info@suwar-magazine.org

الدولة الدينية.. العدو شرط بقاء، باسم الله ودون علم الله

الدولة الدينية.. العدو شرط بقاء، باسم الله ودون علم الله
Whatsapp
Facebook Share

 

 

    فصل من حوار داخل جدران مغلقة

 

 

 

كل مشروع دولة دينية يزعم أنه يرمّم وحدات متصدعة، لكنه في بنيته ينتج نقيض ما يدّعيه، ذلك أن تحويل النص المقدّس إلى أداة حكم ينقل الدين من حقل الاعتقاد إلى حقل القوة، وهو انتقال بالغ الخطورة، لأنه يجعل الخلاف في تأويل النص خلافاً سياسياً مسلّحاً لا جدالاً فقهياً أو لاهوتياً.

 

 

عبر التاريخ الحديث، لا نجد مثالاً واحداً نجحت فيه الدولة الدينية في خلق وحدة اجتماعية طويلة الأمد، على العكس، كل التجارب تؤدي إلى تذرّر المجتمع وخلق طبقات جديدة من العنف المؤسّس على الحق الإلهي.

 

 

 

الدولة الدينية الحديثة: من إيران إلى أفغانستان

 

1 – إيران بعد 1979: توحيد بالقسر، وتفكيك بالممارسة:

الثورة الإيرانية رفعت شعار الأمة الموحّدة تحت ولاية الفقيه، لكن الولاية ذاتها صارت محوراً لصراعات عميقة بين رجال الدين، وبينهم وبين مؤسسات الدولة الحديثة.

 

النتيجة:
ـ انقسام اجتماعي عمودي بين "أهل الثورة" و"أهل الدولة".  
بالإضافة إلى تفكك قومي (الأكراد، البلوش، العرب)، لأن الدولة الدينية احتكرت تعريف الوطنية بحدود الولاء الديني.

 

عملياً من يعرف أحول إيران يعرف كيف تحولت إيران عملياً إلى نموذج يُظهر أن الدولة الدينية تؤدي حتماً إلى مركزية قسرية يعقبها تمزق متواصل.

 

ـ هل انتصر الدين؟

تعالوا إلى العفيف الأخضر، لنستطلع معاً، ما هي منعكسات "حراس الدين" على الدين؟

ما هي الموارد التي يحققونها لقداسة الدين؟

ما القداسة التي ينتزعونها من الدين؟

في إيران، حيث كل تعبير حر عن غرائز الحياة يُعاقب بالسجن والجلد والرجم، هي حقيقة "روح الحقبة" التي تعلو ولا يُعلى عليها.. الحداثة التي حاولوا سد منافذها بالحدود الشرعية الفتاكة، تسللت إليهم من حيث لا يحتسبون (والكلام هنا للعفيف).

 

 

حدث ذلك قبل إيران في السودان، فالمحامية السودانية المهددة بـ 40 جلدة رفضت عفو الرئيس السوداني عنها وهي مصرّة على حضور المحكمة بالبنطلون الذي يجرمه القانون الإسلامي، ودعت السودانيين إلى مشاهدة حفلة جلدها بعد صدور الحكم عليها... مطلبها الوحيد هو إلغاء هذا القانون الإسلامي.

 

في غزة، نقابة المحامين ولجنة حقوق الإنسان والإعلاميون والمثقفون في غزة أدانوا قانون حماس الاسلامي التفتيشي.

ولنعد إلى إيران، فعن إيران حدث عن مقاومة الشريعة ولا حرج:

ـ  قبل منع الاختلاط في المدارس والجامعات كان الشباب المدرسي والجامعي لا يمارس الجنس إلا بعد 3 شهور من التعارف في المتوسط، أما بعد منع الاختلاط فأصبح يمارسه منذ اللقاء الأول.

 

ـ في عهد الشاه كان معدل البغاء في إيران أقل بكثير من المعدلات العالمية، أما بعد فرض الحدود الشرعية العتيقة فقد تحولت إيران، بشهادة صحافتها، إلى ماخور بلا جدران تُمارس فيه كل ألوان "الرذيلة" تحت سمع وبصر ميلشيات "الفضيلة"!

 

ـ يرفض سائقو التاكسي التوقف لنقل رجال الدين، ومنذ السنوات 1990 لم يعد اسمي إسماعيل والحسين شائعين بين المواليد الجدد، فقد عُوضا باسمين وثنيين : داريوش (اسم لملوك الأسرة الإخمينية) وأراش (البطل الأسطوري الذي رسم حدود إيران بأربع حجرات رماها في الاتجاهات الأربعة).

محاربة لهذه العودة إلى الأسماء ما قبل الإسلامية، أصدرت الجمهورية الإسلامية قانوناً يمنع تسجيل الأسماء غير الإسلامية!

 

 

ـ تركت غالبية المؤمنين خاصة في المدن شعائر الإسلام.. الجامع الذي كان يصلى فيه، في عهد الشاه، بين 3 و5 آلاف مصل لم يعد يصلي فيه إلا 15 صلاة الصبح و25 صلاة الظهر، ولأول مرة عرفت إيران ظاهرة الجوامع والمساجد الفارغة من المصلين.. سنة 2000 كشف نائب رئيس بلدية طهران، حجة الإسلام علي زم، في تقرير البلدية السنوي أن 75% من الشعب و 86% من الطلبة تركوا الصلاة.. رداً على هذا الترك الجماعي لـ"عماد الدين" رصدت الجمهورية الإسلامية شهر أكتوبر من كل عام للحث على الصلاة.

 

ـ في ختام ولايته، اعترف الرئيس خاتمي للسفير الألماني في بلاده بأن نسبة من يصومون رمضان هي 2% فقط، وكانت في عهد الشاه أكثر من 80%.

 

 

ـ أجرت المستشرقة الفرنسية ، مارتين غوزلان، تحقيقاً عن الثورة الإسلامية نشرته الأسبوعية الفرنسية "ماريان" عنوانه الفرعي "30 عاماً من الثورة الإسلامية: 30% من الملحدين"! (وكان التحقيق لمناسبة مرور ٣٠ عاماً على انتصار الخمينية في إيران).

النسبة هائلة في مجتمع إسلامي شبه تقليدي خاصة، إذا علمنا أن 25% فقط من الأوربيين يقولون أنهم لا دين لهم و6% فقط يقولون أنهم "ملحدون مقتنعون".

 

 ألا يحق لرئيس "اتحاد الملحدين بفرنسا" أن يصرخ مبتهجاً: "مرحباً بالثورة الإسلامية حتى في فرنسا" حيث نسبة الملحدين أقل بكثير منها في الجمهورية الإسلامية.

 

فمن الذي هزم مشروع الإسلام السياسي؟ ليس قطعاً المخابرات البريطانية ولا المخابرات الأميركية بل هو "الجنرال" حداثة أبو السلاح الضارب، ثورة الاتصالات، التي قضت على قابلية المجتمعات المغلقة للحياة.

 

 

الإسلام السياسي بمشروعه المضاد للحداثة، لا يملك مجتمعاً بديلاً لمجتمعه الإسلامي المغلق تعريفاً إلا إذا غير طبيعته، أي تخلى عن الشريعة بما هي "الولاء والبراء" أي كراهية الكفار ومن يتحالف معهم من المسلمين،  و"الجهاد إلى قيام الساعة" وتطبيق للحدود الشرعي.

 

اقرأ أيضاً:

  

     

                            عن الدكتاتور الذي يتبوّل في فراش امّه

   

                             الأرض ليست لك.. الماء هو وطنك

 

 

2 – أفغانستان: الدولة الدينية بوصفها نفياً للدولة

طالبان ليست دولة دينية فحسب، بل هي نموذج لابتلاع الدين لمفهوم الدولة
ففي كل المراحل (1996 – 2001 ثم 2021 حتى اليوم)، قامت طالبان على:

ـ إقصاء كل تنوّع مذهبي وقومي.

ـ غياب أي مؤسسات بيروقراطية حديثة.

ـ احتكار التأويل الديني عبر نخبة ضيقة من "العمائم".

نتيجة ذلك أن الدولة تُعاد إنتاجها كجماعة مغلقة، أي أنها عودة إلى ما قبل الدولة، وبالتالي فإن المجتمع ينقسم إلى:

ـ مجتمع طاعة.

ـ مجتمع مقاومة.

والاثنان لا يصنعان وحدة، بل صراعاً مستمراً.

 

 

 الدولة الدينية تُفرز "عدواً داخلياً" دائماً

أي دولة حديثة تبحث عن شرعية قانونية، أما الدولة الدينية فتبحث عن عدو، لأن العدو هو الذي يبرّر لها وجودها.

في جميع التجارب نرى هذا النمط:

إيران: "المعادون للثورة"، "المنحرفون عقائدياً".

السعودية في مراحلها الوهابية الأولى: "أهل البدعة"، "الروافض". داعش: "المرتدون"، "الروافض"، "العلمانيون".

السودان في عهد نميري ثم البشير: "العلمانيون"، "الكفار"، "الخوارج".

ليس مهمّاً حجم العدو، بل وجوده، فالعدو هو شرط بقاء، لأنه يضفي قداسة على الصراع السياسي ويجعله "حرباً من أجل الدين"، وباسم "الله"، و"بسيف الله"، ودون علم الله.

والنتيجة دائمًا هي تفكك اجتماعي لا ينتهي، لأن المجتمع يُقسَّم وفق معيار ديني لا سياسي.

 

 

الدولة الدينية وتدمير المجال العام

الدولة الحديثة تقوم على:

ـ حرية الرأي.

ـ التنافس الحزبي.

ـ المجال العام المفتوح.

بينما الدولة الدينية تدمّر العناصر الثلاثة معاً، لأنها تقوم على:

."ـ رأي واحد "حق

."ـ حزب واحد مُفوض "ربانياً

."ـ مجال عام مضبوط بـ "العقيدة

 

ومن هنا تنشأ دينامية التصحّر السياسي، مثلما حدث في السودان (1989 – 2019) حيث تم تحويل المجتمع إلى “جبهة” واحدة ينعدم فيها التنوع السياسي، ثم يبدأ التصدّع من الداخل، حتى انفصل الجنوب تماماً.

 

 

. البنية الداخلية للكهنوت السياسي

كل دولة دينية تنتهي إلى طبقة كهنوت سياسي، حتى لو لم تعلن ذلك:

ـ رجال دين يتحولون إلى بيروقراطيين.

ـ أمن عقائدي يتغلغل في مؤسسات الدولة.

ـ تفسيرات تُفصَّل على مقاسات السياسة.

ـ فقه يطوّع الواقع لصالح السلطة لا لصالح المجتمع.

 

 

هذه البنية تنتج تناقضاً بنيوياً:
ـ الدين يدّعي الثبات، بينما الدولة تحتاج إلى التغيير
ـ وحين يدخل الثباتُ في بنية السلطة، تُشلّ مؤسسات الدولة.

هذا ما حدث في إيران، وما حدث في أفغانستان، وما حدث سابقاً في السودان، وما حاولت داعش فرضه عبر العنف اللامحدود.

 

 

. لماذا تفشل الدولة الدينية دائماً؟

يمكن تلخيص الأسباب في أربع نقاط صارمة:

ـ لأنها تستبدل العقد الاجتماعي بالعقد العقائدي.

ـ لأنها تلغي التنوع البشري لصالح "الجماعة المؤمنة".

ـ لأنها تُحوِّل السياسة إلى صراع لاهوتي لا حلّ له.

ـ لأنها تحتاج إلى عدو داخلي دائم لضمان بقائها.

 

واظن أن السبب الأخير يستلزم التوسع، فالدولة الدينية تفشل لأنها لا تستطيع أن تحيا إلا في مناخ تهديد دائم، ولأن شرعيتها لا تقوم على الإنجاز أو العقد الاجتماعي أو الرضا العام، بل على فكرة الحماية:

ـ حماية الدين، حماية العقيدة، حماية الهوية المقدسة.

وهذه الحماية لا يمكن أن تُبرَّر سياسياً إلا بوجود عدو مستمر، محسوس أو متخيَّل، خارجي أو داخلي، غير أن العدو الخارجي، مهما طال أمده، لا يكفي وحده لضمان تماسك السلطة، إذ قد تخف حدته، أو تُفرض تسويات، أو يعتاده المجتمع، فتفقد السلطة قدرتها على التعبئة القصوى، عند هذه النقطة، تلجأ الدولة الدينية بالضرورة إلى إنتاج عدو داخلي دائم، لأنه الأكثر فاعلية في ضبط المجتمع وإبقائه في حالة خوف واستنفار.

