من موسى إلى دونالد ترامب: حين يصنع الإنسان نبوءته

وقد بتنا بمواجهة الله لنسأله:
ـ هل صحيح أنك أرسلت دونالد ترامب، نبياً لينفّذ أوامرك؟
سيكون علينا أن نتوجه لله بهذا السؤال، ذلك أننا اخذنا علماً بأن مهنة النبي، هي أن يشكّل العالم وفق صيغة مفادها:
ـ "ما قبله غير ما بعده".
ربما هي الصفة وقد التصقت بـ "النبوّة"، هذا إذا حرّرنا الكلمة من قفصها اللاهوتي، وأعدناها إلى معناها الأخطر.
الأخطر هنا هو القدرة على إحداث قطيعة في مجرى المعنى، لا في مجرى الإيمان فقط. النبي، بهذا المعنى، ليس رسولاً من السماء بقدر ما هو زلزال أرضي، كائن يظهر في لحظة ركود أو اختناق، فيكسر الاستمرارية، ويجبر التاريخ على أن يعيد ترتيب نفسه، حتى لو فعل ذلك وهو يلعنه.
فعلها كارل ماركس، لا لأنه بشّر بالخلاص، بل لأنه جعل العالم يرى نفسه لأول مرة بوصفه بنية صراع لا قدَراً طبيعياً.
مع ماركس، لم يعد الفقر مسألة أخلاقية، بل مسألة نظام، ولم تعد العدالة حلماً بل سؤالاً سياسياً.
حدث مع سقراط، فـ سقراط نبي، ذلك أنه أدخل الشك إلى قلب اليقين، وعلّم البشر أن الجهل ليس نقص معرفة بل ادعاء معرفة.. لم يترك كتاباً، لكنه ترك عبقرية السؤال، لا ابتذالات الإجابة، فكان يؤمن أن الحقيقة لا تُعطى، بل تُستخرج، وأن الكتاب يجمّد الفكرة، بينما الحوار يبقيها حيّة، ولهذا كان يتجوّل في الأسواق، يحاور الحرفيين والجنود والسياسيين، ويهدم يقيناتهم واحداً واحداً، لا ليقدّم بديلاً جاهزاً، بل ليتركهم في حالة قلق منتج، فكان له أن ترك أثراً أخلاقياً لا نصاً.
أعظم ما تركه سقراط هو الموقف:
ـ أن يعيش الفيلسوف ما يفكّر فيه.
حين حُكم عليه بالموت، كان يمكنه الهرب، لكنه رفض، لأن الهرب يناقض ما علّمه عن احترام القانون، حتى حين يكون القانون جائراً.. موته لم يكن نهاية، بل تتويجاً لفلسفته، ولهذا يُقال إن سقراط كتب فلسفته بدمه.
أينشتاين نبي، بعده، لم يعد الزمن إطاراً ثابتاً نعيش داخله، بل كياناً نسبياً، يتلوّن بالحركة والموقع، هذا الاكتشاف لم يبقَ في المختبر، بل تسلل إلى وعي الإنسان الحديث، فصار يشك حتى في ذاكرته، وفي معنى التقدّم نفسه.
وموتزارت وباخ أنبياء لأنهما أعادا ترتيب الصمت، قبلهما كان الصوت تابعاً للطقس أو البلاط، وبعدهما صار عالماً قائماً بذاته، لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.
وشوبنهاور نبي فالرجل امتلك شجاعة الكآبة، بعده لم يعد الإنسان مركز الكون السعيد، بل كائناً محكوماً بإرادة عمياء، يتعذب لأنه يريد.. هذا التشاؤم لم يكن استسلاماً، بل كشفاً، كأن شوبنهاور قال للبشر:
ـ انظروا إلى الألم في وجوهكم .
أما محمد وموسى وعيسى، فهم أنبياء بالمعنى المركّب للكلمة: أحدثوا قطيعة في السماء والأرض معاً.. لم يغيّروا فكرة الله فقط، بل غيّروا صورة الإنسان عن نفسه، عن الخطيئة، عن الخلاص، عن الجماعة، وعن السلطة.
بعدهم لم يعد ممكناً التفكير في الأخلاق دون وحي، ولا في السياسة دون ظلّ المقدّس، سواء آمن المرء برسالتهم الإلهية أم قرأهم كظاهرة تاريخية، فإنهم، بلا شك، أفراد صنعوا نبوءتهم، ودفعوا ثمنها من لحمهم وحياتهم.
اقرأ أيضاً:
من شكيب أرسلان إلى عبد الرحمن الكواكبي: الطائفة، الخوف، والمأزق السوري
النبي، في هذا السياق، ليس بالضرورة جميلاً ولا عادلاً ولا حتى محبّباً، قد يكون قاسياً، فوضوياً، مدمراً، وهنا يصبح دونالد ترامب حالة لا يمكن تجاهلها.. ليس نبياً لأنه يحمل رسالة سامية، بل لأنه كسر صورة العالم الليبرالي عن نفسه.
بعد ترامب، لم يعد ممكناً الادعاء بأن الديمقراطية محصّنة، أو أن العقلانية تحكم السياسة، أو أن الخطاب الأخلاقي كافٍ لقيادة الجماهير.. دونالد ترامب لم يصنع عالماً أفضل، لكنه صنع الصورة القذرة، وقد أجبر الجميع على النظر اليها، وربما الاندساس فيها.. نبوءته لم تكن وعداً، بل فضيحة:
ـ فضيحة أن ما كنا نظنه استثناءً كان هو القاعدة المؤجلة.
التاريخ لا يتقدّم فقط عبر الأنبياء الذين يمنحون الأمل، بل أيضاً عبر الأنبياء الذين يعرّون القبح.. بعضهم يفتح أبواباً، وبعضهم يحرقها، لكن الجميع يشتركون في شيء واحد:
ـ أنهم لا يمرّون مروراً عابراً، هؤلاء يتركون وراءهم عالماً مكسوراً، أو مُعاد التركيب، عالماً لا يمكن العودة فيه إلى ما كان قبلهم.
الأفراد الذين يصنعون نبوءتهم لا يعرفون دائماً ما يفعلون.. كثيراً ما يتحركون بدافع شخصي، جرح، هوس، طموح، أو حتى نرجسية، لكن التاريخ، هذه الكتلة العمياء، يلتقطهم، ويحوّلهم إلى علامات فاصلة.. ليسوا بالضرورة أفضل البشر، لكنهم الأكثر قدرة على إزعاج السردية السائدة.
لهذا، ربما لا يكون السؤال:
ـ هل هذا الشخص نبي أم لا؟
بل:
ـ هل ما بعده يشبه ما قبله؟
إذا كان الجواب لا، فنحن أمام نبوءة، مهما كان شكلها، ومهما كان ثمنها.
"النبي" في هكذا حال، ليس حامل رسالة أخلاقية بالضرورة، بل صانع انكسار تاريخي، كائناً تظهر معه فجأة فكرة جديدة عن الإنسان أو السلطة أو المعرفة أو الزمن، فيغدو ما قبله مختلفاً جذرياً عمّا بعده.. هنا، لا يعود التاريخ سلسلة تطوّر هادئة، بل مسرح قفزات عنيفة يصنعها أفراد نادرون، بعضهم مضيء، وبعضهم مظلم، وبعضهم يجمع النور والظلمة معاً.
النبي، بهذا المعنى، هو من يفرض على البشر لغة جديدة لفهم أنفسهم، حتى لو كانت هذه اللغة قاسية أو دموية، ماركس، مثلاً، لم يكتب بياناً سياسياً فقط، بل أعاد تعريف العمل، والقيمة، والملكية، والطبقة.. إنجازه لم يكن في تنبؤه بانهيار الرأسمالية، بل في جعله الاستغلال مرئياً، بعده، لم يعد ممكناً النظر إلى المصنع بالطريقة ذاتها، ولا إلى العامل كفرد معزول.. حتى أعداؤه باتوا يفكرون بلغته، سواء ليقاوموها أو ليحتووها.
ـ هذه هي النبوءة:
ـ أن تفرض قاموسك على خصومك.
سقراط أنجز ثورة صامتة، لا بالسيف ولا بالكتاب، بل بالسؤال. إنجازه الحقيقي أنه جعل التفكير فعلاً أخلاقياً.. قبل سقراط، كان الحكيم من يملك الأجوبة، وبعده صار الحكيم من يجرؤ على الشك. محاكمته وإعدامه لم يكونا حادثة سياسية فقط، بل إعلان خوف السلطة من السؤال الحر.
موته كان جزءاً من نبوءته:
ـ الحقيقة لا تعيش طويلاً في حضن النظام.
كان هذا ما آل اليه نبي الفلسفة.
أينشتاين، من جهته، لم يغيّر الفيزياء فقط، بل زعزع الثقة بالبداهة، إنجازه أن الزمن لم يعد مطلقاً، وأن المراقب جزء من الظاهرة.
هذه الفكرة تسللت إلى الفلسفة، وإلى الأدب، وإلى وعي الإنسان المعاصر، بعد أينشتاين، صار الشك في "لمطلق" سمة العصر، سواء في العلم أو الأخلاق أو السياسة، أو حتى في رسم صورة الله وخياله.
موتزارت وباخ أنجزا ما يشبه إعادة كتابة الروح الأوروبية.. باخ حوّل الموسيقى إلى عمارة رياضية دقيقة، وجعل الإيمان يُسمع، لا يُقال، وموتزارت جعل العبقرية طفلةً تلعب، وكشف أن الخفّة يمكن أن تكون عميقة، وأن الفرح ليس نقيض المأساة بل قناعها الأجمل.. إنجازهما أن الموسيقى خرجت من الكنيسة والبلاط لتصبح لغة الكون .. الكون كله، وقد هدمت الجدار الرابع للكنيسة.
وشوبنهاور، بإنجازه الفلسفي، كسر وهم التقدّم الأخلاقي، قال بوضوح صادم إن الألم هو جوهر الوجود، وإن الإرادة هي لعنة الإنسان.. هذا التشاؤم لم يكن دعوة لليأس، بل لليقظة.. أثره امتد إلى نيتشه، وإلى علم النفس، وإلى الأدب الحديث، أما بعده، فقد صار من الصعب كتابة رواية بريئة عن السعادة.
أما موسى، فأنجز اختراع القانون بوصفه عقداً أخلاقياً جماعياً، على يده لم يعد الإله فكرة غامضة، بل مشرّعاً، ولم تعد الجماعة رابطة دم، بل رابطة عهد.. الإنجاز الموسوي أنه ربط الحرية بالمسؤولية، وحرّر العبيد، لكنه قيّدهم بالشريعة:
ـ هذه المفارقة صنعت تاريخاً كاملاً من الطاعة والتمرّد.
وعيسى أنجز ثورة داخل الأخلاق نفسها، حوّل الضعف إلى قيمة، والغفران إلى قوة، وجعل المحبة فعل مقاومة.
إنجازه أنه فكّك منطق "العين بالعين"، وفتح باباً أخلاقياً لا يزال العالم عاجزاً عن العيش وفقه بالكامل.. موته، كما سقراط، كان جزءاً من نبوءته، كأن الحقيقة لا تكتمل إلا بالصلب.
ومحمد أنجز بناء عالم كامل:
ـ لغة، دولة، شريعة، وجماعة عابرة للقبيلة.
إنجازه لم يكن دينياً فقط، بل فعلاً حضارياً.. نقل العرب من الهامش إلى المركز، ومن الشعر الشفهي إلى النص المؤسس، ومن الغزو الفوضوي إلى مشروع سياسي- روحي، سواء قُرئ بوصفه نبياً مرسلاً أو عبقرياً تاريخياً، فإن ما بعده ليس ما قبله.
وحين نضيف شخصيات مثل حمورابي، ندخل منطقة أخرى من النبوءة. نبوءة القانون المكتوب، إنجازه أنه حوّل العدالة من انتقام شخصي إلى نظام معلن، فمسلّته لم تكن مجرد قوانين، بل إعلاناً بأن السلطة تخضع لقواعد، حتى لو كانت قاسية.
ـ بعد حمورابي، صار الظلم يُقاس، لا يُمارس عشوائياً.
ماذا عن الإسكندر الأكبر؟
هو نبي الفتح والاختلاط، إنجازه أنه كسر حدود العالم القديم، وخلق فضاءً امتزجت فيه الثقافات. لم يكن فيلسوفاً، لكنه حمل الفلسفة على ظهور الخيل وسنابكها.. بعده، لم تعد الحضارات معزولة، بل متداخلة.
ـ نبوءته كانت العولمة الأولى، بسيف شاب لم يعش طويلاً.
نابليون بونابرت أنجز إعادة تعريف السلطة الحديثة، جمع الثورة والدكتاتورية في جسد واحد. إنجازه أنه نشر فكرة الدولة القومية والقانون المدني، حتى وهو يحارب أوروبا، بعده، لم تعد الملوك يحكمون بالحق الإلهي وحده، بل بالكفاءة والسيف.
ـ نبوءته كانت أن الحداثة يمكن أن تكون استبدادية.
وكاليغولا؟
هو نبي الظل.. إنجازه ليس في البناء بل في الكشف، الكشف أن السلطة حين تنفصل عن المعنى تتحول إلى جنون.. حكمه القصير كان كابوساً، لكنه علّم التاريخ درساً مرعباً:
ـ الإمبراطور يمكن أن يكون طفلاً سادياً، وأن الدولة يمكن أن تُدار كنزوة.
كاليغولا نبوءة ما يحدث حين يصبح الإنسان إلهاً لنفسه.
ودونالد ترامب؟
دونالد ترامب، يأتي امتداداً لهذا الخط، لا كنهاية له، إنجازه، إن جاز التعبير، أنه حوّل التفاهة إلى أداة حكم، والكذب إلى خطاب علني، والغضب إلى رأس مال سياسي.
لم يخترع الشعبوية، لكنه جعلها وقحة، بلا أقنعة. بعده، لم يعد العالم قادراً على التظاهر بأن العقل يحكم السياسة.
هؤلاء جميعاً، رغم تناقضهم، يشتركون في شيء واحد:
ـ أنهم صنعوا نبوءتهم بأفعالهم، لا بانتظار الوحي.
بعضهم قدّم خلاصاً، بعضهم قدّم قانوناً، بعضهم قدّم كارثة، لكنهم جميعاً كسروا خط الزمن.
النبي، في هذا المعنى، ليس قديساً، بل حدث، وحين يكون الإنسان حدثاً، فإن التاريخ يُعاد كتابته، رغبت بذلك أم لم ترغب.