info@suwar-magazine.org

سوريا التي يمتطيها الخوف... كلام لايرضي أحداً

سوريا التي يمتطيها الخوف... كلام لايرضي أحداً
Whatsapp
Facebook Share

 

 

لانعلم حقيقة أصابعنا وكيف نرفعها، هل نرفع إصبعنا الوسطى لما مضى من تاريخ البلد، أم نرفع شارة النصر المعهودة والتي لانعلم على وجه اليقين لما أخذت شكل الحرف اللاتيني إياه وقد رفعناها بصحبة السبابة كمؤشر على نصر لم تحمله الدولة البديلة بعد، وقد ورثت الدولة القديمة، دولة حافظ الأسد ثم دولة ابنه، بوصفهما دولة "إدارة جماعات" لا دولة مواطنين، ودولة خوف متبادل لا عقد اجتماعي؟

 

 

ألا يستدعي حالنا إعادة طرح السؤال:

ـ ما الذي كناعليه، طيلة مايزيد عن نصف قرن ونصف عقد؟

وهل يستدعي الحال استعادة سؤال:

ـ هل كنا في دولة الأقلية بالمعنى التبسيطي، أم كانت دولة سلطة أعادت تشكيل المجتمع كله بوصفه مادة للضبط، واستخدمت الأقليات لا لتحريرها ولا لتمكينها، بل لتحصين نفسها (وأعني تحصين سلطتها)؟

 

في وقائع التاريخ، حافظ الأسد بنى دولته على أنقاض دولة ما بعد الاستقلال التي فشلت في إنتاج شرعية مستقرة، أو ربما لم يتح لها ما يكفي من الوقت لتكون كذلك،  ومجمل ما فعله حافظ الأسد، لم يكن اختراع طائفية صريحة، بل بناء نظام أمني شديد الذكاء في استخدام التوازنات الطائفية والمناطقية.

 لم يقل للأقليات:

ـ أنتم شركائي.

 بل قال لهم ضمناً:

ـ أنا حمايتكم من المجهول.

وفي الوقت نفسه لم يقل للأكثرية:

ـ  أنتم خصومي، بل قال:

ـ أنا من يمنع الفوضى.

هكذا حوّل الدولة إلى وسيط خوف:

ـ كل جماعة تخاف الأخرى، والسلطة وحدها تبدو الضامن الوحيد لعدم الانفجار.

 

 

في هذا الإطار، لم تُعامل الأقليات بوصفها مواطنين متساوين مع الأكثرية، بل بوصفها مخزوناً احتياطياً للشرعية تم استيعاب أفراد منها في الجيش والأجهزة، لا على أساس الكفاءة أو التمثيل، بل على أساس الولاء الشخصي والارتباط العضوي بمصير النظام، وهكذا "حشى" ماكينته بكل نفايات الأقليات، ليخلق المفارقة القاتلة:

ـ أفراد من الأقليات صعدوا داخل بنية السلطة، لكن جماعاتهم بقيت مهمّشة سياسياً، بلا تمثيل مستقل، وبلا قدرة على التعبير عن نفسها خارج عباءة النظام، وبالنتيجة لم يحمِ الأقليات، بل صادرها.

 

 

الأخطر من ذلك أن الدولة الأسدية جرّدت الأقليات من إمكان السياسة.. لم تسمح لها بأن تكون فاعلاً وطنياً مستقلاً، ولا أن تطوّر خطاباً مواطنياً خاصاً بها، أن كل تعبير خارج النسق الأمني، كان يُعامل كخيانة أو مؤامرة، وبهذا المعنى، لم تكن الأقليات شريكة في الدولة، بل رهينة لها.. حمايتها كانت مشروطة بالصمت، ووجودها مرهون ببقاء النظام.

 

 

مع بشار، لم يتغيّر هذا المنطق، بل مُسخ، وتآكلت كفاءته، فالدولة التي ورثها كانت دولة ضبط لا دولة مؤسسات، وحين واجهت أول اختبار اجتماعي واسع، لم تجد سوى الأدوات نفسها:

ـ التخويف، والتطييف الضمني، وتسليح الذاكرة بكل مايعطب الذاكرة.

 

اقرأ أيضاً: 

   

                 الدولة الدينية.. العدو شرط بقاء، باسم الله ودون علم الله

  

                            عن الدكتاتور الذي يتبوّل في فراش امّه

 

 

في السنوات الأولى للثورة، لم يكن خطاب النظام طائفياً مباشراً، لكنه ترك الطائفية تعمل كسمّ بطيء.. قدّم نفسه مجدداً بوصفه السدّ الأخير أمام انهيار الأقليات، وسمح، أو عجز، عن منع تحوّل الصراع إلى صراع هوياتي، هنا انتقل من إدارة الخوف إلى إنتاجه، ساعده في ذلك فصائل من الثورة، رفعت هتافاتها عالياً "العلوي إلى التابوت والمسيحي إلى بيروت"، لتكون المحصلة هي "ماجرى".

ـ وما جرى بعد ذلك كان كارثياً على الأقليات نفسها.

 

 

رُبط مصيرها، في الوعي العام، بمصير النظام، رغم أن كثيرين منها لم يكونوا جزءاً من قراره ولا من جرائمه.. تحوّلت من جماعات تبحث عن الأمان داخل دولة، إلى جماعات يُنظر إليها بوصفها كتلة واحدة متماهية مع السلطة، وهذا ليس فقط ظلماً أخلاقياً، بل جريمة سياسية ارتكبها النظام بحق من ادّعى حمايتهم، وتحت زيف شعار دولته:

ـ الدولة العلمانية.

 

دولة علمانية؟!

لابد أن المفردة إياها تتطلب إشارة استفهام تتلوها إشارة تعجب، ذلك أن "دولته" لم تفصل بين الدولة والهويات، بل جمّدت الهويات تحت سقف أمني، ولم تكن دولة طائفية صريحة، لكنها استخدمت الطائفية كأداة صامتة.

ـ هي دولة ألغت السياسة، فاستيقظت الهويات.. ألغت المواطنة، فاستيقظ الانتماء البدائي، وحين سقط القناع، لم يبقَ سوى العراء.

في المحصلة، موقف دولة حافظ الأسد وابنه من الأقليات لم يكن موقف حماية ولا اضطهاد مباشر بالمعنى الكلاسيكي، بل موقف استخدام.

استخدمتها درعاً، واستخدم خوفها، واستخدم وجودها الرمزي ليبرّر بقاءه. والنتيجة أن الأقليات خرجت من التجربة أكثر هشاشة، وأكثر عزلة، وأكثر خوفاً من أي وقت مضى، وهذا ربما أخطر ما فعلته هذه الدولة:

ـ أنها جعلت الأقليات تخاف من سقوطها، كما جعلت الأكثرية تخاف على بقائها.

 

 

 

الدولة التي تُبنى على الخوف لا تحمي أحداً.. هي فقط تؤجل الانفجار، وتضمن أن يكون حين يقع أعمق وأقسى، وسوريا اليوم تدفع ثمن دولة لم ترَ في الأقليات مواطنين، ولا في الأكثرية شركاء، بل رأت في الجميع مواد لإدامة سلطة بلا أفق، ولا فضاء سوى "الخوف".

ـ خوف الجار من الجار، وخوف الجميع من المقصلة.

 

 

وهكذا سقط "الأسد" اما دولته فلم تسقط أبداً، ذلك أنها حملت كل أجّنته المعطوبة، الأجنّة المسخ، واليوم يأتي السؤال، ويستولد معه ما يزيد من الأسئلة:

ـ ما حال حوار الطوائف في سوريا؟

 

ما بعد سقوط نظام الأسد، دخلت الطوائف زمن العراء، بعد أن سقط السقف الذي كان، (على ردّاءته وقسوته)، يفرض شكلاً من أشكال الضبط، ولم تُبنَ بعده دولة جديدة قادرة على احتواء الخوف المتراكم.. هكذا وجدت الطوائف نفسها فجأة خارج معادلة السلطة، لكنها أيضاً خارج أي عقد وطني واضح، عارية أمام ذاكرة لم تُعالَج، وسلاح لم يُضبط، وخطاب عام مشحون بالثأر والشك.

 

 

الأقليات الدينية والقومية لم تنظر إلى سقوط النظام بوصفه خلاصاً خالصاً، بل بوصفه لحظة التباس قصوى، فسنوات طويلة من ربط مصيرها ــ قسراً أو ضمنياً ــ ببقاء الدولة الأمنية، جعلتها تدرك أن سقوط النظام لا يعني تلقائياً سقوط منطق الانتقام، على العكس، كثيرون داخل هذه الجماعات شعروا أنهم انتقلوا من موقع "المحمي" إلى موقع "المتهم"، لا كأفراد، بل كجماعات كاملة يُعاد تعريفها أخلاقياً وسياسياً دفعة واحدة.

 

 

المجازر التي وقعت في الساحل ثم في السويداء لم تكن مجرد أحداث دموية معزولة، بل لحظات كاشفة.. في الساحل، حيث تداخلت الطائفة مع صورة النظام في الوعي العام، تحوّل العنف إلى فعل عقابي جماعي، لا يميّز بين من كان جزءاً من آلة القمع ومن كان ضحيتها الصامتة.. الخوف هنا لم يكن فقط من القتل، بل من الرسالة:

ـ أن الانتماء وحده يمكن أن يكون تهمة كافية.

 

 

 أما في السويداء، فقد انكشفت هشاشة الوعد الوطني بأوضح صورها:

ـ جماعة حاولت، طوال سنوات، أن تبقى على مسافة من الدم، وأن تحمي خصوصيتها دون الانفصال، وجدت نفسها فجأة مكشوفة أمام فوضى السلاح، وغموض السلطة، وغياب أي ضمانة حقيقية للحياة والأمان، ومعه ولد سؤال:

ـ من يحمينا؟ ومن يحاسب من يقتلنا؟ ومن يضمن ألا يتحول الغضب المشروع إلى عقاب أعمى؟

 

وفي هذا المناخ ولد سؤال الانفصال، لا بوصفه مشروعاً سياسياً ناضجاً، بل بوصفه فكرة دفاعية، فكرة يائسة أكثر مما هي طموحة.

لكن هذا الخيار، على ما يحمله من إغراء لحظي، يفتح أسئلة أخطر: ـ هل الانفصال يحمي الأقليات أم يعزلها أكثر؟ هل الكيانات الصغيرة قادرة على الصمود في محيط إقليمي شرس، أم أنها تتحول إلى ساحات نفوذ مفتوحة؟ وهل يتحول الخوف، حين يُترجم جغرافياً، إلى أمان، أم إلى سجن جديد؟

 

 

 

التجارب القريبة تقول إن الانفصال لا يوقف العنف، بل يعيد توزيعه، ولا يلغي الصراع، بل ينقله إلى حدود جديدة، غالباً أكثر دموية، والأخطر من كل ذلك أن التفكير بالانفصال، حين يصبح خطاباً عاماً، يكرّس منطق الجماعات المغلقة، ويقضي نهائياً على فكرة المواطنة، فحين تبدأ كل جماعة بالبحث عن خلاصها الخاص، يصبح الوطن مجرد ذكرى لغوية، وتتحول السياسة إلى إدارة خوف دائم.

 

 

ما حدث في الساحل والسويداء ليس حجة للانفصال، بل إدانة صريحة لغياب الدولة، وهو يقول بوضوح إن المشكلة ليست في العيش مع الآخرين، بل في غياب عقد يحمي الجميع دون تمييز.

وهنا سيكون السؤال:

 



ـ ثمة أقليات في هذا العالم، عانت من الاضطهاد العنصري أو الديني، هل ذهبت للانفصال عن الدولة المركزية والاحتراب معها، أم عثرت على حلول جنبتها الاحتراب والانفصال؟

 

هذا السؤال لا يُجاب عنه بالإحصاء ولا بالمقارنة السريعة، لأنه يمسّ جوهر العلاقة بين الألم والخيال السياسي، بين الاضطهاد بوصفه تجربة معيشة، والانفصال بوصفه حلاً متخيَّلاً.

تاريخ الأقليات يقول لنا شيئاً أكثر تعقيداً من الثنائية الساذجة:

ـ انفصال أو خضوع.

ففي الغالب، لم يكن خيار الأقليات نتاج رغبة نقية، بل نتيجة انسداد أو انفتاح في بنية الدولة نفسها.

 

 

 

ثمة أقليات دفعتها الدولة المركزية، بوعي أو بعمى، إلى الانفصال والاحتراب، فحين تُغلق السياسة أبوابها، ويتحوّل القانون إلى أداة إقصاء، وتُصادَر اللغة والذاكرة والرموز، يصبح الانفصال أقل شبهاً بمشروع سياسي وأكثر شبهاً بردّ فعل وجودي.. هنا لا تعود الدولة إطاراً مشتركاً، بل قوة غريبة، ويغدو العيش داخلها ضرباً من العيش داخل قفص.

 

في هذه الحالات، لم تبدأ الأقليات بالانفصال، بل بدأت الدولة بالانفصال عنها، أخلاقياً، ثم قانونياً، ثم إنسانياً، فالاحتراب لم يكن اختياراً بقدر ما كان نتيجة تراكمية لسنوات من الإذلال والخوف والإنكار.

 

 

لكن في المقابل، ثمة أقليات عانت اضطهاداً لا يقل قسوة، ومع ذلك لم تذهب إلى الانفصال، لا لأنها كانت أقل ألماً، بل لأنها عثرت ، أو فُتح لها  أفق آخر،  هذا الأفق لم يكن أخلاقياً فقط، بل مؤسسياً:

ـ دولة أعادت تعريف نفسها لا بوصفها هوية مغلقة، بل عقداً مفتوحاً.

في هذه التجارب، جرى تحويل الصراع من سؤال "من نحن؟" إلى سؤال "كيف نعيش معًا؟".

لم تطلب من الأقليات التضحية بذاتها كي تُقبل، بل جرى توسيع معنى الدولة بحيث تتسع لها.. الاعتراف، والعدالة الانتقالية، واللامركزية، والضمانات الدستورية، والتعليم المتعدد.

 لم تكن تنازلات بل أدوات إنقاذ، أنقذت الدولة من التفكك كما أنقذت الأقليات من اليأس.

 

 

لهذا يمكن القول إن الانفصال ليس قدر الأقليات، بل فشل الدول، وفشل الدول هنا ليس إدارياً أو أمنياً، بل فشل في تخيّل نفسها بوصفها فضاءً أخلاقياً مشتركاً، لا سجناً كبيراً تُدار فيه الاختلافات بالعصا، وحين تنجح الدولة في هذا الخيال، تختار الأقليات البقاء لا خوفاً بل اقتناعاً، وحين تفشل، لا يكون الاحتراب خروجاً على الدولة، بل شهادة قاسية على أنها لم تكن دولة للجميع منذ البداية.

 

حين نضع سوريا داخل هذا السياق، يتضح أن السؤال ليس:

ـ هل ستنفصل الأقليات أم لا؟

بل:

ـ أي دولة تُعرض عليها اليوم؟

سوريا، منذ عقود، لم تكن دولة جامعة بقدر ما كانت دولة إدارة خوف. النظام لم يحكم باسم أقلية، لكنه استخدم خوف الأقليات، كما استخدم سحق الأكثرية، ليصنع توازن رعب لا عقد مواطنة، وعندما انفجر البلد، لم يكن الانفجار طائفياً في بداياته، بل تحوّل طائفياً حين انهارت السياسة وبقي السلاح والذاكرة.

 

 

اليوم، الأقليات في سوريا ( دينية وقومية ) لا تعيش هاجس الانفصال بقدر ما تعيش هاجس الفناء أو الانتقام أو الإلغاء، وهذا فارق جوهري..