 

 

تكمن خطورة هذا النمط في أن الدولة الدينية لا تستطيع، بنيوياً، أن تعترف بأن الخلاف سياسي أو اجتماعي، لأن الاعتراف بذلك يعني الإقرار بأن السلطة بشرية وقابلة للنقد، لذلك يُعاد توصيف كل خلاف بوصفه تهديداً للدين نفسه، لا للنظام السياسي فقط، وهكذا يصبح الصراع مع الخصم الداخلي صراعاً وجودياً لا يقبل التسوية: لا تفاوض مع «الضال»، ولا شراكة مع «المنحرف»، ولا حقوق كاملة لمن يُشتبه في عقيدته أو ولائه العقدي، السياسة تُلغى، ويحل محلها منطق التطهير.

 

 

بهذا المعنى، لا تفشل الدولة الدينية لأنها قاسية فحسب، بل لأنها لا تستطيع أن تعيش دون خصم داخلي، ودون أن تجعل جزءاً من مجتمعها في موقع الاتهام الدائم، وهذا ما يجعل فشلها حتمياً، فالدولة التي تقوم على الخوف لا يمكن أن تنتج استقراراً، والدولة التي تبني شرعيتها على العداء لمواطنيها تنتهي، عاجلاً أم آجلاً، إلى تدمير ذاتها، وإلى تشويه المقدس الذي زعمت أنها قامت لحمايته.

وهذه العناصر الأربعة تتكرر حرفيًا في كل التجارب من إيران إلى طالبان إلى داعش إلى السودان.

 

 

أمثلة تاريخية ومعاصر:

 

1 – الملوك الإلهيون في مصر القديمة

بُنِيَت شرعية الفرعون على أساس لاهوتي؛ هو إله أو ابن إله، هذه الشرعية مكّنته من حكم مطلق لكنه عطّل تطور مؤسسات رقابية أو تشريعية، ومع توسّع الدولة وتعقّد مجتمعها، لم تعد الشرعية الطقسية قادرة على مواكبة تحديات الإدارة، خصوصًا خلال فترات الاضطراب الاقتصادي والهجرات، هنا يظهر الفشل البنيوي؛ الدولة الأسطورية لا تستطيع إدارة واقع شديد التحول.

 

 

2 – أوروبا الوسيطة والحق الإلهي للملوك

 تشكّل الحق الإلهي للملوك، محاولة لإسناد السلطة على أساس عقائدي، لكن مع نمو المدن والتجارة والطبقات المهنية، صار هذا الأساس غير كافٍ لإدارة المصالح الجديدة، فانفجرت سلسلة من الصراعات انتهت بثورات سياسية أدت إلى نزع الطابع الديني عن السلطة وبداية الدولة الحديثة.

 

 

3 – الجمهورية الإسلامية في إيران

النموذج الإيراني مثال حيّ لتناقض العقد العقائدي مع الدولة الحديثة:

الدستور يطرح ثنائية: "ولاية الفقيه" فوق كل السلطات، و"مؤسسات منتخبة"،  في الأسفل.

هذه الازدواجية تؤدي باستمرار إلى صدام بين الإرادة الشعبية (التي تُعبّر عنها الانتخابات) والشرعية الدينية (التي يقررها الفقيه).

نتيجة ذلك: شلل تشريعي مزمن، تآكل الثقة العامة، احتجاجات دورية، وغياب آلية لحسم الخلاف.

إنها دولة تعيش بين عالمين:

ـ دولة حديثة على الورق، وسلطة لاهوتية في الجوهر.

 

 

4 – داعش والدولة المفبركة على أساس النص

إعلان "الخلافة" من دون عقد اجتماعي ولا تمثيل كان ذروة الاعتماد على العقد العقائدي.
سقطت بسرعة لأن النص وحده لا يبني دولة:

ـ لا إدارة اقتصادية.

ـ لا مؤسسات.

 لا شبكة قانونية.

ـ لا شرعية شعبية.
سقطت لأنها "شرعية إعلان" وليست شرعية عقد بين مجتمع وسلطة.

 

 

 

بالمحصلة:

الدولة الدينية تفشل لأنها تتأسس على شرعية مغلقة لا تتكيف مع الزمن،.
الدولة الحديثة مرهونة بالقدرة على التفاوض، على التصحيح، على الإصلاح، على إعادة إنتاج نفسها؛ أما الدولة الدينية فتعيش في زمن لاهوتي ثابت، والمجتمع يعيش في زمن تاريخي متغير، وحين يتصادم الزمنان، ينهار النظام.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard