حين يصفّقُ مبتورو الأيدي

صعب تحديد زمن ولادة "التصفيق" كلغة، ولكنه لغة، ربما كان لـ "نيرون" صلة بابتكارها، فالامبراطور الروماني المولع بنفسه، كان يصطحب معه في عروضه الخطابية مصفقين مأجورين، ومعه ربما لم يكن التصفيق تعبيراً عن الإعجاب، بل "صناعة"، نيرون هذا الذي "صنّع" التصفيق، هو من أحرق روما، ومازال التصفيق لغة مشمولة برعاية اباطرة زمننا، بمن فيهم أباطرة غرقت رؤوسهم ووجوههم في الوحول (هذا إذا كان لهم وجوهاً)
عندما يطيب لك الكلام عن التصفيق، كان عليك أن تدرك انها التكنولوجيا المتطورة وقد تحوّلت إلى تكنولوجيا معقّدة، وطقس سياسي يبدأ بوصفه تعبيراً عن الرضا، وينتهي بوصفه ماكينة لصناعة الوحش.
هو الحال كذلك، فجمهور المصفّقين لا يكتفي بتشجيع الزعيم، بل يعيد تشكيل وعيه، ويمنحه قناعة كاذبة يرى فيها ذاته متضخّمة، معصومة، فوق النقد، وفي اللحظة التي يصبح فيها التصفيق تلقائياً، جماعياً، إجبارياً، يتحوّل من تعبير عن رأي إلى عقد إذعان صامت، ومن مشاركة إلى تواطؤ، وربما كنا في سوريا، كما العراق، كما من المحيط إلى الخليج، نصفّق بلا توقّف، ومن بعد التصفيق يبدأ الزعيم بفقدان الإحساس بالحدود، فلا يعود يسمع سوى الصدى، ولا يرى سوى صورة نفسه مكبّرة، فيما تختفي ملامح البشر من حوله ليحلّ محلها جمهور بلا وجوه.
ـ هل التصفيق هو كل ذلك؟
نعم، هو وهم الإجماع، ووهم الإجماع أخطر من الكذب، لأنه يمنح الدكتاتور شعوراً أخلاقياً زائفاً: "الجميع معي، إذن أنا على حق"، وهكذا يبدأ التحوّل الأول من رئيس إلى معصوم لا يُسأل ولا يُحاسَب.
في ألمانيا الثلاثينيات، لم يصعد هتلر وحده، بل صعد على أكتاف حشود تهتف، تصفّق، وتؤمن أن الخلاص لا يأتي إلا عبره.. التصفيق الجماهيري لم يكن مجرد حماس، بل كان تفويضاً نفسياً مطلقاً، جعل الزعيم يرى في نفسه تجسيداً للأمة، ومن يعارضه خائناً لها.
اقرأ أيضاً:
من شكيب أرسلان إلى عبد الرحمن الكواكبي: الطائفة، الخوف، والمأزق السوري
هنا تبدأ البذرة المرضية:
ـ تضخّم الأنا، والشعور بالعظمة، والاعتقاد بأن الإرادة الشخصية تعلو على المصفقين.
مع الوقت، سيتحوّل هذا التضخّم إلى هشاشة داخلية، فالدكتاتور، رغم مظهره الصلب، كائن قلق، يعيش على الخوف من فقدان التصفيق، وحين يتراجع الهتاف، أو يظهر اعتراض، يفسّره بوصفه تهديداً وجودياً، لا اختلافاً طبيعياً.
هنا يدخل المرض النفسي السياسي:
ـ الارتياب، جنون الشك، هوس المؤامرة.
جوزيف ستالين، في سنواته الأخيرة، لم يعد يثق بأحد، حتى أقرب رفاقه، لأن التصفيق الذي صنعه، جعله يعتقد أن أي صمت هو خيانة.
ـ كان على رفاق السلاح أن يصفقوا له حتى وهو في سرير المرض.
والمرض هنا لن يظهر فجأة، بل يتغذّى على العزلة التي يصنعها المديح المفرط، حيث يُحاط الحاكم بدائرة من المهلّلين، ويُقصى كل صوت نقدي بوصفه خطراً.. فيتحوّل الزعيم إلى "العزلة"، وإلى وكما عنونه غابرييل غارسيا ماركيز:
ـ ليس ثمة من يكاتبه.
ومن المرض إلى القتل خطوة قصيرة، البشر يتحوّلون إلى أرقام، والمعارضون إلى "جراثيم"، والقتل إلى "ضرورة تاريخية".
في المانيا النازية، كما إيطاليا الفاشية، لم يكن التحريض وحده هو ما قاد إلى الإبادة، بل التصفيق الإعلامي والسياسي الذي حوّل القتلة إلى أبطال، وطمس الحدود بين الإنسان والعدو المتخيَّل، وفي مضارب العرب، رأينا كيف يتحوّل الحاكم، الذي صُنع من الهتاف، إلى آلة قمع حين يواجه أول "لا"، بكل ما في مخازنه من سلاح، حتى الكيماوي إن لزم الأمر.
التصفيق الذي رفعه، هو ذاته الذي يدفعه إلى البطش، لأنه علّمه أن الحب مشروط بالطاعة، وأن البقاء مرهون بالقوة.
التحوّل من إنسان عادي إلى متوحّش، لا يحدث لأن السلطة تُفسد كما حذرنا المؤرخ والفيلسوف البريطاني اللورد أكتون، بل لأن الجمهور يشارك في الفساد إن لم يكن ماكينته.. المصفّق يتنازل عن مسؤوليته الأخلاقية، ويسلّمها للزعيم، فيتحوّل الأخير إلى أب، وإله صغير، ومخلّص، وحين يُجرَّد الحاكم من النقد، يُجرَّد هو نفسه من فرصته في البقاء إنساناً، ليطيب له التحوّل إلى وحش إن شاء، وهكذا الوحش لا يولد، بل يُربّى، والتصفيق هو غذاؤه اليومي، لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع ليس صعود دكتاتور، بل صمت الناس حين ينبغي أن يتوقف التصفيق، ليبدأ السؤال.
بالوسع استحضار المثال، بل الأمثلة، من نيرون روما، إلى حارقي مدننا، حارقيها باللغة الصريحة والهتاف الصريح:" الأسد أو نحرق البلد"، ألم نقرأها ما قبل الحرائق ثم اندلعت النيران في ثيابنا وفي رؤوسنا وفي كل ما يتصل بأثاث حياتنا؟
التصفيق "صناعة"، ما كينة لانتاج الآلهة الصغار، وللقتلة الكبار، ولنأخذ سيرة صدّام حسين مثالاً، لا بوصفها سرداً تاريخياً، بل بوصفها رحلة تحوّل من إنسان جريح إلى كائن يتخيّل أنه يمسك بمفاتيح الحياة والموت.. إلى كائن:
ـ يحيي ويميت.
و :
ـ بقبضة شارب، بعد أن يمسح شاربيه براحة يده، وما زالت حفلة "قاعة الخلد" الدامية، موجودة على يوتيوب.
صدّام لم يولد ديكتاتوراً، وُلد طفلاً في بيئة قاسية، مشبعة بالعنف، بالإهانة، وبشعور دائم بالنقص، ولأم مطعون بأمومتها.
هذه النقطة أساسية، لأن الدكتاتور في الغالب ليس شخصاً واثقاً، بل شخصاً خائفاً من داخله، يحمل جرحاً قديماً لم يُشفَ، وحين دخل السياسة، لم يدخلها بوصفها فعل خدمة عامة، بل بوصفها تعويضاً نفسياً.. السلطة بالنسبة له لم تكن وظيفة، بل علاجاً ذاتياً من شعور دفين بالهوان.
هنا يأتي دور الجمهور، ودور الحزب، ودور الهتاف.. كل تصفيق كان بمثابة ضماد لجرح قديم، وكل هتاف كان يؤكد له أنه لم يعد ذلك الطفل المنسي.
ـ لكن التصفيق لا يشفي، بل يؤجّل الانفجار.
حين بدأ صدّام يتلقى التصفيق بوصفه "القائد الضرورة" مرفقاً بصرخة "يعيش يا.. يعيش يا"، لم يعد يسمع شيئاً آخر.. الدولة كلّها تحوّلت إلى مسرح، وهو بطل العرض الأوحد، الصحف، الأغاني، الصور، الشعارات، كلها تعيد إنتاج صورته بوصفه الأب، والمحارب، والحكيم، والشاعر أحياناً وإن كانت قصائده شديدة الازدراء للشعر، بل وروائي كذلك، وإن كانت فصوله الروائية ازدراء للرواية.
التصفيق في قاعة الخلد، لم يكن مجرد دعاية سياسية، بل تغذية مباشرة لنرجسية كان عليها أن تتضخم، فالنرجسية، حين تُغذّى بلا حدود، لا تنتج إنساناً سعيداً، بل تنتج شخصاً لا يحتمل الشك، ولا يقوى على النقد، ويعتبر أي اختلاف طعنة في ذاته الإلهية، فهو في "قاعة الخلد" يُحيي ويميت.
القذافي ذهب أبعد، حين اخترع "الكتاب الأخضر"، لا بوصفه نظرية سياسية فحسب، بل بوصفه نصاً مقدّساً بديلاً، يضعه في موقع النبي السياسي، وهنا يبدأ التحوّل الأخطر:
ـ حين لا يعود الحاكم بحاجة إلى شرعية خارج ذاته، يصبح هو مصدر الشرعية.
في هذه المرحلة، يتحوّل التصفيق إلى عبادة.. الجماهير لا تصفّق لأنها مقتنعة، بل لأنها خائفة، أو لأنها تريد البقاء، والدكتاتور، في المقابل، يفسّر هذا الصمت المصفّق بوصفه حباً، والحب المشروط بالقوة يولّد وهم الألوهية.. "أنا الدولة"، "أنا الشعب"، "أنا التاريخ"، وحين يواجه من وراء أسواره معارضيه يصرخ :
ـ من أنتم؟ من أنتم؟
والقذافي معذور، فالحاكم هنا لا يرى الناس كأفراد، بل كامتداد لجسده الرمزي، من يعارضه، كأنه يهاجم هذا الجسد، ومن يختلف معه، كأنه يشكّك في قدسيته، وحين يصل الدكتاتور إلى هذا المستوى، يصبح القتل فعلاً إدارياً، لا كراهية شخصية، ولا غضب لحظي، بل قرار بارد.
ـ صدّام لم يكن يقتل لأنه غاضب فقط، بل لأنه مقتنع أن له الحق.
ـ القذافي لم يطارد معارضيه لأنه مهدَّد فحسب، بل لأنه يرى نفسه معيار الوطن.
ـ بشار الأسد، لم يكن يقتل، كان يلهو بالقتل.
هنا تتحقّق القفزة النهائية:
ـ من إنسان متسلّط إلى كائن يتصرّف كإله.
والإله لا يبرّر، لا يعتذر، ولا يُسأل.. يميت ويحيي، لا لأنه شرير بالضرورة، بل لأنه لم يعد يرى الآخرين بشراً كاملين.
المأساة الكبرى أن هذا التحوّل لا يحدث في فراغ، فالجمهور شريك، ولو بالصمت.. كل مرة صُفّق فيها للخطاب، وكل مرة رُفعت فيها صورة، وكل مرة سُكِتَ عن إهانة أو اعتقال، كان يجري نزع طبقة جديدة من إنسانية الحاكم، وإلباسه رداءً أسطورياً، وحين سقطت هذه الأنظمة، لم يسقط الآلهة فقط، بل سقط الوهم الذي صنعهم.
وهكذا فالجثث التي تملأ الشوارع، والسجون التي تُفتَح، ستكون الشهادة المتأخرة على ثمن التصفيق الطويل.
الدكتاتور لا يولد وحشاً، لكنه يُدفع إلى التوحّش حين يُعفى من المساءلة، وحين يُحاط بالهتاف بدل الأسئلة، وأخطر ما في القصة أن الإله الذي يميت ويحيي، هو في العمق إنسان خائف، لكنه حين يُصدَّق طويلاً، يصبح الخوف سلاحاً، ويغدو الموت لغة حكم، لهذا، فإن مقاومة الدكتاتورية لا تبدأ بإسقاط الحاكم فقط، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبكسر طقس التصفيق، قبل أن يتحوّل مرة أخرى إلى نشيد جنائزي.
في النهاية، يحتاج القاتل إلى أيادٍ جاهزة للتصفيق، وحين يصبح التصفيق بديلاً عن التفكير، يتحوّل الجمهور من شاهد إلى شريك، ومن ضحية إلى حارس للساطور، عندها، لا يعود السؤال:
ـ لماذا قتل الزعيم؟ بل:
ـ لماذا أصررنا على التصفيق ؟
… لا يعود السؤال:
ـ لماذا قتل؟
بل:
ـ كم مرّة صفقنا كي يواصل القتل؟
ومن بعد القتل، سيتواصل التصفيق.
حتى البشر مبتورو الأيدي سيواصلون التصفيق،
ذلك أنهم:
ـ اعتادوه.
ألا ترى حال السوريين اليوم؟
يواصلونه، وهم:
ـ مبتورو الأيدي والوجوه.