الانفصال لا يصبح فكرة جذابة إلا حين تغيب أي ضمانة للحياة الكريمة داخل الدولة، وحين تُطرح الدولة المقبلة بوصفها "دولة غالب ومغلوب"، أو "دولة ثأر"، أو "دولة هوية واحدة"، فإنها تدفع الأقليات دفعاً نحو الاحتماء بالجغرافيا والسلاح والخصوصية المغلقة.. لا لأنهم يريدون الانفصال، بل لأنهم لا يرون دولة يعودون إليها.

 

 

ما تحتاجه سوريا ليس خطاب طمأنة عاطفي، بل مشروع دولة يعترف صراحة بأن ما جرى لم يكن مجرد "أزمة" بل جريمة تاريخية، وأن إعادة العيش المشترك لا تتم عبر النسيان القسري ولا عبر فرض الأكثرية العددية، بل عبر عقد جديد:

ـ  لامركزية حقيقية، مساواة قانونية لا رمزية، حماية دستورية للثقافات واللغات، وعدالة انتقالية لا انتقامية.. أي شيء أقل من ذلك سيُبقي سؤال الانفصال معلّقاً، حتى لو لم يُطرح علناً.

 

 

ستكون قراءة سوريا أشدّ تعقيداً وقد باتت ملعباً دولياً وإقليمياً لا تُخمّد نيرانه، فقراءة مستقبل البلد على ضوء اللعبة الدولية لا يمكن أن تكون نبوءة، بل تفكيكاً لمصالح متقاطعة تتحرّك فوق جسد دولة منهكة.

 

 

سوريا اليوم ليست فقط ساحة داخلية مأزومة، بل عقدة جيوسياسية تُدار ببرود، فيما تُترك الأسئلة الوجودية للسوريين معلّقة، وما ينبغي قوله بوضوح منذ البداية:

ـ لا دولة في الإقليم أو خارجه تعمل من أجل "سوريا المستقبل" بوصفها كياناً أخلاقياً أو وطنياً موحّداً؛ فالجميع يعمل من أجل منع سيناريو يهدد مصالحه، أو لفرض سيناريو يخدمها.

 

 

ماذا عن إسرائيل تركيا

إسرائيل، في هذا السياق، لا تفكّر بسوريا كدولة يجب أن تقوم أو تسقط، بل كساحة يجب أن تبقى غير قادرة على التحوّل إلى خطر، مصلحتها الجوهرية ليست التقسيم الرسمي ولا الوحدة الوطنية، بل سوريا ضعيفة، مفتوحة، بلا جيش مركزي فاعل، وبلا قرار سيادي مستقل.. تريدها:

ـ دولة منهكة لكنها قابلة للضبط.

لذلك، لا تدفع إسرائيل علناً نحو الانفصال، لكنها لا تعارض تفكك الأمر الواقع، ولا ترى في اللامركزية المشلولة أو الكيانات الهشّة خطراً عليها.

ـ كلما طال غياب الدولة الجامعة، كلما ارتاحت.

 

الخطر الوحيد بالنسبة لها هو عودة سوريا بوصفها دولة قادرة على إنتاج سياسة، لا مجرد إدارة أزمات، لهذا تُبقي خطوط النار مضبوطة، وتمنع تحوّل الفوضى إلى حرب إقليمية شاملة، لكنها لا تساهم في أي مسار حقيقي لإعادة بناء دولة ذات سيادة، بل العكس كلّه.

 

 

تركيا، على الضفة الأخرى، تنظر إلى سوريا من عدسة مختلفة ولكن لا تقل براغماتية.. هاجسها المركزي ليس الدولة السورية بحد ذاتها، بل المسألة الكردية، كل ما عدا ذلك قابل للتفاوض، لذلك، هي مع وحدة سوريا لفظياً، لكن وحدة مشروطة:

ـ دولة مركزية ضعيفة أو مُعاد تشكيلها بطريقة تمنع أي كيان كردي ذي معنى سياسي مستقل.. تدخلها العسكري، نفوذها الاقتصادي، وإدارة مناطق كاملة، ليست خطوات عابرة، بل محاولة طويلة الأمد لإعادة رسم الشمال السوري بوصفه عمقاً أمنياً وسوقاً ومجال تأثير.

تركيا لا ترغب في تفكك شامل، لأنه يخلق فوضى غير قابلة للضبط، لكنها لا ترغب أيضا ً في دولة سورية قوية، لأنها ستطالب بحدودها وسيادتها.

 

 

ـ وماذا عن إيران وروسيا؟

إيران وروسيا شكّلتا، ولا تزالان، عموداً لبقاء النظام، لكن لكل منهما حساب مختلف.. إيران ترى سوريا حلقة في سلسلة إقليمية، لا دولة قائمة بذاتها، مصلحتها في الإبقاء على بنية تسمح لها بالحركة العسكرية والعقائدية، لا في قيام دولة وطنية حديثة قد تضع حدوداً لوجودها.

 

أما روسيا، فتنظر إلى سوريا كمنصة نفوذ دولي، لا كمسألة سورية داخلية. هي مع "الدولة" بوصفها إطاراً شكلياً يضمن قواعدها ومكانتها، لكنها غير معنية بنوعية هذه الدولة ولا بعقدها الاجتماعي.. ما يهمها هو الاستقرار بالحد الأدنى الذي يمنع الانهيار الكامل، لا العدالة ولا المصالحة.

 

أما الولايات المتحدة، في المقابل، فهي تدير الملف السوري باعتباره ملفاً ثانوياً، هدفه منع الأسوأ لا صناعة الأفضل:

ـ منع عودة داعش، تحجيم إيران، وضبط التوازن مع روسيا وتركيا.

 لا مشروع أمريكي لسوريا، بل إدارة مزمنة للأزمة، وهذا الفراغ في الرؤية يفتح المجال أمام القوى الإقليمية لتثبيت وقائع طويلة الأمد.

 

 

في ضوء هذه اللعبة، ما السيناريوهات المرسومة لسوريا؟

ثلاثة مسارات محتملة لسوريا، وكلها مرهونة بتوازن الخارج أكثر مما هي بإرادة الداخل.

ـ  الأول هو استمرار حالة "اللا دولة"، ما يعني كيان اسمي، مناطق نفوذ، مركز عاجز، واقتصاد حرب، وهذا السيناريو هو الأكثر راحة للقوى الإقليمية، لأنه يحقق الحد الأدنى من مصالح الجميع دون حسم.

ـ الثاني هو تفكك أمر واقع يتكرّس مع الزمن دون إعلان رسمي: لامركزيات متصلّبة، هويات مسلّحة، وحدود داخلية غير مرئية، وهذا السيناريو لا يُعلن تقسيمًا، لكنه يُنتج بلدًا لا يمكن لمّه لاحقًا.

ـ الثالث، وهو الأضعف حظًا لكنه ليس مستحيلًا، هو إعادة بناء دولة سورية جديدة عبر تسوية دولية كبرى، تُغلق الملف بوصفه عبئاً طويل الأمد، لكن هذا يتطلب تغيراً في أولويات اللاعبين، لا في خطابهم فقط.

 

بالمحصلة فإن مستقبل سوريا لن يُحسم بسؤال "من ينتصر؟" بل بسؤال "هل يُسمح لسوريا أن تقوم أصلاً؟".

وفي ميزان القوى الحالي، سوريا مسموح لها أن تبقى، لا أن تنهض. التحدي الحقيقي ليس مواجهة هذه اللعبة، بل فضح منطقها، وبناء مشروع دولة يجعل من استمرار العبث الخارجي عائقاً لا فرصة، دون ذلك، ستظل سوريا ساحة تُدار، لا وطناً  يُعاد انتاجه.

كل ما سبق قد يكون عامله الحاسم في الأيدي الإسرائيلية، تلك الأيدي التي تعبث بما تبقّى من مصائرنا وأروحنا، ولا مانع من إضافة:

ـ وكرامتنا.

و... ثمة ما يستدعي بعض السريالية في قراءة المشهد:

ـ لو كان باروخ سبينوزا في زمننا لسأل:

ـ من حوّل هذا البلد من أريكة لبردى والفرات، إلى أريكة للحاخامات.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard