداري بمرتبة فيلد مارشال، جنرال، أو ربما جلّاد.

 

 

المشكلة ليست في الدين بوصفه تجربة روحية، بل في لحظة تحوّله إلى جهاز إداري، فالدين عندما يدخل القصر الجمهوري يخلع عباءته الإيمانية ويرتدي بزّة الحرس الثوري، عندها يصبح الخلاف مع السلطة خلافاً مع الله نفسه، ويصبح المواطن المختلف مذهبياً مشروع زنديق مؤجل التنفيذ، وستكون الديانات المختلفة التي تُسمّى "أقليات"، هي الأكثر قلقاً، والأكثر رفضاً لهذا الشكل من "سطوة الله".

ـ هنا تبدأ الأقليات بقراءة تاريخها الشخصي بوصفه مسودة لائحة اتهام جاهزة، وهذا ما حدث مع اسبانيا محاكم التفتيش سيئة السمعة والصيت.

 

اقرأ أيضاً:  

 

                          حكاية انحكت.. أصواتٌ تتشابك داخل رأس واحد

 

                          من موسى إلى دونالد ترامب: حين يصنع الإنسان نبوءته

 

 

ـ هذا عن "المسيحية" لو أعلنت دولتها، ماذا لو كانت "دولة الإسلام"؟

الإسلام، مثل أي منظومة دينية كبرى، ليس كتلة واحدة بل أرخبيل واسع من التأويلات المتصارعة، تمتد من إسلام ابن عربي الذي يرى الكون كله تجلياً إلهياً، إلى إسلام ابن تيمية الذي رأى في العقيدة ساحة تطهير دائم من الانحراف، وهناك إسلام الطرق الصوفية التي تذيب الحدود بين الإنسان وربه، وهناك إسلام الجماعات الجهادية التي تذيب الإنسان نفسه في مشروع الحرب.

أمام هذا التنوع، يصبح السؤال عن "أي إسلام سيحكم" سؤالاً أكثر رعباً من السؤال عن الحكم ذاته.

 

 

جبهة النصرة باشتقاقاتها ومن انشقت عنه، حاولت إعادة تقديم نفسها لاحقاً عبر تسميات جديدة، وهي تسميات لم تولد خارج هذا التراث الفقهي الصراعي، بل خرجت من رحم قراءة سلفية جهادية تستند إلى منظومة تكفيرية واضحة.

الخطاب الذي تبنّاه بعض منظّريها، ومن بينهم الداعية عبد الله المحيسني في مراحل مختلفة، لم يكن خطاباً روحياً بقدر ما كان خطاب تعبئة سياسية دينية، حيث تحوّلت الفتوى إلى أداة تعبئة عسكرية، وتحول النص الشرعي إلى ما يشبه بياناً عسكرياً مكتوباً بلغة مقدسة.

ـ هنا يصبح الدين ذخيرة، والفقه غرفة عمليات.

 

 

أما ابن تيمية، الذي يُستدعى كثيراً في أدبيات هذه الجماعات، فقد كتب في سياقات تاريخية عنيفة اتسمت بصراعات مذهبية وسياسية حادة، لكن القراءة المعاصرة لبعض نصوصه نزعتها من سياقها التاريخي وأعادت توظيفها كدستور دائم للحرب العقائدية، وهكذا تحوّل الاجتهاد التاريخي إلى منظومة أبدية لتصنيف البشر بين ناجٍ وهالك، وكأن التاريخ توقف عند لحظة غضب فقيه محاصر بالحروب.

 

هذه الرؤية لا تنتج دولة، بل تنتج ثكنة كونية، والدولة حين تتحول إلى ثكنة يصبح المواطنون فيها جنوداً محتملين أو أسرى محتملين، ولا يعود هناك مكان لفكرة المواطن أصلاً، بل فقط لفكرة المؤمن الصحيح والمؤمن قيد المراجعة.

ـ مؤمن لابد من إعادة النظر بإيمانه.

 

 

ما حال من هم من غير المسلمين الذين باتوا يحملون الصفة المهينة، وأعني صفة "أقليات"، بما يعني انتزاع مواطنيتهم بتهذيب لغوي، أشدّ ضراوة من أيّ ابتذال؟

هنا تبدأ مخاوف الأقليات الدينية بالتحول من هواجس نظرية إلى ذاكرة حية:

ـ المسيحيون في المشرق، الذين تعلّموا عبر قرون فن البقاء الصامت، لم يعودوا ينتظرون خطاب الطمأنة الرسمي،  آلاف منهم اختاروا لغة جديدة للبقاء خشبة نجاتها  طلبات الهجرة، فالمسيحي الشرقي لم يعد يخاف من الاضطهاد فقط، بل من الانقراض التدريجي، من التحول إلى أثر سياحي يُشار إليه في كتب التاريخ بوصفه طائفة كانت هنا ذات يوم قبل أن تهاجر إلى الضفة الأخرى من العالم.

 

 

ـ الإسماعيليون اختاروا نموذجاً آخر للبقاء، نموذج الحماية عبر الشبكات الاقتصادية والاجتماعية التي لعبت فيها مؤسسات الآغا خان دور مظلة أمان، وهو شكل معاصر لما يمكن تسميته "جزية ناعمة"، او ربما "رشوة صريحة" تدفع لضمان الاستقرار.. جزية بلا إعلان رسمي لكنها محمولة على خوف تاريخي من الانكشاف.

 

 

ـ الدروز، الذين بنوا تاريخهم على فلسفة الحياد الحذر، وجدوا أنفسهم بعد المجازر التي طالت تجمعاتهم أمام سؤال وجودي، فتزايدت الأصوات المطالبة بحق تقرير المصير، ليس حباً بالانفصال، بل خوفاً من الذوبان القسري داخل دولة عقائدية ترى في الاختلاف خللاً يجب إصلاحه أو محوه.

 

 

أما الإيزيديون، فقصتهم خرجت من كتب التاريخ ودخلت إلى أرشيف الرعب المعاصر.. مشاهد النساء الإيزيديات المقيّدات بالسلاسل، اللواتي عُرضن في أسواق النخاسة على يد تنظيمات رفعت راية الإسلام، لم تكن مجرد جريمة حرب، بل كانت إعلاناً فظاً عن عودة مفهوم العبودية إلى التداول الفقهي العملي.. الآية القرآنية التي تتحدث عن "ما ملكت أيمانكم"، والتي جرى تأويلها تاريخياً ضمن سياقات اجتماعية قديمة، أُعيد إحياؤها في خطاب هذه التنظيمات كترخيص صريح لإعادة تشغيل مؤسسة الرق.

ـ هكذا عاد التاريخ من قبره، لا كدرس أخلاقي، بل كمشروع سياسي.

 

 

المدافعون عن الدولة الإسلامية غالباً ما يردّدون أن هذه التجاوزات تمثل انحرافات عن الإسلام الصحيح، لكن المشكلة أن كل تيار يدّعي امتلاك النسخة الصحيحة من الدين.

 

الإسلام الصوفي يرى في التكفير سقوطاً روحياً، بينما يرى الإسلام الجهادي في التسامح ضعفاً عقدياً، وبين هذين القطبين تقف الدولة الدينية محتارة:

ـ أي نسخة من الله ستتبنّى؟

التجربة الأفغانية تقدّم نموذجاً واضحاً عن هذه المعضلة:

ـ حكم طالبان، في نسخته الأولى والثانية، أظهر كيف يمكن للدولة الدينية أن تتحول إلى مختبر اجتماعي ضخم لإعادة هندسة المجتمع وفق قراءة فقهية واحدة.. النساء اختفين من الفضاء العام، التعليم تقلّص، الأقليات الدينية عاشت تحت تهديد دائم، والاقتصاد نفسه أصبح رهينة لرؤية لاهوتية ترى العالم كساحة اختبار أخلاقي لا كسوق إنتاج.

 

 

في الحالة السورية، يظل السؤال أكثر تعقيداً.

ـ هل تخلّت جبهة النصرة عن جذورها التكفيرية فعلاً، أم أنها دخلت مرحلة براغماتية تُعرف في أدبياتها بمرحلة "التمكين"؟

الخطاب الرسمي في مكان، والإعلاميون المحتفلون بانتصار دين الله في مكان آخر، الخطاب الرسمي يُطمئن، وملائكته يكفّرون، فيما التاريخ الإسلامي السياسي مليء بمراحل انتقالية تُخفّف فيها الجماعات خطابها إلى أن تترسخ سلطتها، ثم تعود إلى أصولها الصلبة، لتكون البراغماتية هنا ليست مراجعة فكرية، بل تأجيل تكتيكي للحقيقة العقائدية، وهذا ما يخيف أولئك المطرودين من نعيم الدولة الموصوفين بـ "الأقليات".

 

 

الدولة الدينية، في جوهرها، لا تخاف الأقليات بقدر ما تخاف التعدد نفسه، لأن التعدد يذكّرها بأنها ليست صوت السماء الوحيد، فإذا لم يكن الله ملكيتك الحصرية، فلا ضرورة لله،  ولهذا تميل هذه الدولة الدينية إلى إنتاج مواطن نموذجي واحد، مواطن يشبه نسخة مطبوعة من عقيدة رسمية، بينما يتحول المختلف إلى هامش ثقافي أو مشروع تهمة.

السخرية الكبرى أن الدولة التي تُبنى باسم الإيمان تنتهي غالباً بإنتاج خوف جماعي:

ـ المؤمن يخاف من فقدان نقائه العقائدي.

 ـالأقليات تخاف من فقدان وجودها الفيزيائي.

ـ السلطة تخاف من فقدان احتكارها للحقيقة.

وهكذا تتحول الدولة الدينية إلى مصنع خوف شامل يعمل بطاقة تدميرية عالية، فالكل فيها إما على "الخازوق"، وإما يلتف على الخازوق، والكل مصيره "الخازوق".

ربما المأساة الأعمق أن الله، الذي جاء في التجارب الروحية الكبرى ليحرر الإنسان من الخوف، يُعاد توظيفه في الدولة الدينية كأداة لإدارته.. يتحول الإله إلى شرطي ميتافيزيقي، وتتحول الجنة إلى مشروع عقاري مؤجل الدفع، بينما يتحول الإنسان إلى كائن يعيش حياته كاختبار دائم للنجاة.

 

 

الدولة المدنية ليست عدواً للدين كما يروّج المتشددون، بل هي في جوهرها محاولة لإنقاذ الدين من التحول إلى أداة قهر.. إلى خازوق.. إنها ببساطة تعيد الله إلى مجاله الطبيعي:

ـ الضمير الفردي، لا جهاز الأمن السياسي.

فحين تحكم الدولة باسم السماء، تمتلئ الأرض بالمقابر، وكل وقائع تاريخ الدولة الدينية يفيد بذلك، ولو لم يكن الامر كذلك لما باتت كنائس أوروبا امكنة مهجورة، خالية من "الله" ذلك أنها حكمت ذات يوم باسم "الله"، فيما الدولة التي تحكم باسم البشر، أبقت على السماء مفتوحة لاحتمالات الرحمة.

 

 

وفي هذا السياق، تبدو التخوفات التي تعيشها الأقليات الدينية داخل المجتمعات التي تشهد صعود الحركات الإسلامية المسلحة تخوفات مفهومة ضمن منطق التجربة التاريخية، فهي لا تنبع فقط من الخطاب المعلن لهذه الحركات، بل من الإرث الفكري الذي تستند إليه، ومن التجارب الواقعية التي شهدتها مناطق مختلفة خلال العقود الأخيرة.

 

إن بناء دولة مستقرة في مجتمعات متعددة الأديان يتطلب صياغة عقد اجتماعي يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وهو مبدأ يصعب تحقيقه حين يتم تعريف الدولة على أساس ديني حصري.

 

وهكذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الحركات الإسلامية قادرة على التغير، بل بما إذا كان مشروع الدولة الدينية ذاته قادراً على التعايش مع التعددية الحديثة، وهو سؤال لا يزال مفتوحاً أمام التجارب المعاصرة، ويبدو أن الإجابة عنه ستتحدد بمدى قدرة هذه الحركات على الانتقال من منطق العقيدة الحاكمة إلى منطق الدولة التي تحكم مواطنين مختلفين في الإيمان والانتماء.

 

 

وفي النهاية، يبدو أن أكبر تهديد للأقليات ليس الدين نفسه، بل يقين السلطة حين تتقمص صوت الدين، فالله، على اتساعه الميتافيزيقي، يتسع للجميع، أما الدولة حين تزعم أنها تتحدث باسمه، فإنها تضيق حتى تختنق بأبنائها.

ـ حين يحكم الدين يطرد الدنيا.

حين يحكم يتحوّل الكل إلى أموات يخافون الحياة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard