info@suwar-magazine.org

لم يكونوا أبطالاً… كنا نحن صغاراً

لم يكونوا أبطالاً… كنا نحن صغاراً
Whatsapp
Facebook Share

 

لا أكف عن متابعتهم، وثائقيات سينمائية، كتب وقصاصات جرائد، والكثير الكثير من كوميديا  الوجوه التي تنظر إلينا من الصور القديمة، بملامح تكاد لا تخطئها العين الذكية، والذكيّة هنا هي العين التي اختبرت الخدعة، "خدعة الصورة" وأظن انني من هؤلاء، بعد زمن طويل من تدريب عيني على أن تكون ذكية، ففي لحظة ما، العين تسمع الأصوات، وربما تلتقط أنفاس من ابتسم للكاميرا:

 

ـ رجل واقف في شرفة، رجل يرفع يده، رجل يحيط به الجنود، رجل يحيط به الشعراء، رجل يحيط به رجال الدين، رجل تحيط به الجماهير، وبعد سنوات قليلة، أو عقود، أو قرن، نكتشف أن الرجل الذي بدا لنا بحجم العصر لم يكن في الغالب سوى رجل صغير صادفته لحظة كبيرة.

 

 

تعالوا نتأمل في "خداع التاريخ" من وقائعه وقد باتت مكشوفة لكل من اقتنى جهاز تلفزيون بالشريط الملوّن أو الأبيض والأسود: 

ـ نحن نعرفهم بعد أن أصبحوا ما أصبحوا، نعرف هتلر بعد المحرقة، وستالين بعد الغولاغ، وموسوليني بعد الفاشية، وصدام حسين بعد المقابر الجماعية والحروب، وحافظ الأسد بعد أن أصبح الخوف مؤسسة يومية، لكننا ننسى أن كل واحد من هؤلاء كان، في لحظة ما، شخصاً لا يكاد يعني شيئاً، رجلاً يمشي في الشارع، يجلس في مقهى، يدخل اجتماعاً صغيراً، يتحدث إلى بضعة أشخاص لا يعرفون بعد أنهم أمام رجل سوف يغير حياتهم، وربما يدمرها، ولا حظوا أن هؤلاء لا يأتون إلا على أعقاب كارثة، يعني لا يأتون إلى البلدان السعيدة.

 

 

هذا ما يجعلني لا أثق بصورة "الزعيم العظيم"، فالصورة التي تأتي بعد الكارثة تمنح الرجل هالة لم تكن له بالضرورة قبلها، فالكوارث الكبرى توقظ خيال "المُخلّص":

 

هاينريش هيملر، مثلاً، أحد أكثر الرجال مسؤولية عن ماكينة الإبادة النازية، لم يخرج من أسطورة، درس الزراعة، وعمل لبعض الوقت بائعاً لدى شركة للأسمدة، ثم عاد إلى تربية الدجاج، وكانت تجربته في هذا العمل فاشلة إلى حد لافت، لم يكن الجنرال الأسطوري الذي قد نتخيله حين نسمع اسمه اليوم، بل رجل عادي، شديد الانغلاق، محدود الحضور، قبل أن تمنحه السياسة والحزب والآلة النازية فرصة ليصبح واحداً من أكثر الرجال فتكاً في القرن العشرين.

 

وهذا التفصيل الصغير، بائع الأسمدة ومربي الدجاج الفاشل، يهمني أكثر مما تهمني عشرات الصور التي يظهر فيها هيملر واقفاً بوجهه الجامد بين ضباطه، لأن التاريخ يحب أن يمحو البداية، يحب أن يأخذ الرجل بعد أن أصبح وحشاً، ثم يعيد رسم طفولته وشبابه بحيث يبدو كأن الوحش كان كامناً منذ اللحظة الأولى، ينتظر فقط أن تأتيه ساعة الظهور، لكن لا أحد يولد في صورة فوتوغرافية، ولا أحد يستيقظ صباحاً فيكتشف أن التاريخ اختاره.

 

 

سأتابع ولكن مع جوزيف غوبلز مقتبساً الكلام من وثائقي بالأبيض والأسود، يصفه الفيلم بـ :

الرجل الذي جعل الكذبة فناً سياسياً، والدعاية سلاحاً، وتحويل البشر إلى جمهور مذعور ومطيع، هو واحدة من أكثر الصناعات نجاحاً في تاريخ القرن العشرين.

 

 بدايته شاباً مثقفاً يريد أن يكون كاتباً، كان مصاباً بتشوه في القدم منعه من الخدمة العسكرية، وحصل في هايدلبرغ على دكتوراه في الأدب الألماني، واشتغل بالكتابة والصحافة، كان يريد أن يكون أديباً، وهنا تكمن المفارقة التي تثيرني أكثر من أي تفسير سياسي:

 

ـ رجل يريد الأدب، فينتهي إلى حرق الكتب؟! رجل يريد أن يكون كاتباً، فيصبح وزيراً للدعاية في دولة تحوّل الكلمة إلى سوط، رجل عانى، في شبابه، من عدم الاعتراف به، ينتهي إلى بناء آلة كاملة لإجبار الآخرين على التصفيق له.

 

ـ هذا هو غوبلز وفق الفيلم ووفق عيني شخصياً.

لست هنا معنياً هنا بتفسير غوبلز نفسياً، فالتاريخ أكبر من عقدة شخصية، لكنني أتوقف أمام المفارقة:

ـ كم من مرة يتحول الجرح الشخصي، حين يجد السلطة، إلى جرح يصيب ملايين الآخرين؟

 

اقرأ أيضاً:  

 

                     السيد الرئيس وهو يبحث عن شجرة العائلة

                     صناعة الرئيس: من يملك مفتاح الخزنة؟

 

 

أما هتلر، ذلك الرجل الذي نكاد نراه اليوم وكأنه خرج من ظلام أسطوري، فلم يكن في بدايته سوى فنان فاشل، مهاجر فقير في فيينا، رجل رفضته أكاديمية الفنون مرتين، ثم عاش في مأوى للفقراء وباع لوحات مائية ورسومات للمدينة كي يعيش، وحين عاد إلى ميونيخ بعد الحرب، وجد طريقه إلى السياسة من خلال اجتماع صغير لحزب عمالي ألماني كان يكاد لا يعني شيئاً، وفي عام 1919 ألقى خطابه الأول في إحدى حانات ميونيخ، ثم أخذ يصعد بفضل قدرته على الكلام وتحويل الغضب الشعبي إلى خطاب سياسي.

 

لم يكن صاحب سلالة سياسية، لم يكن أرستقراطياً، لم يكن فيلسوفاً، لم يكن جنرالاً، ولم يكن، حتى ذلك الوقت، صاحب إنجاز يفسر الكارثة التي سيقود إليها ألمانيا وأوروبا.

 

كان عريفاً سابقاً في الجيش، رساماً فاشلاً، ورجلاً يملك موهبة خطابية حقيقية، ثم صادفته ألمانيا المهزومة، المهانة، الخائفة، الغاضبة، ووجد فيها ما يحتاجه، وهذه، ربما، هي النقطة التي أخشى منها أكثر من هتلر نفسه، فزعامات ما بعد الكوارث كارثة، ولم يكن صعود هتلر سوى على أكتاف المانيا الجريحة، ولا اظن أن هذه القاعدة ستتغير، فأنظمة المجازر قد يسقطها "جزّارون".

لو كان هتلر عبقرياً خارقاً، لكان من السهل أن نطمئن إلى أنفسنا،  نقول:

ـ كان هتلر استثناءً، ونحن لسنا استثناءً مثله.

ومن بعدها نضيف:

ـ كان وحشاً لا يشبهنا، أو كان مجنوناً، ولذلك حدث كل شيء.

 

 

لكن التاريخ لا يسمح لنا بهذه الراحة، هتلر لم يصنع النازية وحده، كان هناك جمهور، وصحافة، ورجال أعمال، وضباط، ومحافظون، وموظفون، ومثقفون، وكنائس، وأجهزة دولة، وملايين الناس الذين لم يكونوا جميعاً نازيين بالمعنى نفسه، لكنهم سمحوا للآلة بأن تتحرك، أو لم يروها خطراً يستحق المواجهة، أو رأوا فيها حلاً لمشكلاتهم، أو اكتشفوا، في وقت متأخر، أن القطار الذي صعدوا إليه لا يتوقف.

 

 

وهنا يبدأ خوفي الحقيقي من "الأبطال"، لأنهم لا يصعدون وحدهم، هناك دائماً من يفتح لهم الباب، ومن يصفق، ومن يبرر، ومن يقول: دعوه يجرب.

ـ كم مرة انتهت بها هذه  البلدان إلى المقابر؟

حتى ستالين، الذي يصعب أن يقال عنه إنه كان غبياً أو قليل الذكاء، لا يهمني أن أضعه في خانة العباقرة أو الأغبياء، كان لديه قدرة سياسية هائلة على المناورة، وعلى بناء التحالفات ثم التخلص منها، وعلى قراءة موازين القوة داخل الحزب والدولة، لكن هذا بالضبط هو ما أريده من المقال:

ـ أن ننزع عنه الأسطورة لا الذكاء، فلديه من الذكاء ما يسمح له بأن يكون "جزّاراً".

 

الرجل الذي أصبح "ستالين" كان في الأصل ابن بيئة قوقازية فقيرة، درس في مدرسة دينية، ثم خرج منها إلى عالم الثوريين والمنفيين والمطاردين، لم يبدأ حياته كإمبراطور للاتحاد السوفياتي، لم يكن أحد ينظر إلى الطفل الذي ولد في غوري باعتباره الرجل الذي سيحكم دولة شاسعة ويدفن ملايين البشر تحت ثلجها.

 

ـ حتى الذين أحاطوا به لم يكونوا آلهة.

مولوتوف، بيريا، مالينكوف، فوروبيشيلوف، وغيرهم من رجال الدائرة الستالينية، كانوا موظفين وحزبيين وثوريين ورجال أجهزة، لكل منهم طموحه وخوفه وحساباته، لم تكن موسكو آنذاك مسرحاً تجتمع فيه العباقرة لصناعة التاريخ، بل شبكة بشرية كثيفة من الطموح والخوف والوشاية والولاء والانتهازية، وهذا هو التاريخ الذي أحب أن أراه:

ـ ليس التاريخ الذي يصنعه رجل واحد، وإنما التاريخ الذي يصنعه رجل وحيد ومعه آلاف الأيدي الصانعة.

 

 

موسوليني أيضاً لا يأتي من الأسطورة التي صنعتها الفاشية حول نفسها، كان صحفياً، وخطيباً، وسياسياً اشتراكياً سابقاً قبل أن ينقلب إلى الفاشية، ثم مؤسساً لحركة صغيرة تحولت إلى حزب، وحين وصل إلى السلطة لم يدخل روما منتصراً على ظهر حصان كما تحب الأساطير أن تروي، بل كانت هناك أزمة سياسية ومؤسسات ضعيفة وملك قرر تكليفه بتشكيل الحكومة بعد مسيرة الفاشيين على روما، حتى الفاشية، إذا أعدناها إلى لحظتها الأولى، لم تكن قدراً محتوماً، كانت سلسلة من المصادفات، والفرص، والأخطاء، والخوف، والتواطؤ، وهذه هي الكلمة التي لا يحبها التاريخ كثيراً:

ـ التواطؤ.

لماذا لايحبها؟

لأنها تعيد المسؤولية إلى الناس، الطاغية وحده قصة مريحة، أما الطاغية ومعه جهاز كامل من الموظفين والجنود والقضاة والمثقفين ورجال الأعمال والجمهور، فهذه قصة تعني "المكيدة" أكثر مما تعني "قصة".

 

 

ولذلك لا أستطيع أن أقرأ صدام حسين بالطريقة التي قرأنا بها صورته بعد أن أصبح العراق سجناً كبيراً.

كان شاباً من تكريت، لم يكمل دراسة القانون، دخل مبكراً في العمل الحزبي السري، شارك في محاولات اغتيال، عاش مطارداً، ثم عاد إلى العراق، وصعد داخل حزب البعث حتى أصبح نائباً لأحمد حسن البكر، قبل أن يزيحه ويتولى السلطة عام 1979.. لم يكن في بدايته جنرالاً أسطورياً ولا رجل دولة محترماً ولا صاحب مشروع فكري عظيم، كان سياسياً حزبياً شديد القسوة، بارعاً في المؤامرة والصعود داخل شبكة السلطة.. ثم جاءت الدولة، الدولة التي تعطي رجلاً كهذا أجهزة أمن وجيشاً وحزباً وإعلاماً وسجوناً وميزانية وثروة نفطية، وهنا يستطيع رجل محدود الذكاء أن يصبح واسع الخراب.

لو تُرك الأمر لي، لكتبتها على جدار كل قصر رئاسي:

ـ رجل محدود الذكاء، يصبح واسع الخراب.

 

 

لا تحتاج إلى أن تكون عبقرياً كي تدمر بلداً، يكفي أن تحصل على الأدوات، وحافظ الأسد، في بدايته، لم يكن أسطورة أيضاً، كان ضابطاً من قرية سورية، دخل الجيش، ثم صعد داخل حزب البعث واللجنة العسكرية، وأصبح قائداً للقوة الجوية، ثم وزيراً للدفاع، ثم أطاح بصلاح جديد في انقلاب 1970، وأقام النظام الذي سيحكم سوريا لعقود، لم يكن صعوده قفزة سحرية من القرية إلى القصر، بل سلسلة طويلة من التحالفات العسكرية والحزبية، والصراعات والانقلابات وإعادة ترتيب موازين القوة.

 

ـ وهنا أيضاً أجد نفسي مضطراً إلى مقاومة صورة "الرجل العبقري".

كان الأسد شديد الحذر، صبوراً، قادراً على بناء شبكة ولاءات، وعلى فهم الجيش والأجهزة وموازين القوى، هذه ليست صفات رجل غبي، لكن الذكاء السياسي لا يساوي الحكمة، والقدرة على البقاء في السلطة لا تساوي القدرة على بناء وطن، ربما يكون هذا من أخطر الالتباسات التي ارتكبناها في تاريخنا الحديث، لحظة خلطنا بين الذكاء والفضيلة، بين القوة والكفاءة، بين البقاء طويلاً والنجاح، بين إخضاع الناس وإدارة الدولة، وبين الصمت والاستقرار.

 

الرجل الذي يستطيع أن يجعل الناس يخافون منه قد يكون ماهراً في صناعة الخوف، لكنه لا يصبح بذلك عظيماً، والرجل الذي يبقى في السلطة أربعين عاماً لا يكون بالضرورة قد نجح في حكم بلده؛ ربما يكون قد نجح فقط في منع الآخرين من إسقاطه، وهذا فرق هائل، فحين ننظر إلى هؤلاء الرجال بعد سقوطهم، أو بعد موتهم، نخطئ لأننا نرى الدولة التي تركوها خلفهم وننسى الرجل الذي كان قبل الدولة.

 

ـ هتلر لم يكن هتلر الذي نعرفه حين دخل أول اجتماع صغير في ميونيخ.

ـ غوبلز لم يكن وزير الدعاية حين كان شاباً يريد أن يكون كاتباً.

ـ موسوليني لم يكن "الدوتشي" حين كان صحفياً اشتراكياً.

ـ صدّام لم يكن رئيس العراق حين كان شاباً هارباً من الشرطة.

ـ وحافظ الأسد لم يكن رئيس سوريا حين كان ضابطاً شاباً يصعد داخل جيش وحزب غارقين في الانقلابات والدسائس.

 

 

كل طاغية تقريباً كانت له لحظة مبكرة كان يمكن فيها أن يبدو سخيفاً، ولكل ديكتاتور تقريباً صورة قديمة يصعب أن نصدق، إذا تأملناها جيداً، أن صاحبها سيصبح يوماً سبباً في موت آلاف أو ملايين، وربما لن نصدّق أنه هو نفسه الرجل الذي يضع صورته في كل شارع ثم يقنعني أن تلك الصور هي صورة الوطن.

 

ولكن ثمة ملاحظة لا ينبغي عليّ نسيانها، الملاحظة هي التالية:

لقد تعلمت من التاريخ شيئاً بسيطاً ومخيفاً، وهو أن أخطر الرجال ليسوا دائماً أولئك الذين نراهم كوحوش منذ البداية، بل أولئك الذين نمنحهم الوقت والأدوات حتى يتحولوا إلى وحوش، والأخطر منهم ربما ليس الرجل نفسه، بل اللحظة التي تحتاج إليه، الجمهور الذي يريد يداً قوية، الدولة التي أنهكتها الفوضى، الفقر الذي يبحث عن كبش فداء، الهزيمة التي تبحث عن كبرياء بديل، الخوف الذي يريد من يحميه، والغضب الذي لا يعرف إلى أين يذهب.

هناك، في تلك المنطقة المعتمة بين الخوف والغضب، يولد المستبد، ثم نأتي نحن بعد سنوات، نقرأ سيرته، ونقول:

ـ يا له من رجل.

وهذه هي المشكلة، رجلاً مثلنا، لكنه وجد حوله دولة مرتبكة، وجمهوراً غاضباً، وأجهزة مسلحة، ومثقفين مستعدين للتبرير، وخائفين مستعدين للصمت، وطامحين مستعدين للخيانة، ثم وجد نفسه فجأة أكبر مما كان يتخيل، ولهذا لا أريد أن أصدّق الأبطال، أريد أن أراقب البشر الذين يقفون حولهم، فالطاغية لا يصبح طاغية في المرآة، يصبح كذلك حين يجد من يصفق له، ومن يكتب له، ومن يحرسه، ومن يكذب باسمه، ومن يخاف منه، ومن ينتظر نصيبه من غنيمته، وكذلك من يقول لنا، في كل مرة، إن الوقت ليس مناسباً للاعتراض، ثم، حين ينتهي كل شيء، نبحث عن قبر الرجل ونضع عليه كل الشر، كأننا لم نكن هناك، أو كأننا لم نر، أو كأننا لم نصفق، أو كأننا لم نقل، في بداية الطريق:

ـ دعوه، يعرف ما يفعل.

 

 

لهذا لا أثق بأبطالكم، ولا بأبطال الأزمنة الغابرة، وأخشى، أكثر من الطاغية نفسه، اليوم الذي يبدأ فيه الناس في تصديق أنه أكبر منهم، لأن الرجل، مهما كبر، يبقى رجلاً، أما حين يتحول إلى أسطورة، تبدأ الكارثة، فوحدها الأساطير لا تُحاسَب، والتاريخ، في أسوأ لحظاته، ليس سوى حكاية بشر صدّقوا أساطيرهم طويلاً، حتى صاروا مضطرين إلى دفن موتاهم تحتها.

 

 

 

نعم ربما التاريخ كان قد فعل ذلك، أشك أن يكون بطلاً كل من وصل إلينا محمولاً على كتفي التاريخ، من الإسكندر المقدوني إلى خالد بن الوليد، ومن ريتشارد قلب الأسد إلى جنكيز خان، ومن نابليون إلى أولئك الذين لا أتذكر أسماءهم إلا لأن أحداً قرر في وقت ما، أن يمنحهم مجداً أكبر من حياتهم؛ أشك، لا لأنني أعرف هؤلاء الرجال، فأنا لم أجلس مع الإسكندر إلى مائدة، ولم أرَ خالد بن الوليد وهو يستيقظ من نومه، ولم أعرف ريتشارد قلب الأسد حين كان يمرض أو يغضب أو يخطئ في اسم امرأة، ولم تكن لديّ كاميرا في جيوبهم لأرى كيف كانوا حين لا يكون المؤرخ واقفاً وراءهم بقلمه، وإنما لأنني أعرف شيئاً عن الطريقة التي يعمل بها البشر حين يكتبون تاريخهم:

 

ـ يغسلون الدم بعد أن يجف، يلمّعون السيف، يضعون للقاتل حصاناً أبيض، ويتركون للشاعر مهمة أن يشرح لنا لماذا كان القتل ضرورة.

 

ـ ثم يأتي الرسام فيمنح الرجل وجهاً أكثر نبلاً مما كان له، ويأتي المخرج بعد قرون فيمنحه موسيقى تصويرية، ويمدّد قامته قليلاً، ويمنحه نظرة لا أظن أن عينيه كانتا تعرفانها، حتى يصبح الرجل الذي كان يقتل البشر كأنه لم يكن يفعل أكثر من تحريك قطع الشطرنج.

 

 

 ربما لهذا لم تعد تعنيني كثيراً صورة البطل، وإنما الرجل الذي أخفته الصورة، ذلك الكائن الذي كان يأكل وينام ويتعرق ويخاف ويشتهي ويغضب ويخطئ، قبل أن يأتي التاريخ فيقص منه كل ما يجعله إنساناً ويُبقي منه السيف؛ فأنا لا أعرف هؤلاء، ولن أعرفهم، لكنني أميل إلى الشك في كل بطل دموي، لأن البطولة، حين تمر فوق الجثث، ليست سوى اسم آخر اخترعه الناجون من التاريخ كي يستطيعوا النوم، أو اخترعه المنتصرون كي لا يضطروا إلى الاعتذار.

 

 

وربما لهذا أيضاً لا أصدق كثيراً أن هؤلاء الرجال كانوا وحدهم، لا هتلر صنع النازية وحده، ولا ستالين صنع الستالينية، ولا موسوليني كان الفاشية كلها، ولا صدام كان العراق وحده، ولا حافظ الأسد كان سوريا وحده،  خلف كل رجل من هؤلاء جماعة من الرجال، وجمهور، وموظفون، وعسكر، ومثقفون، وصحفيون، وخائفون، وطامحون، ومصفقون، وأناس عاديون وجدوا في لحظة ما أن الصمت أقل كلفة من الكلام، وأن التصفيق أكثر أمناً من الاعتراض، وأن الرجل القوي، حتى لو كان كاذباً، أفضل من الفوضى التي لا يعرفون كيف يواجهونها.

وهنا تحديداً يبدأ خوفي من الأبطال:

 

الطاغية، في بدايته، لا يبدو دائماً طاغية، وربما هذه هي الحيلة الأكبر التي ارتكبها التاريخ معنا، نحن نعرف الرجل بعد أن يصبح ما أصبح، ولذلك يبدو لنا وكأنه كان يحمل الكارثة في جيبه منذ ولادته، نراه في الصور القديمة فنبحث عن الوحش في وجهه، عن شيء في العينين، في الفم، في الجبهة، عن علامة سرية تقول لنا:

ـ كان هذا الرجل سيقتل الناس ذات يوم.

 

لكنني لا أجدها، أرى رجلاً فقط.. وربما كان ذلك الرجل، في صباح ما، صغيراً إلى الحد الذي لم يخطر لأحد أنه سيصبح كبيراً بما يكفي لتدمير حياتنا.

كل هؤلاء "الأبطال" بمن فيهم أبطال التاريخ، لا أجدهم "عمالقة"، لا، أجدهم صغاراً بل صغاراً جداً، أقلّه كي لا أبدو صغيراً.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard