في صراع الفاشيات المتقابلة.. من أنت؟ أين تقف؟

حين يصبح المكان ساحة يتنازعها شكلان من الفاشية، يتزيّن كل منهما برداء مذهبي أو ديني، ومن ثم ينتزع هويتك الفردية ويحوّلك إلى "القطيع"، هل يكون السؤال:
ـ مع أيّ منهما تقف؟
أم يتحوّل السؤال، من سؤال موقف سياسي إلى سؤال أخلاقي وجودي:
ـ كيف يمكن للإنسان أن يقف في أرضٍ تتشقق تحت قدميه، دون أن يتحول هو نفسه إلى شقّ جديد فيها؟
في مثل هذه اللحظات، يصبح الاصطفاف خيانة مزدوجة؛ خيانة للضمير حين يتورط في تبرير فاشية لأنها صادرة عن "الطرف الأقرب" وخيانة للحقيقة حين يُغضّ الطرف عن الاستبداد لأنه يرفع راية الخلاص من استبداد آخر.. هنا تتلاشى المسافات بين فاشيتين، ويغدو الضحايا وحدهم هم المختلفين، إذ إنهم يدفعون ثمن الفاشيتين معاً، بينما يبقى الإنسان الفرد هو الخاسر الوحيد في صراع الجماعات التي تدّعي تمثيله.
ـ هل يدعونا هذا لاستعادة تعريفنا للفاشية؟
نعم، الفاشية في جوهرها ليست نظاماً سياسياً واحداً، بل بنية ذهنية وثقافية قادرة على ارتداء أقنعة متعددة. لتحمل هذه الظاهرة حين تحدث تسمية صريحة، تسمية عنوانها العريض "الفاشية الأزلية"، وستكون إحدى أبرز تجلياتها "صناعة الخوف" عبر اختراع الـ "عدو" ، لأن وجود العدو يمنح الفاشية حق السيطرة، ويجعل العنف يبدو ضرورة دفاعية، أو عدوّ فعليّ، ينتمي إلى فاشية الطرف المضاد، بما يجعل الفاشية الوليدة رد فعل على الفاشية الأم وإعادة إنتاج لها، وبهكذا حال، كيف يمكن الاحتماء من فاشية نظام سياسي عبر الارتماء في فاشية أخرى متصارعة معه، ومستنسخة عنه؟
اقرأ أيضاً:
فاشيتان متصارعتان، متقابلتان، متشابهتان، من تجلياتهما تقديس الهوية الجمعية، حيث تُختزل قيمة الإنسان في انتمائه إلى جماعة محددة (طائفية كانت أو أيديولوجية أو قومية)، في هذه الحالة يصبح الفرد مجرد رقم داخل سردية كبرى، وتفقد حياته قيمتها إن خرج عن الخط العام للجماعة، فيصبح الشك خيانة، وتُغلق أبواب التفكير النقدي، ويصبح المجتمع أكثر استعداداً لتصديق الأكاذيب الكبرى وأكثر قابلية لتبرير صناعة الطاغية، الطاغية الذي لايحول ولايزول ولا تدركه العقول.. طاغية يفكّر بالنيابة عنك، ويقرر بالنيابة عنك، ويأخذك إلى حيث لايعرف هو، وعليك أن تُقاد له، وتحتكم إلى حكمته.
تتجلى الفاشية كذلك في تحويل الماضي إلى أسطورة تعبئة تُستدعى لإقناع الناس بأن الحاضر زمن انحطاط وأن العنف ضرورة لاستعادة مجد ضائع، وفي هذه الرؤية تُقدَّس القوة ويُحتقر الضعف، فتتحول القسوة إلى فضيلة بينما يُنظر إلى الرحمة بوصفها علامة انهيار، وستكون الفاشية اكثر تغوّلاً حين تبلغ ذروتها فتمتزج بالمقدّس، ليتحول الصراع السياسي إلى معركة خلاصية بين خير مطلق وشر مطلق، وهو ما يمنح العنف شرعية روحية يصعب تفكيكها، وتغدو الفاشية، فاشية برعاية الله وبمباركته وباسمه، بما يعني أنها تغدو فاشية مضاعَفَة، وصفتها حنة أرندت بأنها "أخطر ما في الشموليات"، ليس لامتلاكها القدرة على القمع فقط، بل قدرتها على تحويل الأفراد العاديين إلى أدوات داخل منظومة الشر، بحيث يمارس الإنسان العنف دون شعور بالذنب لأنه يراه جزءاً من واجب جماعي أو إداري، بل وبتسخير من الله، وهذا ماشهدته البشرية لحظة استولت الفاشيات الدينية، حيث يقتل "رضي الله عنه"، "رضي الله عنه" من الطرف الآخر، بما يجعل الله راضياً عن القتل ومسوّقاً له، فالفاشية هنا لا تعتمد على الطغاة وحدهم، بل على جماعات كاملة تتخلى عن قدرتها على التفكير النقدي وقد اتكلت على الله وهي تشحذ سكاكينها.
ـ تلك هي حروب الطوائف.. تلك هي الحروب الدينية، بل تلك هي الحروب الأهلية التي لاتكفّ عن انتاج فاشيات متماثلة متحاربة، دون أن تكفّ عن سؤالك:
ـ في أيّ صف تقف؟
هذا المأزق الأخلاقي واجهه كتّاب كبار وجدوا أنفسهم أمام خيارين مستحيلين، ومن بين من عاشوا هذه الاستحالة جورج أورويل في الحرب الأهلية الإسبانية، حين اكتشف أن الاستبداد يمكن أن يولد داخل المعسكر الذي يرفع راية الحرية، فكتب لاحقاً ضد كل أشكال الشمولية دون استثناء ايّ منها، ودون تزيين أيّ منها.
وسط هذه التجارب وتحت وطأة هذا السؤال، وأعني سؤال:
ـ أين تقف؟
وسط هذه التجارب يبرز نموذج فاتسلاف هافل بوصفه أحد أكثر النماذج عمقاً في فهم مقاومة الفاشية من داخل الحياة اليومية، لم يكن هافل ثائراً مسلحاً ولا منظّراً سياسياً تقليدياً، بل كاتباً مسرحياً أدرك أن الطغيان يبدأ حين تتحول اللغة إلى أداة لإخفاء الحقيقة.. نشأ في بيئة ثقافية لكنه حُرم من مسار أكاديمي طبيعي بسبب خلفيته الاجتماعية بعد صعود النظام الشيوعي بفاشيته الحمراء، فاختبر مبكراً كيف تستطيع الأنظمة الشمولية أن تعيد تشكيل مصائر الأفراد.
في مسرحياته كشف هافل كيف تتحول اللغة الرسمية داخل الأنظمة الشمولية إلى قناع يخفي الواقع، لكن تحوله الأكبر جاء بعد اجتياح تشيكوسلوفاكيا عام 1968، حين أدرك أن الإصلاح من داخل النظام أصبح مستحيلاً.. لاحقاً شارك في صياغة ميثاق 77، وهي مبادرة طالبت السلطة بالالتزام بالحقوق التي وقعت عليها رسمياً لكنها لم تطبقها، لم تكن المبادرة دعوة لإسقاط النظام بالقوة، بل محاولة لكشف التناقض بين خطاب السلطة وممارساتها، وفي نصه الشهير حول "قوة المستضعفين"، طرح هافل فكرة "العيش في الحقيقة"، مؤكداً أن الأنظمة الشمولية لا تستمر فقط عبر القمع، بل عبر مشاركة الناس في الكذبة اليومية، وقد استخدم مثال بائع يضع شعاراً سياسياً في متجره لا لأنه يؤمن به، بل لأنه يخشى العواقب.. هذا الفعل البسيط، في نظر هافل، يحول الفرد إلى جزء من منظومة الكذب التي تحافظ على النظام، ومن هنا رأى أن المقاومة تبدأ حين يرفض الإنسان هذا التواطؤ الصامت، حتى لو بدا رفضه بلا أثر سياسي مباشر.
تكشف تجربة هافل أن مقاومة الفاشيات المتقابلة لا تبدأ دائماً بالمواجهة المباشرة، بل تبدأ بحماية الحقيقة نفسها، وهو ما يجعل موقف "لست منكم" ليس حياداً ولا انسحاباً، بل شكلاً من المقاومة الأخلاقية التي ترفض الانضمام إلى سرديات العنف، وتسعى إلى حماية الإنسان من أن يتحول إلى أداة داخل صراع الهويات القاتلة.
في السياقات التي تقترب من الحروب الأهلية، تتخذ الفاشية شكلاً مضاعفاً، إذ تظهر في معسكرات متقابلة، وكل معسكر يرى نفسه ضحية تاريخية ومخلّصاً في الوقت ذاته، وهنا تتحول المأساة إلى مسابقة في سرد المظلوميات، حيث يسعى كل طرف إلى احتكار الألم وتوظيفه لتبرير ألم جديد يُلحق بالآخرين، وفي مثل هذه اللحظات تتضاعف مسؤولية الكاتب، لأن استسلامه لهذا المنطق يعني مشاركته في إعادة إنتاج الكارثة حتى لو ظن أنه يدافع عن ضحايا حقيقيين.
القول "لست منكم" لا يعني الوقوف خارج الأمكنة، بل الوقوف كما يقف الجراح خارج الجرح ليتمكن من علاجه، إنه موقف يراهن على المستقبل لا على الحاضر، وعلى إمكانية أن ينجو شيء من المعنى وسط الركام.
قد يبدو هذا الموقف بلا جدوى في زمن الانهيارات الكبرى، لكنه يشكل الذاكرة الأخلاقية التي تحتاجها المجتمعات حين تنتهي الحروب، لأن المجتمعات الخارجة من الكوارث لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المدن، بل إلى إعادة بناء المعايير التي تسمح للناس بأن يعيشوا معاً دون خوف.
إن النص الذي يواجه الفاشيتين معاً لا يمكن أن يكون نصاً تصالحياً بالمعنى الساذج، بل هو نص مقاومة من نوع آخر، مقاومة تحاول أن تحمي فكرة الإنسان من الذوبان داخل الهويات القاتلة، وهو نص يعرف مسبقاً أنه لن يُرضي أحداً، لأن مهمته ليست إرضاء الأطراف بل إنقاذ المعنى من الانقراض، وربما تكون هذه هي الوظيفة الأعمق للكتابة في الأزمنة المظلمة:
ـ أن تظل تذكّر بأن الإنسان أكبر من كل الرايات التي تُرفع باسمه، وأن الوطن لا يُختزل في المنتصرين، بل يُقاس بقدرته على احتضان المهزومين أيضاً.
وفي زمن يكافئ الوحشية، قد لا يمنح هذا الموقف صاحبه أماناً أو شعبية أو شعوراً بالانتصار، لكنه يمنحه القدرة الأثمن والأكثر هشاشة في آن واحد:
ـ أن يظل إنساناً، وأن يترك خلفه شهادة تقول إن التاريخ، مهما طال ظلامه، يحتاج دائماً إلى أصوات لم تساوم على إنسانيتها.
يحدث ذلك وسط ارتفاع الأصوات المُندّدة به وبموقفه، إنها أصوات الغاضبين، أداة البطش التي لا يستهان بها في مواجهة إرادة الفرد الحرة، أصوات تصرخ، تندّد، تشتم، لكن ليس بالحجة ولا بالمنطق، بل بالضغط والفوضى المنظمة، والتاريخ مليء بالأمثلة، واليوم، السوشال ميديا تجعل الرعاع الرقمي أسرع وأعنف؛ أصواتهم العاطفية تعصف بسمعة أي شخص له وزنه، قبل أن يتمكن العقل من اختيار موقفه.
من يظن أن الحوار مع رعاع السوشال ميديا ممكن، يجهل طبيعة الانفعال البشري:
ـ الرعاع لا يُقنع، بل يُستَخدم، إهمال توجيههم يفضي إلى فوضى، واستخدامهم بلا حساب يولّد عكس ما تريد، وإياك أن تنسى:
ـ في يد من يعرف كيف يوجّههم، يتحوّل الرعاع إلى قوة رمزية تضرب حيث لا يستطيع العقل أن يصل.