info@suwar-magazine.org

لحظة يصفّق ديفيد بتريوس لتلميذه

لحظة يصفّق ديفيد بتريوس لتلميذه
Whatsapp
Facebook Share

 

ديفيد بتريوس، هو واحد من أكثر الجنرالات تأثيراً في تاريخ الجيش الأمريكي الحديث، وكان سطع نجمه خلال الحرب في العراق، خصوصًا "  عام 2007، هذا الجنرال الأمريكي المتقاعد، وهو مدير سابق للاستخبارات المركزية الامريكية في العراق،  ظهر في مشهد يبدو وكأنه ينتمي إلى عالمٍ موازي، ليجري مقابلة تلفزيونية مع "أبو محمد الجولاني"، الذي بات يحمل اسم "الرئيس أحمد الشرع"  والذي كان يوماً ما، يتزعم جبهة النصرة المصنفة على لوائح الإرهاب في نيويورك، ليلعب بتراوس دور "المذيع"، أو لنقل دور المحاوِر.

 

 

مشهد كهذا لا يمكن قراءته فقط على أنه "لقاء صحفي"، بل هو حدث رمزي يعكس تحولات أعمق في كيفية صياغة السياسة الدولية وروايات الحرب.. مشهد عنوانه:

ـ لنتوقف عن شيطنة الفصائل الراديكالية الإسلامية.

أو "لننظفها".

 

وفي التفاصيل:

أولاً، تحوّل بتريوس إلى مذيع ليس تفصيلاً عابراً. الرجل الذي كان يصنع استراتيجيات مكافحة الارهاب، بات يصنع السرديات أمام الكاميرا. وكأنه يقول لنا:

ـ الحرب اليوم تُدار بالميكروفون بقدر ما تُدار بالدبابة.

 

 

هنا يختلط الأمن القومي بالإعلام، وتصبح المقابلة نفسها جزءاً من عملية "إعادة تأطير العدو" أو "إعادة تعريفه"، خصوصاً وأن المقابلة إياها جرت برعاية من منظمة "كونكورد"، التي جاء تعريفها بأنها "منظمة غير ربحية تأسست عام ٢٠١١ تهدف إلى بناء شراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لمواجهة التحديات العالمية، وتشتهر بتنظيم قمتها السنوية بالتزامن مع اجتماعات الأمم المتحدة، حيث تجمع قادة العالم لمناقشة الأمن، التنمية، والديمقراطية.

 

ثانيًا، حضور الشرع نفسه لأعمال هيئة الأمم المتحدة وبصفته "الرئيس السوري" يطرح سؤالاً مربكاً:

ـ هل انتهى زمن الشيطنة المطلقة؟ جبهة النصرة كانت، حتى وقت قريب، "الخطر الإرهابي الأكبر" وفق الخطاب الأمريكي، لكن ها هو زعيمها (وإن تغير اسمها واسمه) يجلس أمام رمز من رموز المؤسسة الأمنية الأمريكية ليتحدث كرئيس دولة.

 

 

ـ هل هذا تحوّل براغماتي يكرّس واقعية سياسية جديدة، أم مجرد فصل آخر من مسرح طويل عنوانه "إعادة تدوير الأعداء" بما يخدم مصالح القوى الكبرى؟

 

ثالثًا: مشهد الجنرال والمقاتل السابق، وقد أصبحا مذيعاً ورئيساً، ليس إلا صورة لمرحلة ما بعد الحقيقة، حيث تتقاطع الدعاية مع الصحافة، وتغدو المقابلة التلفزيونية أداةً لصياغة الذاكرة الجماعية أكثر مما هي أداة لكشف الحقيقة.

 

في النهاية، ما جرى ليس مجرد مقابلة، بل إعلان عن أن "الحرب على الإرهاب" كما عرفناها قد انتهت أو على الأقل تبدّلت ملامحها، فالعدو السابق صار شريكاً في رواية جديدة، والجنرال صار صحفياً يكتب الفصل القادم من قصة الشرق الأوسط.

 

 

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن نطرحه:

ـ  من يملك حق كتابة التاريخ ، الشعوب التي عاشت المأساة، أم الجنرالات الذين هندسوا الحرب؟

 

اقرأ أيضاً:

  

                           الطائفة.. ذاك "الافتراس الأمومي" النهم

      

             هل سنردد ماردده الجندي "شيفيك": هايل هتلر، ثم يختنق صوتنا؟

   

 

ثمة من يعتقد بأن بتريوس كان قد استخدم أحمد الشرع يوم كان أحمد الشرع، هو "أبو محمد الجولاني"  في العراق، وظّفه ليقوم بتفكيك الحركات الجهادية كالقاعدة وسواها باختراقها من داخلها.. هذا ما سمعناه من محللين ومتابعين للحركات الجهادية، وأعيد:

ـ هذا ما سمعناه.. بما يعني ليس لدينا مايؤكد صحة ما سمعنا أو نفي ماسمعناه.

 

 

ولكن "الاحتمال" مثير للغاية ويستحق مقاربة تحليلية دقيقة، لأنه يفتح الباب على قراءة جديدة لدور بترايوس نفسه وطبيعة الاستراتيجية الأمريكية في العراق وما بعدها، فإذا أخذنا هذه الفرضية بجدّية ، وهي أن أحمد الشرع (زعيم النصرة) كان قد تم توظيفه أو استثماره من قبل بترايوس أثناء وجوده في العراق، فإننا نكون أمام مشهد معقد يتجاوز السردية التقليدية عن "الحرب على الإرهاب"، ما يستدعي قراءة جديدة.

 

 

بتريوس  وفق سيرته: "لم يكن جنرالاً تقليدياً، كان مثقفاً عسكرياً درس في برينستون وكتب أطروحة عن العلاقات المدنية-العسكرية، وكان مؤمناً بفكرة أن كسب القلوب والعقول أهم من سحق العظم عسكرياً.. في العراق، اعتمد استراتيجية اختراق الحركات الجهادية، فدعم "الصحوات"، وقام عملياً بتحويل بعض مقاتلي القاعدة إلى حلفاء ضد القاعدة نفسها".


إذا كان الشرع أحد أدوات هذه الاستراتيجية، فسيكون هذا استمراراً طبيعياً لفلسفة بتريوس: "تفكيك العدو من الداخل، عبر زرع عناصر، أو تحويل قادة إلى شركاء ظرفيين" في استرتيجيات عنوانها:

ـ اللعب على التناقضات داخل الحركة الجهادية

الحركات الجهادية، تعج بصراعات أيديولوجية وشخصية وتنظيمية،  واستخدام شخصية مثل الشرع، (إذا كان حقيقياً)، سيكون أقرب إلى "هندسة الصراع الداخلي" داخل تلك الحركات، فـ :

ـ  تعميق الشقاقات، دفع بعض الفصائل لمواجهة الأخرى، ثم استثمار اللحظة لتقوية الموقف الأمريكي.

 

هذا يشبه ما فعله ديفيد بتريوس مع "الصحوات السنية" في الأنبار عام 2006-2007، حين جعلهم يقاتلون القاعدة نيابة عن الأمريكيين.

 

 

لكن هذا النهج يحمل مفارقة خطيرة، فمن تُشغّله اليوم قد يصبح عدو الغد. 

ـ ألم يتحوّل أسامة بن لادن، وباعتراف هيلاري كلينتون من صنيعة للأمريكان في أفغانستان بمواجهة السوفييت، إلى صاحب المأثرة الكبرى في تدمير البرجين؟

ولكن هنا، في سيناريو "الشرع"، فقد تحوّل "الشرع" إلى رئيس دولة بعد أن كان قد عمل لصالح بتريوس يوماً ما، ليكتسب خبرة تنظيمية وشبكة علاقات ساعدته لاحقاً على تأسيس النصرة وتحويلها إلى لاعب سياسي-عسكري رئيسي.

 

 

إذا جمعنا هذه الخيوط، فإن مقابلة بتريوس مع الشرع، يمكن أن تُقرأ كعودة إلى "النقطة الصفر":

ـ الرجل الذي هندس تفكيك الجهادية وأعني بتراوس، يعود ليجلس مع أحد منتجاتها الكبرى، ليس بلا شهود،  لكن هذه المرة أمام الكاميرا وملايين من متابعي المشهد في عالم الساتلايت الواسع، يجلسان وكأنهما شريكان في كتابة السردية الجديدة عن الماضي.. هذا ليس مجرد لقاء؛ إنه إعادة تأطير للتاريخ، وكأنه يقول:

ـ نعم، كنّا نصنع المشهد منذ البداية، وها نحن نستكمله اليوم أيضًا.

 

 

هل فعلها بتريوس ؟

الاحتمال وارد ومتماهٍ مع شخصية بتريوس وعقيدته العسكرية، لكن الأهم من سؤال : "هل فعلها بتريوس ؟" هو التفكير في أثر مثل هذه العمليات على مستقبل المنطقة:

ـ إلى أي حدّ يمكن للقوى الكبرى أن تعبث بالبنى الجهادية ثم تفاجأ بارتداداتها؟ هل نحن أمام دائرة مغلقة تتكرر فيها صناعة الأعداء ثم إعادة تدويرهم ليصبحوا شركاء في لحظة لاحقة؟

 

في قلب الحرب السورية احتلّ صراع الفصائل مكاناً ثانوياً في خطاب كثيرين، بينما كان في الواقع أحد محركات المشهد الأكثر تأثيراً على الأرض، من بين هذه الفصائل، برزت جبهة النصرة كقوة مرنة، متحوِّلة، ومنافِسة، ليس فقط ضد نظام الأسد و"داعش"، بل أيضاً في اقتتال دائم مع فصائل إسلامية سنّية أخرى، هذا الاقتتال كان له دوافع متعددة ونتائج بعيدة المدى، وهنا سأحاول تفكيك وقائعه، أسبابه، وانعكاساته على المشهد السوري ككل.

 

 

خلفية موجزة:

ظهرت جبهة النصرة كفرع محلي مرتبط بتنظيم القاعدة، وسريعاً ما اكتسبت سمعة القسوة والتنظيم الفعَّال على الجبهات ضد النظام، ثم أقدمت قيادتها على محاولات "شرعنة" ذاتية أو إعادة ضبط للعلاقات الخارجية: في صيف 2016 أعلن "أ بو محمد الجولاني" أن الجماعة تقطع علاقتها بالقاعدة، ومن ثم لتعيد تسمية نفسها "هيئة تحرير الشام"، كتحالف يشتغل على توحيد عناصر متعددة.

 

صراع "النصرة" مع الفصائل الجهادية الأخرى،  لا يختزل في مجرد "اختلاف عقائدي" أو "شراهة أيديولوجية"، بل هو في كثير من الأحيان صراع على:

ـ النفوذ السياسي والإداري داخل المناطق، والذي يعني  السيطرة على المعابر، الجبايات، وإدارة الخدمات.

ـ الموارد والتمويل، ما يعني المعابر الحدودية، الدعم الخارجي، وميزات الدخول إلى أسواق السلاح.

 

 

انفصال الجولاني عن "القاعدة" ثم تحول التنظيم إلى "هيئة تحرير الشام"، هي خطوة كانت تهدف إلى تقليل الضغط الدولي وفتح المجال أمام علاقات مع فصائل سورية أخرى، على عكس "داعش" و"القاعدة" التي تعرضت لضغط دولي وعسكري هائل من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بقيت "هيئة تحرير الشام" محصنة إلى حد ما من هذه المواجهات المباشرة، وهو ما يثير علامات استفهام حول التفاوت في المعاملة الدولية للجماعات الجهادية.

 

 

هذا لا يعني تعاوناً مباشراً بين مسؤولين أمريكيين مثل ديفيد بتريوس في الاستخبارات الأمريكية وبين الجولاني، بل يعكس سياسة استراتيجية غير رسمية تقوم في الحرب السورية، على استخدام بعض الجماعات بشكل غير مباشر لتحقيق مصالح استراتيجية دون الحاجة إلى دعم علني أو مباشر، وهو ما يوضح لماذا يُستثنى هذا الفصيل من الحملات الدولية المكثفة التي تستهدف داعش أو القاعدة التقليدية، بل سيقود إلى سؤال أكثر تعقيداً:

ـ كيف وصل أبو محمد الجولاني، إلى القصر الجمهوري، وهل كان تلميذاً مجتهداً للجنرال بتريوس ، الجنرال الذي يُمكن وصفه برجل الاستخبارات العسكري البارع، ذو العقلية الاستراتيجية الحادة والبصيرة التحليلية الواسعة، متجاوزاً كل المفاهيم الأخلاقية البسيطة للصراع، وراصدًا فذاً للصلصال الذي سيصنع منه منحوتته.

 

ـ وهل كان "أبو محمد الجولاني"، وقد تحوّل إلى "أحمد الشرع" هو المنحوتة الممهور عليها توقيع:

ديفيد بتريوس ؟

إذا كان الأمر كذلك، فبلا شك، هذه منحوتة اشتغل عليها نحّات بارع.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard