info@suwar-magazine.org

عن الدكتاتور الذي يتبوّل في فراش امّه

عن الدكتاتور الذي يتبوّل في فراش امّه
Whatsapp
Facebook Share

 

على الدوام كنت منشغلاً بتاريخ الأفراد، ومن ثم "البطل في التاريخ" الذي وصفه كارل ماركس بـ "الذي يبتدئ بالتراجيديا وينتهي إلى المسخرة"، منشغلاً لا بهاجس المؤرخ، بل بدوافع "التسلية"، فأنا رجل "لا يتسلّى" بـ "فصفصة بذور البطيخ"، تلك الموهبة المبتذلة، وإنما بما هو أشدّ ابتذالاً وأعني بـ "فصفصة " بشر مصابون بجنون الريبة، يحكمون التاريخ، فيعجّلون او يؤجّلون بانهيارنا، وهكذا من السهل أن نتخيّل الجنون في شاعرٍ أو ناسكٍ أو رسّام، لكن الأصعب أن نتخيّل العالم وهو يُقاد بيدٍ مريضة… يدٍ ترتجف تحت وهم العظمة، أو تتغذّى على الهذيان، أو ترى البشر مجرد أحجار على رقعة حكمٍ متصدّع، وهكذا سبقت كل من عظّم مثل هؤلاء، بالسخرية منهم استعانة بخيالي الجريح، الذي لم يكن يتخيلهم يوماً، إلا بـ "الكلاسين"، التي تبعث على الضحك ومن ثم تسقط الهيبة عنهم، دون نسيان أن إسقاط الطغيان لايبدأ بالسلاح بل يبدأ بـ "الضحك".

 

 

عبر التاريخ، لم تكن الممالك والإمبراطوريات تسقط فقط تحت سيوف الغزاة، بل تحت أثقال عقول حكّامها، فالتاريخ ليس فقط سجلاً للفتوحات، بل سجلاً لحماقات عظيمة ارتكبها رجال ظنّوا أنهم آلهة.

 

 

نيرون، مثلاً، لم يحرق روما وحدها، بل أحرق معها صوابه.. كان يستمع إلى صراخ المدينة وهو يدندن بأغانيه، كأن الخراب مسرحٌ شخصيّ، وكاليغولا، الذي منح حصانه رتبة قنصل، لم يكن مهرّجاً كما تحلو لبعض المؤرخين صورته، بل نموذج الحاكم الذي ينهار داخلياً بينما يتظاهر بقوة مطلقة.. أوروبا نفسها لم تنجُ من هذا الوباء؛ ففي القرن العشرين، قدّم هتلر وموسوليني نموذجين فاقعين للحاكم الذي يخلط الهذيان بالخلاص، ويغلف الدمار بالنبوءة

 

اقرأ أيضاً:

  

                             الأرض ليست لك.. الماء هو وطنك

      

                           لحظة يصفّق ديفيد بتريوس لتلميذه

   

 

وفي الشرق، تُضاء مشاعل ملوكٍ ظنوا أنفسهم فوق البشر:

شاه إيران الأخير الذي عاش في قصرٍ زجاجيّ من الأوهام حتى اللحظة التي تهشمت فيها قاعات زجاجه دفعة واحدة.

 

نبوخذ نصر، وقصته تتجاوز حدود السلطة إلى حدود الهذيان الوجودي، كان الرافدان بالنسبة إليه خشبة مسرح كبرى، يضع عليها مدنه وقصوره وتماثيله الضخمة كأنها ديكور العرض الأخير.. كان يبني ليؤكد لنفسه أنه خالد، ويدمّر ليختبر هشاشة الآخرين.. في نوبات غضبه، كان يقتلع المدن من جذورها، وفي لحظات يقينه بالخلود كان يشيد الجنائن المعلّقة كأنها محاولة لخلق فردوس على الأرض يليق بملكٍ يرى في نفسه امتداداً للسماء، ولذا، لم يكن نبوخذ نصر مجرد ملكٍ قوي، بل كان عقلاً قلقًا يجرّب العالم كما يجرّب الطفل لعبته:

 

 

ـ مرة يرفعها إلى أعلى السماء، ومرة يلقي بها تحت حوافر خيله.

ولهذا بدا الرافدان في زمنه كأنهما مسرح مفتوح لهواجسه الكبرى: الخوف، العظمة، والرغبة في ترك أثر لا يزول حتى لو بقي الشعوب من بعده ترمّم ندوب أحلامه الثقيلة.

 

 

أما العصر الحديث، فليس أقل شراسة أو عبثية:

ديكتاتوريون جلسوا خلف المكاتب بخوفٍ طفولي، يوقّعون قرارات الموت كما لو طفلٌ مصاب بالسلس البولي يبلل فراش أمّه، ليس جوزيف ستالين ولا صدّام حسين ولا حافظ الأسد وحدهم في ذلك الفراش الدموي.. حكماءٌ في الظاهر، لكن بداخلهم غرف مغلقة مليئة بالرهاب، الهوس، جنون العظمة، وذاك الصوت الداخلي الذي يقول لهم إن التاريخ لا يكتمل إلا بهم.

 

 

قد لا نملك سجلات طبية تُثبت درجات الجنون، لكننا نملك شيئًا أثقل:

ـ أثرهم.

الخراب الذي تركوه.. المدن التي سوّيت بالأرض.. الشعوب التي تربّت على الخوف جيلاً بعد جيل.

 

 

وهذا وحده يكفي لنقول:

ـ إن الجنون ليس مرضاً حين يقبع بين جدران عيادة، بل حين يتربع صاحبه على عرش.

 

 

التاريخ ليس حكاية العقلاء، بل حكاية مختلّين استطاعوا أن يفرضوا تصوّرهم للعالم بقوة السلاح والقداسة والخوف.

ولهذا، لم يكن سؤال:

ـ من هو الحاكم المريض نفسياً

بل:

كم من الخراب يحتاجه التاريخ ليكتشف أن السلطة تكشف المرض أكثر مما تُخفيه؟

بل لنكتشف أن الجمهور الأهبل، يصنع الحاكم الأهبل، المصاب بـ "جنون العظمة"، الجنون الذي يحيل الجمهور ذاته، إلى وجبة على مائدة "الحاكم الأهبل."

ـ إلى فراش لسلسه البولي الذي يبلل ثياب أمّته.

 

 

كل هذا الجنون لا يتحقق إلا لأن الحاكم المريض لا يولد من فراغ، بل من جمهورٍ يمنحه "طابو" يرى فيه جنوناً مُقدَّسًا.

 

وسبق أن قيل "كما تكونوا يوّلى عليكم"، لا أعرف من قالها، ثمة "غوغل" ينسبها إلى علماء مثل الإمام الطرطوشي المالكي في مؤلفه سراج الملوك.

ثمة من يقول:

ـ لا أعلم.

وأنا منهم.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard