أنا "الشرشوح" ياولاد الشــر... شوحة

أعرف أنني رجل "عابر"، رجل بالغ الهشاشة، تكسرني نكتة عابرة، ابتسامة عابرة، لكمة عابرة أو ركلة عابرة، أعرف كل ما ينبغي أن يعرفه رجل "عابر"، بين أزمنة عابرة، حروب عابرة، وبشر يعبرون إلى الرصيف حيث لا مأوى سواه ولا عبور إلى سواه.. أعرف زمناً هو العابر بي وبـ سؤاله الأكثر حضوراً من العبور:
ـ من يملك حق الخوف.. ومن يفترض عليه أن يبقى خائفاً؟
كلّه أعرفه، فأمجّد هشاشتي وانكساري، وفي لحظة ما، يتبدّل ما أظنه عصي على التبديل، كما لو كان خبطات القدر على زجاج نافذتي القابل للانكسار مثلي، ليكون نثرات الزجاج العابرة.
هي رسالة وقعت بيدي، رسالة تحمل لي "اثنين".. رجلان من لحم ودم وتاريخ وزلاّت قدم، وربما بالكثير من زلاّت اللسان.
غسان تويني، وسعيد تقي الدين.
الأول أعرفه، وأعرف لون "كرافتته"، صافحته وعانقني، والثاني طالما كان خيالي ملعباً لخيوله، إنه:
ـ سعيد تقي الدين.
الذي لا أعرف، لا أرسم لملامح وجهه، ولا أعرف على وجه الدقّة والتحديد نبرة صوته على المدرج الموسيقي (وإن يختلط اسمه عندي مع اسم سعيد عقل).. إنه:
سعيد تقي الدين الذي يكتب لغسان تويني رسالة:
ـ بماذا ابتدأ رسالته؟
ابتدأها بـ :
ـ تفضل بقبول سخطي الشديد وفائق اشميزازي.
يا للبداية.
ـ ومِمَ يشمئز سعيد تقي الدين؟
يشمئز من فائض إعجاب غسّان تويني بـ "ترومان".. كيف لسعيد تقي الدين أن يشمئز من "ترومان"، كما لو أن "ترومان" معمّر القذافي ، أو الرئيس المتثاءب على الدوام أبو مازن؟
هذا "ترومان" أيها السيد، إنه:
"هاري ترومان" الرئيس الثالث والثلاثين للولايات المتحدة، الرجل الذي قاد بلاده في نهاية الحرب العالمية الثانية وأطلق القرار باستخدام القنبلة الذرية ضد اليابان، فكانت النتائج آلاف آلاف آلاف القتلى العابرين في زمن "هاري ترومان" الحاضر.
ـ الحاضر للأقوى أيها السيد غسان تويني.. أنت تدرك ما لم يُدركه سعيد تقي الدين:
ـ أنت الأعقل، ولكنه الأجمل.
وكلاكما جميل أيّها الرجل، غسان تويني، الذي بكى أبدع دمعة على ضريج "جبران"، الوليد الوحيد، والوعد المتكاثر.
أمّا أنا فحائر بينكما.. لا أنا ممن يتقنون اللعب بالأزرار النووية، ولا أنا من الثائرين عليهم، كما لو كنت سبارتاكوس الذي سيستولد المسيح.
نعم أيها السيدان.. الأول غسان تويني المخطوف لـ "ترومان"، والثاني سعيد تقي الدين الذي"لا يفعل مُا يُعجب الناس".
ـ من أنا ؟
ـ أنا الرجل "العابر"، كلما ابتلت أقدامي بالوحل، أغسلهما بدمع العين وماء القلب.
ولكنهما:
سعيد تقي الدين.
ـ غسان تويني.

غسان تويني وقد رأى العالم من نافذة جريدة، لكنّه لم يكن أسير الورق.. كان يكتب كما لو أنّ الكتابة فعل مقاومة أخلاقي قبل أن تكون مهنة في زمنٍ كانت فيه البنادق تتكلم باسم الجميع، اختار أن يتكلم باسم الإنسان، حتى حين بدا صوته نشازاً في جوقة الخراب.. لم يؤمن بالحياد البارد، انحاز للحياة، وكان يعتبر أن الحقيقة ليست ما يُقال فقط، بل ما يُدفع ثمنه.. في فلسفته، لم تكن الصحافة مجرد نقلٍ للوقائع، بل محاولة دائمة لإنقاذ المعنى من بين أنقاض الحدث.. غسان تويني الذي رأى أن الكلمة إذا لم تُلامس الجرح، فهي ترف، وإذا لم تُخاطر، فهي زينة.. لهذا ظلّ، حتى في أشد لحظات لبنان قتامة، مؤمناً بأن الحوار ليس ضعفاً، بل شجاعة تتطلب قدرة نادرة على رؤية الآخر دون أن تفقد نفسك (ياللمفارقة ومعجب بـ ترومان ؟!!).
غسان تويني لم يكن يكتب ليقنع، بل ليوقظ.. كان يراهن على وعيٍ قد يتأخر، لكنه لا يموت، وعلى إنسانٍ قد يضلّ، لكنه قادر دائماً على العودة، وفي عمق تجربته، كان الحزن حاضراً كمعلمٍ قاسٍ، لا ليُسقطه، بل ليُهذّب نظرته إلى العالم، فيجعل من الخسارة لغة، ومن الألم معرفة، ومن الوطن سؤالاً مفتوحاً لا يُجاب عنه مرة واحدة، ولهذا بكينا على دمعته المختبئة وراء الكرامة يوم كانت له لحظة هي تاج عمره الثقيل، لحظة وداع "جبران"، وعد الشباب.. ديمومة الشباب، نزق الشباب ورقصته، وها أنذا أنكسر، يوم تذكّرت رقصة لجبران وعيون الصبايا تطارده.
ـ أظن عام ١٩٩٧.
اقرأ أيضاً:
هل نحتاج إلى كذبة الجاهلية لنُثبت فضيلة الإسلام؟ همساً للـ د. محمد حبش
هي نهاية سطوة "حرّاس الدين" إلى "يوم القيامة".. إذا كان ثمة قيامة
طيب، ماذا عن سعيد تقي الدين؟
سعيد تقي الدين لا يشبه زمنه إلا بقدر ما يتمرّد عليه، لم يدخل الكتابة من باب الزينة أو التأنّق اللغوي، بل اقتحمها كما تُقتحم معركة، ساخراً، لاذعاً، ومشحوناً بروحٍ لا تعرف المهادنة.. في عالمه، لم تكن الفكرة تُقال بل تُرمى، ولم تكن الجملة تُصاغ بل تُشهر كسكين، ولهذا بدا دائماً كمن يكتب ليهدم، لا ليشرح، وليوقظ، لا ليواسي.
السخرية عنده ليست ترفاً، بل سلاح أخلاقي في وجه الزيف، والضحك عند سعيد تقي الدين، يمكن أن يكون أكثر فتكاً من الغضب.. لم يكن يثق بالشعارات الكبيرة، ولا بالوجوه التي تتقن ارتداء الأقنعة، فاختار أن يعرّيها بلا رحمة، كأنما مهمته أن يفضح الكذب حيثما استقرّ، حتى لو كان ذلك على حساب صورته أو مكانته.. كان يرى أن المجتمع، حين يتصالح مع تناقضاته، يصبح أكثر عرضة للانهيار، وأن وظيفة الكاتب أن يعيد هذا التوتر إلى الواجهة، لا أن يطمسه.
في فلسفته، الحرية ليست مفهوماً نظرياً، بل حالة يومية من العصيان، تبدأ من اللغة ولا تنتهي عند الموقف.. لذلك لم يسعَ إلى رضا أحد، ولم يحاول أن يكون مقبولاً، بل أن يكون حقيقياً، حتى لو بدا جارحاً أو فظاً.. كان يؤمن أن الكاتب الذي لا يزعج، لا يغيّر، وأن النص الذي لا يترك خدشاً، لا يستحق أن يُقرأ.
هكذا عاش سعيد تقي الدين، بين حدّين:
ـ رغبة في قول كل شيء، ويقين مرير بأن ما يُقال لن يكون كافياً، لكنه، رغم ذلك، ظلّ يكتب، كأن الكتابة قدرٌ لا مهرب منه، أو كأنها الطريق الوحيدة ليبقى حياً في عالمٍ لم يكن يثق به تماماً.
ـ هل نعود إلى رسالة سعيد تقي الدين؟
سعيد تقي الدين واجه غسان تويني برسالة ، نشرتها صحيفة النهار التي يرأسها غسان تويني بكل التعالي والكبرياء، غسان تويني منح خصمه مفتاح بيته.
ـ يا لكرامة الخصومة.
في تلك الرسالة، لا يظهر تقي الدين كخصمٍ لتويني بقدر ما يظهر كضميرٍ مشاغب داخل البيت نفسه.. لغته، التي بدت كأنها هجوم، كانت في جوهرها محاولة لتخليص الكلمة من لياقتها، من تهذيبها الذي قد يُخفي أكثر مما يكشف.. كان يكتب كما لو أنه يقول: "الحقيقة لا تُقال بأدب دائمًا، بل أحيانًا بفظاظة تليق بعمق الكذب الذي تواجهه"
هنا تتجلى فلسفته:
ـ السخرية والحدة ليستا خروجاً على الأخلاق، بل عودة إليها في صورتها الأولى، قبل أن تُدجّن.

في المقابل، كان تويني، بنشره لهذه الرسالة، يمارس فلسفته دون أن يعلنها: "الإيمان بأن الكلمة لا تُخاف، حتى حين تُوجَّه إليه شخصياً.. لم يتصرف كحارسٍ لصورته، بل كحارسٍ لفكرة أوسع: أن الصحافة ليست منبرًا للرأي الواحد، بل ساحة يتواجه فيها المختلفون دون أن يُقصى أحد.. لقد قبل أن يكون موضوعاً للنقد في الجريدة التي يرأسها ويملكها، كأنه يقول إن الحقيقة لا تُدار، بل تُترك لتتكوّن في احتكاك الأصوات.
هنا، تتجاوز الرسالة مضمونها لتصبح فعلاً فلسفياً مزدوجاً:
ـ تقي الدين يهدم من الداخل، وتويني يسمح بهذا الهدم أن يحدث في العلن.
ـ الأول يؤمن أن الكلمة يجب أن تصدم كي توقظ، والثاني يؤمن أنها يجب أن تُنشر كي تبقى حيّة.
وبين الصدمة والنشر، يتشكّل معنى أعمق للحرية:
ـ ليست أن تقول ما تريد فقط، بل أن تسمح لغيرك أن يقول ما قد يوجعك.
لو جُمعت الشخصيتان في نص واحد، لبدتا كقطبين لا يلغي أحدهما الآخر، بل يكمله.
"تقي الدين" هو الشك الذي لا يهدأ، الرجل الذي يرفض أن تستقرّ المعاني في صيغ نهائية، ويصرّ على أن الحقيقة تُولد من الاحتكاك، وتويني هو الإيمان الذي يحمي هذا الشك من أن يتحول إلى فوضى صامتة، فيمنحه فضاءً وشرعية.
ـ الأول يكتب ليكسر، والثاني ينشر ليبني.. الأول يجرح اللغة كي تفيق، والثاني يحفظها كي لا تموت.
في تلك اللحظة، لم تكن "النهار" مجرد صحيفة، بل مسرحاً فلسفياً حياً:
ـ كاتب يهاجم، ورئيس تحرير ينشر الهجوم عليه، وكلاهما، بطريقته، يدافع عن شيء واحد بصيغتين مختلفتين:
ـ كرامة الكلمة.
أعرف أنني رجل "هشّ"، بل بالغ الهشاشة، رجل "شرشوح"، سريع التحوّل، مربِك، وأستحلي إرباك الآخر، لا أنا " تقي الدين" وهو الشك الذي لا يهدأ، والذي يرفض أن تستقرّ المعاني في صيغ نهائية، ويصرّ على أن الحقيقة تُولد من الاحتكاك، ولا أنا تويني وهو الإيمان الذي يحمي هذا الشك من أن يتحول إلى فوضى صامتة، فيمنحه فضاءً وشرعية.
لماذا أكتب ما سبق؟
ما من هدف لما اكتبه، كل ما في الأمر أنني لست قافز زانة، ولا مهرّج في سيرك أتسلى بإطلاق الحمامة من العمامة.. أنا:
ـ الرجل العابر، في الزمن العابر، بين أمم عابرة.. حروب عابرة وخيام تتقاذفها الرياح وقد اختلطت فيها الصرخة بالشتيمة.. أنا "الشرشوح":
ـ يا ولاد الشر شـــــــو.
ـ حة.