هي نهاية سطوة "حرّاس الدين" إلى "يوم القيامة".. إذا كان ثمة قيامة

ـ ماذا أبقت سلطة ولاية الفقيه من إيران التاريخ والحضارة والمدينة؟
هذا السؤال لاينطلق من رؤية سياسية ضيّقة، هو سؤال يتعلق بمصير أمّة عريقة، وقد وقعت بين أنياب سلطة عقائدية اشتغلت على إعادة صياغة السؤال بإلغائه، فإيران ليست مجرد دولة معاصرة؛ إنها طبقات متراكمة من التاريخ، من الإمبراطوريات القديمة إلى الإسلام الفارسي، ومن الشعر الصوفي إلى المدن التي عاشت قروناً من التفاعل الثقافي، ولذلك فإن ما حدث بعد الثورة التي قادها "آية الله الخميني" عام 1979 لا يمكن فهمه إلا إذا نظرنا إليه بوصفه لحظة اصطدام بين حضارة عميقة ودولة عقائدية جديدة.
قبل "الخمينية" كانت إيران فضاءً حضارياً متنوعاً تشكله المدن الكبرى، أصفهان، شيراز، تبريز، طهران، هذه المدن لم تكن مجرد مراكز إدارية، بل مراكز ثقافة وفن وشعر، وإرث شعرائها مازال ممتد بثقافات الأمم، ومازلنا نصغي إلى عمر الخيام، جلال الدين الرومي، وإلى الشعر الفارسي يوم كان طريقاً لفهم العالم ولصدى السؤال الكوني، يوم كانت المدينة الإيرانية فضاءً يسمح بتجاور التصوف والفلسفة والتجارة والحياة الحديثة.
ـ يوم كانت إيران حضارة مدينة أكثر منها حضارة مذهب.
الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضى بهلوي (وهو دكتاتور بلا منازع)، لم تُفضِ إلى نظام تعددي كما تخيل كثير من المشاركين فيها، فعندما عاد الخميني من منفاه في باريس إلى عام 1979 بدا وكأن الثورة تضم طيفاً واسعاً من القوى، إسلاميين، ويساريين، وقوميين، وليبراليين، ومثقفين، غير أن شخصية الخميني نفسها لعبت دوراً حاسماً في المسار الذي اتخذته الثورة لاحقاً.
لم يكن الخميني مجرد فقيه خرج من مدرسة دينية ليقود ثورة أطاحت بالشاه محمد رضى بهلوي، كان يحمل في أعماقه يقيناً عقائدياً بارداً يجعل التاريخ يبدو في عينيه مسرحاً لتطهير طويل.. لم يكن الرجل صاخباً أو خطيباً مشتعلاً، بل كان أقرب إلى قاضٍ صامت يوزع الأحكام باسم حقيقة لا تقبل النقاش.. في وجهه الجامد وصوته الرتيب كان ثمة ما يوحي بأن السياسة بالنسبة له ليست فن الممكن، بل فن الاستئصال، ومن هنا بدا، في نظر كثير من نقاده، كأنه يحمل روح القاتل لا بمعنى القتل الجسدي المباشر، بل بمعنى ذلك الاستعداد العقائدي لإقصاء الخصم من الوجود السياسي والأخلاقي معاً.
حين دخل الخميني إلى طهران، على أكتاف الملايين الذين استقبلوه بوصفه محرراً، كان المشهد يبدو كأنه ولادة عصر جديد من الحرية، لكن الثورة سرعان ما تحولت إلى محكمة. شركاء الأمس في إسقاط الشاه أصبحوا خصوماً، وخصوم اليوم صاروا أعداءً للعقيدة.. هكذا بدأ مسلسل إقصاء طويل طال قوى الثورة نفسها. شخصيات إصلاحية مثل أبو الحسن بني صدر ازيح من السلطة، وهو أول رئيس للجمهورية وقد انتهى منفياً، بينما تعرضت القوى اليسارية والتنظيمات المعارضة لحملات قمع قاسية شملت أحزاباً اشتغل على الفتك بها.
اقرأ أيضاً:
لم يكن ذلك مجرد صراع سياسي عادي؛ كان تطبيقاً لمنطق الثورة حين تتحول إلى عقيدة مغلقة، فحين يعتقد الزعيم أنه يتكلم باسم الحقيقة الإلهية، يصبح الاختلاف معه خروجاً على الإيمان وتحدياً لله نفسه، وهكذا تحولت الثورة الإيرانية من انتفاضة شعبية متعددة الأصوات إلى دولة ذات صوت واحد، صوت الفقيه الذي يقف فوق الدولة والمجتمع معاً.
بهذا المعنى، تبدو شخصية الخميني شخصية تراجيدية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث:
ـ رجل أطلق طاقة ثورية هائلة أطاحت بنظام ملكي عتيق، لكنه في الوقت نفسه دشّن نموذجاً جديداً من السلطة يمزج بين القداسة والمقصلة، ومنذ تلك اللحظة لم تعد إيران مجرد دولة تحكمها حكومة، بل أصبحت مسرحاً لصراع طويل بين مجتمع حيّ يبحث عن فضاء للحياة، وسلطة ترى نفسها حارسة للحقيقة ومحتكرة لها.
لو نظرنا إلى أثر تلك اللحظة في المنطقة، لوجدنا أن انتصار الثورة الخمينية لم يبقَ حدثاً إيرانياً داخلياً؛ لقد أصبح شرارة تاريخية أطلقت خيال الحركات الإسلامية الراديكالية في الشرق الأوسط، فقد بدا لأول مرة أن رجل دين يمكنه أن يسقط دولة وأن يؤسس نظاماً جديداً باسم العقيدة، ومنذ ذلك الوقت دخلت المنطقة كلها في زمن جديد، زمن تتجاور فيه الثورات الدينية مع الدول الحديثة في صراع لم يُحسم بعد، وقد أعاد انتصاره المنطقة برمتها إلى ثقافة العصور الوسطى، وإلى نشوة انتابت مجموع التيارات الراديكالية الإسلامية من جماعة الاخوان المسلمين إلى جماعة بن لادن باشتقاقاتها وصراعاتها.
من هنا ظهرت نظرية ولاية الفقيه التي جعلت المرجعية الدينية فوق الدولة والمجتمع، وباسم هذه النظرية بدأت عملية إعادة تشكيل السلطة. في السنوات الأولى بعد الثورة تم تهميش، ثم تصفية كثير من القوى التي شاركت في إسقاط الشاه. شخصيات بارزة من داخل التيار الإسلامي نفسه مثل مهدي بازركان أُبعدت عن السلطة، بينما انتهى مصير شخصيات ثورية أخرى بالاغتيال أو الإقصاء أو الإعدام.
بالتوازي مع الصراعات داخل التيار الإسلامي نفسه، تعرضت القوى اليسارية والديمقراطية لقمع شديد، أحزاب مثل "توده"، التي كانت من أقدم الأحزاب الشيوعية في المنطقة، جرى تفكيكها واعتقال قياداتها، وكذلك تعرضت منظمة "مجاهدي خلق"، لحملة قمع واسعة انتهت بمواجهات مسلحة وعمليات إعدام، وبحلول منتصف الثمانينيات كانت معظم القوى اليسارية والليبرالية قد أُخرجت من المجال السياسي أو أُجبرت على المنفى أو العمل السري.
هكذا تحولت الثورة التي بدأت بتحالف واسع، إلى نظام يتركز حول سلطة دينية واحدة تدعمها مؤسسات عقائدية قوية، ومع ترسخ هذا النظام تغيرت طبيعة الدولة الإيرانية؛ فقد أصبحت دولة ثورية ذات طابع أيديولوجي، تسعى إلى تصدير نموذجها السياسي إلى الخارج، بـ "السلاح، المال، وبالاغتيالات والمخدرات أيضاً".
كان لانتصار الخمينية السياسية أثر يتجاوز إيران نفسها، فقد أعطى نجاح الثورة الإسلامية دفعة كبيرة للحركات الإسلامية الراديكالية في المنطقة. كثير من التنظيمات الإسلامية رأت في التجربة الإيرانية دليلاً على إمكانية إسقاط الأنظمة القائمة وإقامة دولة دينية، ففي السنوات التالية ظهرت أو تعززت حركات مسلحة أو أيديولوجية استلهمت هذا النموذج بدرجات مختلفة، مثل "حزب الله" في لبنان، كما تأثرت به تيارات إسلامية أخرى في المنطقة حتى لو اختلفت مذهبياً معه.
المفارقة أن هذا المشروع العقائدي لم يستطع أن يغيّر المجتمع الإيراني نفسه بالقدر الذي أراده، فإيران الحضارية بقيت حية في اللغة والثقافة والفنون.. السينما الإيرانية، على سبيل المثال، استطاعت أن تعبر عن إنسانية المجتمع رغم القيود، كما في أعمال مخرجين مثل عباس كيارستمي وأصغر فرهادي، وفي الوقت نفسه نشأت في المدن الإيرانية مفارقة لافتة يمكن وصفها بوجود طهرانين:
ـ طهران فوق الأرض وطهران تحت الأرض. طهران الرسمية التي تراها السلطة، حيث القوانين الصارمة والرقابة المجحفة وروح الثكنة، وطهران أخرى غير مرئية يعيشها الشباب في الشقق الخاصة والمقاهي السرية والحفلات المغلقة وموسيقى الروك أندرول، دون نسيان أساتذة الموسيقى الفارسية، وهي تمشي بأصابعها ببطء كما لو أنها تفتش في الذاكرة عن حزن قديم، ليمتزج الشجن الصوفي بجلال الشعر، فتغدو الموسيقى أقرب إلى صلاةٍ خفية منها إلى أغنية.
ـ إيران تحت الأرض هي:
مجتمع كامل يتحرك تحت السطح، يتنفس بطريقة مختلفة، ويخلق ثقافته الخاصة بعيداً عن أعين السلطة.
هذه الحياة الخفية ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي تعبير عن المسافة بين الدولة العقائدية والمجتمع الحقيقي. بين " ازدهار الحياة" و " كآبة الكفن".
وهكذا يمكن القول إن سلطة ولاية الفقيه لم تستطع أن تمحو إيران الحضارية، لكنها أعادت تشكيل الدولة بطريقة وضعتها في توتر دائم مع مجتمعها. إيران ما تزال حاضرة بلغتها وشعرها ومدنها وثقافتها اليومية، لكنها تعيش داخل إطار سياسي يسعى إلى فرض هوية عقائدية واحدة، ولذلك فإن السؤال الأعمق ليس فقط ما الذي أبقته هذه السلطة من إيران، بل إلى أي مدى تستطيع أي سلطة أن تعيد صياغة حضارة عمرها آلاف السنين، فالتاريخ غالباً ما يبين أن الأنظمة السياسية قد تعيش عقوداً، أما الحضارات ـ بما تحمله من لغة وذاكرة وروح مدينة ـ فإنها تبقى أطول عمراً من السلطة التي تحاول احتواءها.
والآن، والحرب تحفر في إيران، كيف لنا أن نوصّف هذه الحرب؟
هل هي حرب على النفوذ والمصالح فحسب، أم ثمة تسميات أخرى لها من بينها:
ـ حرب الهويات؟
حين ننظر إلى الحرب القائمة بين إيران من جهة، وإسرائيل المدعومة استراتيجياً من الولايات المتحدة من جهة أخرى، قد يبدو المشهد في ظاهره صراعاً تقليدياً على النفوذ الإقليمي، أو على توازنات القوة، أو على الملف النووي، أو على خرائط التحالفات في الشرق الأوسط، لكن في طبقة أعمق من هذا الصراع، ثمة ما يشبه التوتر بين هويات متخيَّلة لنفسها قبل أن تكون بين جيوش أو دول، فكل طرف يقدّم نفسه لا بوصفه دولة فحسب، بل بوصفه حاملاً لمعنى تاريخي أو رسالة حضارية أو جرح قديم يريد تصحيحه.
تُقدِّم إيران نفسها، منذ الثورة الإيرانية، باعتبارها مركزاً لهوية ثورية دينية تقاوم الهيمنة الغربية وتدّعي تمثيل صوت المستضعفين في المنطقة، لا باعتبارها مجرد دولة تسعى إلى توسيع نفوذها، بل كيان يرى نفسه استمراراً لسردية طويلة من الصراع بين العدالة والهيمنة، وفي المقابل، ترى إسرائيل نفسها بوصفها دولة وُلدت من مأساة تاريخية كبرى هي الهولوكوست، وتتعامل مع وجودها باعتباره استعادةً لهوية يهودية مهددة عبر القرون، لذلك فإن أي تهديد لها يُقرأ في وعيها السياسي لا كخطر جيوسياسي فقط، بل كتهديد لوجود جماعي تشكّل عبر ذاكرة الشتات والإبادة.
أما الولايات المتحدة، فغالباً ما تدخل هذا الصراع من موقع قوة عظمى ترى نفسها حامية لنظام دولي معين، لكنها أيضاً تتحرك ضمن سردية هويّة خاصة بها، سردية القوة التي تحمي حلفاءها وتواجه الأنظمة التي تُصنّفها كقوى متمردة على النظام الذي تقوده، وهكذا لا يبقى الصراع مجرد تنازع مصالح، بل يتحول شيئاً فشيئاً إلى مواجهة بين صورٍ للذات:
ـ إيران بوصفها مركز مقاومة، إسرائيل بوصفها دولة نجاة تاريخية، وأميركا بوصفها حارس نظام عالمي.
في هذه اللحظة تحديداً، تتكاثف الهويات لأن الخوف يتكاثف أيضاً، فالخوف هو الوقود الحقيقي لحروب الهوية، فحين تشعر جماعة ما أن وجودها أو معناها التاريخي مهدد، تتحول السياسة إلى دفاع عن الذات المتخيلة، عندها يصبح الصراع أكثر صلابة من أن يُحل بتسويات تقنية، لأن ما يجري الدفاع عنه ليس مجرد حدود أو اتفاقيات، بل سرديات كاملة عن من نحن ولماذا يجب أن نبقى.
لكن المفارقة أن حروب الهوية غالباً ما تُخاض فوق أرض لا تخص تلك الهويات وحدها، فالشرق الأوسط، في مثل هذه الصراعات، يتحول إلى مسرح تتداخل فيه ذاكرات دينية وقومية وإمبراطورية قديمة وحديثة، بينما يدفع الناس العاديون ثمن صراعات تُصاغ بلغات كبرى مثل العقيدة والنجاة والردع والكرامة، وهكذا تبدو الحرب، وقد اندلعت، كأنها تتجاوز كونها مواجهة عسكرية لتصبح صراعاً على تعريف الذات: من يملك الحق في رواية التاريخ، ومن يملك الحق في الخوف، ومن يملك الحق في البقاء.
لذلك يمكن القول إن هذه المواجهة ليست حرب هويات بالمعنى الخالص، لكنها بالتأكيد مشبعة بعناصر الهوية إلى درجة تجعلها أكثر تعقيداً من مجرد صراع جيوسياسي. إنها حرب مصالح تتغذى من خيال الهويات، وحين تمتزج المصالح بالهويات يصبح الصراع أقل قابلية للعقلنة، وأكثر ميلاً لأن يتحول إلى مواجهة مفتوحة بين سرديات لا تريد أن تتنازل عن معناها.
ـ ما تبقّى ونحن مسمّرين بمواجهة الشاشات الإخبارية هو السؤال:
ما هي الاحتمالات التي يمكن أن تؤسس ما بعد استكمال الحفر في أرض الحرب هذه.. ماهي احتمالاتها؟
إذا حاولنا قراءة الاحتمالات الكبرى لهذه الحرب، فإن الصورة تبدو مركّبة ومفتوحة على أكثر من مسار في الوقت نفسه.
بالنسبة لإيران، فإن الخسارة المباشرة كانت قاسية في البداية، لأن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية استهدفت ما يسمى "قطع الرأس القيادي" للنظام، بعد قتل عدد كبير من كبار القادة العسكريين والأمنيين وأبرزهم "المرشد"، لكن التاريخ الإيراني، خصوصاً منذ الثورة الإيرانية، يظهر قدرة النظام على امتصاص الضربات وتحويلها إلى وقود تعبئة داخلية، لذلك فإن احتمال انهيار النظام سريعاً يبقى ضعيفاً في المدى القريب، فإيران تمتلك ورقة استراتيجية كبيرة مفادها توسيع الحرب أفقياً عبر المنطقة، أي ضرب القواعد الأمريكية، تفعيل حلفائها المسلحين، والضغط على الاقتصاد العالمي عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط العالمية، وبالفعل أدى التصعيد هناك إلى تعطّل الشحن البحري وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
أما إسرائيل، فهي تخوض حرباً تعتبرها حرباً وجودية، هدفها المعلن ليس فقط ردع إيران، بل تدمير قدراتها النووية والعسكرية.. عسكرياً تمتلك إسرائيل تفوقاً تقنياً واستخبارياً كبيراً، خاصة بدعم أمريكي مباشر، لكن المشكلة الأساسية ليست في القدرة على الضرب بل في القدرة على إنهاء الحرب، فحتى مع منظومات الدفاع المتطورة، تمكنت الصواريخ الإيرانية من إصابة مدن إسرائيلية وسقوط قتلى، ما أظهر أن الحماية الكاملة مستحيلة في حرب طويلة.
هذا يعني أن إسرائيل قد تحقق تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنها ستدفع ثمناً نفسياً واقتصادياً كبيراً إذا تحولت الحرب إلى حرب استنزاف.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الحساب أكثر تعقيداً، فواشنطن دخلت الحرب لمنع إيران من امتلاك قدرة نووية ولحماية إسرائيل وإعادة فرض ميزان القوة في المنطقة، لكنها تواجه خطر "فخ التصعيد"، أي الانجرار تدريجياً إلى حرب أطول وأكثر كلفة من المتوقع، وهو السيناريو الذي يحذر منه كثير من المحللين، لأن النجاح العسكري الأولي لا يعني تحقيق الأهداف السياسية، فإذا توسعت الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية أو على الملاحة الدولية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين صعبين:
ـ إما توسيع الحرب أكثر، أو القبول بتسوية لا تحقق أهدافها بالكامل.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فالحرب تحمل احتمالات زلزالية. المنطقة كلها تقريباً تقع ضمن دائرة النار:
ـ لبنان عبر حزب الله، والعراق عبر الميليشيات الحليفة لإيران، والخليج بسبب القواعد الأمريكية ومنشآت النفط.
وهذا يعني أن الحرب قد تتحول بسهولة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، حيث لا يعود الصراع محصوراً بين ثلاث دول بل يصبح شبكة حروب متداخلة وهذا ما يحدث الآن جزئيا.
أما على مستوى النظام الدولي، فهذه الحرب قد تكون إحدى اللحظات المفصلية في تحوله، فدول مثل روسيا والصين تراقبان الصراع بوصفه اختباراً لقوة الولايات المتحدة ونفوذها، وإذا طال أمد الحرب أو تعثرت، فقد يشجع ذلك قوى أخرى على تحدي النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
لهذا كله يمكن القول إن هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين ثلاث دول، بل عقدة تاريخية تجمع عدة صراعات في وقت واحد:
ـ صراع على النفوذ في الشرق الأوسط، صراع على الطاقة، صراع على شكل النظام الدولي، وربما أيضاً صراع على المعنى السياسي للعالم بعد عقود من الهيمنة الأمريكية، وما يجعلها خطرة حقاً هو أنها بدأت بالفعل، لكن لا أحد يملك تصوراً واضحاً لكيف يمكن أن تنتهي.
العالم ينتظر نهايات الحرب الراهنة، وينتظر أيضاً ما سيترتب عليها، ولكن:
إذا خرجت إيران من هذه الحرب، دون هزيمتها، فالقنبلة النووية التي حرّمها خامنئي الأب، ستكون القنبلة التي تنام تحت وسادة خامنئي الابن حتماً.
ـ أما إذا حدث وانهار "نظام الملالي"، فثمة حقيقة مؤكدة:
ـ ستنتهي سطوة "حرّاس الدين"، إلى يوم القيامة.
هذا إذا كان ثمة يوم يمكن نعته بـ :
ـ يوم القيامة.