نوافذ يفتحها المشهد

العالم يثرثر، المحطات تثرثر، رجال الأعمال يثرثرون، العشاق يثرثرون، الكتّاب يثرثرون، والمقاهي تثرثر، وربما وحدهن "المومسات" يرشّدن الكلام، وكلما ازدادت ثرثرة العالم تكشّف حجم احتياجاته للكلام.
لغات تتراكم فيها المعاجم، وأخرى لا تجد طريقها إلى المعاجم أصلاً، ولغات تُحصى مفرداتها وتُدرّس في الجامعات، وأخرى يتحدث بها أناس لم يسمع بهم أحد، كأنهم يتكلمون خارج العالم، أو كأن العالم هو الذي يتكلم خارجهم.
الكلام كثير، إلى درجة أن قاموس أوكسفورد يوثق إلى اكثر من "٦٠٠" ألف كلمة عبر تاريخ اللغة الإنكليزية، وقد تتسع العربية للمزيد من الثرثرة والدليل الأسماء اللانهائية لله، أو تلك المتصلة بالسيف او الحصان.. كلام كثير، ولكن من قال أن الكلمات يجب أن تُحصى، وما الذي يجعلك تُخزّن الثرثرة في دنان كما لو أنها من روح النبيذ.
ـ هذا عيب.
النبيذ كمشة عنب، يعيد الإنسان تشكّلها فتعيد تشكيله.
ألم تأتي في واحدة من مسرحيات الرحابنة تلك الأغنية التي تقول في مقطع منها وهي تحاكي زجاجة الكحول:
ـ حاجة تلوميني.. أنا والقنينة.
بوديها على تمي..
ع القمر بتوديني.
زجاجة لها اسم واحد:
ـ النبيذ.
والآن علينا أن تخيّل تسع وتسعون اسماً لله.
ـ أتساءل:
لم كل هذا؟
هذا إما فقر باللغة، وإما تبذير وتبديد والنتيجة:
ـ ثرثرة.
بالنسبة لي (وهذه مسألة شخصية ما من حق أحد تعليقها على شرط)، قد تكون لغة شعب صغير أقدر على تسمية نبات ينبت في أرضه، أو تمييز حركة في الريح، أو وصف درجات الحزن في قلب أمّ من لغة يتحدث بها نصف العالم.. ليست المسألة عدد الكلمات، بل عدد العوالم التي تستطيع الكلمات أن تحملها، وعدد العوالم التي لم نكلف أنفسنا عناء اكتشافها.
نحمّل الله "تسع وتسعون اسماً"، لأننا لا نُصغي.. نثرثر، لايدخل الله ذاكرتنا إلأّ بعد دعوته بـ"تسع وتسعون حنجرة".. لو كان لله اسماً واحداً لنسيناه، فالثرثارون بلا ذاكرة.
كل اللغات هي مشهد عبقري إن توقف الإنسان عن الثرثرة، لغات تحملها جملة واحدة من طراز:
ـ الناس اثنان، عاقل لادين له، وديّن لاعقل له.
تلك لغة أبو العلاء، وقد اختصرت علينا الكثير الكثير الكثير.
ليس في اللغة فحسب، ثمة أعمال فنية كاملة يمكن أن تغيب من الذاكرة، فيما تبقى منها لقطة واحدة، أو عبارة واحدة، أو حركة يد لا تستغرق أكثر من ثانية، كأن الذاكرة، وهي تعيد ترتيب ما عاشه الإنسان وما رآه وما قرأه، لا تعبأ دائماً بحجم العمل ولا بمقدار الجهد الذي بُذل في إنجازه، بل تبحث عن شيء آخر، أكثر غموضاً وأشد استعصاءً على التفسير:
ـ تلك اللحظة التي يتوقف عندها الزمن، ولو للحظة، ليقول شيئاً لم يكن ممكناً قوله قبلها أو بعدها.
حدث هذا في السينما، فقد ينسى المرء تفاصيل فيلم كامل، أسماء شخصياته، تسلسل أحداثه، وحتى نهايته، لكنه لا ينسى رجلاً كفيفاً يرقص.
في فيلم "عطر امرأة"، يقف فرانك سليد، الذي يؤدي دوره آل باتشينو، أمام فتاة شابة، ويطلب منها أن ترقص معه التانغو.. الرجل الذي حُرم البصر لا يتردد، ولا يطلب من العالم أن يفسح له طريقاً، ولا ينتظر شفقة أحد.. يتقدم إلى الرقص كما لو أنه يعرف ما لا يعرفه المبصرون، وكأن العمى الذي سلبه القدرة على رؤية الأشياء لم يستطع أن ينتزع منه القدرة على الإحساس بها، برائحتها وملمسها.
في ذاك المشهد ومن ذاك الفيلم، شيء من الكبرياء، وشيء من استعادة الذات، وشيء من تلك الرغبة القديمة في أن يظل الإنسان سيداً على جسده، حتى حين تفلت منه أشياء كثيرة في الحياة.
ـ ما الذي فعله هذا المشهد بي.. بي شخصياً؟
منحني فرصة للظن بأنني أستطيع مواجهة العاصفة، ربما أكثر قليلاً، ربما منحني فرصة لـ"صناعة العاصفة".
ياللغرور الواهم الرائع!!
ليس ضرورياً أن يكون هذا المشهد أعظم ما أنتجته السينما، ولا أن يكون أكثر مشاهد الفيلم أهمية في سياقه الدرامي، لا، لاهذا ولاذاك، تكمن قوته في أنه مشهد استطاع أن يغادر الفيلم، وأن يستقل عنه، وأن يعيش حياة أخرى في ذاكرة المشاهدين، لقد صار مشهداً عن العمى والرؤية، عن الشيخوخة والشباب، عن الهزيمة والمقاومة، وعن قدرة الجسد على أن يقول ما تعجز اللغة عن قوله، وما إن ينتهي الرقص حتى يكون شيء ما قد حدث، من دون أن يكون ثمة ما يستوجب الشرح.
ـ تلك إحدى معجزات ترشيد اللغة بما فيها لغة الجسد، هي واحدة من معجزاته، أنه يضع أمامنا ما نظن أننا نعرفه، ثم يجعلنا نراه للمرة الأولى.
لكن لماذا تبقى هذه اللحظة تحديداً، فيما تتراجع لحظات أخرى، ربما كانت أكثر إحكاماً أو جمالاً أو أهمية؟ ولماذا يمكن لعبارة من كلمتين أن تظل حية قروناً، بينما تذهب إلى النسيان كتب كاملة؟ هل يتعلق الأمر بالعبقرية وحدها، أم أن هناك لقاء غامضاً بين العمل الفني واللحظة التي يستقبله فيها الإنسان، لقاءً لا يستطيع صاحبه أن يتنبأ به، ولا يستطيع النقد أن يفسره تفسيراً نهائياً؟
في مسرحية "هاملت"، يضع شكسبير أميره الدنماركي أمام سؤال صار أكبر من المسرحية نفسها:
ـ "أكون أو لا أكون".
أربع كلمات في الترجمة العربية الشائعة، تختصر المسافة بين الحياة والموت، وبين احتمال الاحتمال واستحالة الاحتمال، وبين الإنسان الذي يواصل العيش والإنسان الذي يسأل عن جدوى مواصلة العيش، لا يعود السؤال ملكاً لهاملت وحده، سينتزع هاملت نفسه من زمنه ومكانه، ويعبر القرون، قرون انتقل عبرها الإنسان من المحراث الروماني إلى حرب النجوم، ليصبح سؤال هاملت هو سؤال كل إنسان وجد نفسه ذات يوم أمام حياة لا تشبه ما أراده منها، أو أمام عالم لا يستطيع أن يتصالح معه، أو أمام قرار يعرف أن ثمنه قد يكون أكبر من قدرته على الاحتمال.
لعل سر العبارة لا يكمن في أنها تقدّم جواباً، بل في أنها ترفض أن تفعل ذلك، فلو امتلك هاملت جواباً نهائياً لانتهى السؤال بانتهاء المسرحية، لكنه يترك الباب مفتوحاً، ويضع الإنسان أمام نفسه عارياً من الضمانات، هكذا تتجاوز العبارة شخصية قائلها، من دون أن تفقد صلتها به، وحين يُذكر هاملت، تستدعيه الجملة، وحين تُستدعى الجملة، يحضر شكسبير لا بوصفه كاتباً عاش في إنكلترا قبل قرون، بل بوصفه ذلك الرجل الذي استطاع أن يسمع السؤال وهو يتشكل داخل رأس الإنسان، قبل أن يتحول إلى كلام.
لا أعرف سرّ هذا الكابوس الذي يطاردني، والذي اسمه نجيب سرور، لا اظن احداً فهم احداً، كما فهم نجيب هاملت.
إن بعض الجمل لا تختصر أصحابها لأنها تستوعب كل ما كتبوه، بل لأنها تفتح الطريق إلى ما كتبوه، إنها مفاتيح، لا ملخصات؛ أبواب، لا جدران، ومن الخطأ أن يُظن أن شكسبير هو "أكون أو لا أكون" وحدها، لكن من الصعب إنكار أن العبارة تحمل شيئاً من عالمه، وأنها تمنح اسمه جسراً إلى أناس لم يقرأوا مسرحياته كلها، وربما لم يقرأوا مسرحية كاملة في حياتهم.
اقرأ أيضاً:
لو انتقلنا إلى العالم الذي صنعه دوستويفسكي، تبدو العبارة المنسوبة إليه، والمتداولة على نطاق واسع:
ـ إذا لم يكن الله موجوداً، فكل شيء مباح.
جملة كأنها مفتاح لباب آخر، أكثر عتمة، لا يتعلق الأمر هنا بمجرد إثبات وجود الله أو نفيه، بل بما قد يحدث للإنسان حين تنهار السلطة التي كان يستمد منها معنى الخير والشر، وحين يجد نفسه مضطراً إلى تأسيس حدوده الأخلاقية من دون أن يتكئ على يقين جاهز.. هل يصبح الإنسان حراً حين لا يعود ثمة من يراقبه؟ أم أن الحرية، إذا لم يرافقها ضمير، قد تتحول إلى رخصة مفتوحة لارتكاب كل ما كان آثماً؟
في عالم دوستويفسكي، لا تبقى هذه الأسئلة معلقة في الهواء، إنها تنزل إلى الشوارع، وتدخل الغرف، وتجلس إلى الموائد، وتنام إلى جوار القتلة، وتطارد الذين يعتقدون أنهم نجوا من جريمتهم.. لا يكتفي الكاتب بأن يضع فكرة أمام قارئه، بل يجرّبها على أجساد البشر وأرواحهم، ويتركهم يواجهون عواقبها، ولعل هذا ما يجعل العبارة، بصرف النظر عن الجدل حول نسبتها الحرفية إلى دوستويفسكي، شديدة الالتصاق بعالمه الروائي:
ـإنها تستدعي ذلك الإنسان الذي يريد أن يكون حراً من كل شيء، ثم يكتشف أنه لم يتحرر من نفسه.
هنا أيضاً، لا تختصر العبارة الروايات، لكنها تحمل رائحتها، إنها تستدعي راسكولنيكوف، الذي أراد أن يختبر حقه في تجاوز القانون الأخلاقي، وتستدعي أولئك الذين يحاولون إقناع أنفسهم بأن الجريمة يمكن أن تصبح مشروعة إذا استندت إلى فكرة كبرى، وحين تُذكر العبارة، يحضر السؤال الذي ظل دوستويفسكي يلاحقه:
ـ هل يستطيع الإنسان أن ينجو من ضميره، حتى لو نجح في الإفلات من العدالة؟
ثمة كتّاب يمكن استدعاؤهم من خلال فكرة، وآخرون لا بد من استدعائهم من خلال صورة، كافكا مثلاً، لا يحتاج إلى أكثر من صباح واحد.. يستيقظ غريغور سامسا ذات يوم ليكتشف أنه تحول إلى حشرة هائلة، بهذه البساطة التي تشبه الكابوس، يبدأ "المسخ"، وهو أحد أشهر النصوص الافتتاحية في تاريخ الأدب.. لا تمهيد طويل، ولا تفسير لما حدث، ولا محاولة لتهيئة القارئ لقبول ما لا يمكن قبوله.. هناك رجل استيقظ على هيئة حشرة، وهناك أسرة تنتظر منه أن ينهض ويذهب إلى عمله.
المفارقة أن غريغور لا ينشغل، في البداية بالتحول الذي أصابه بقدر انشغاله بتأخره عن القطار وبما قد يقول رب العمل، كأن العالم الذي كان يعيش فيه قد نجح، قبل أن يتحول جسده إلى حشرة، في تحويله إلى شيء آخر، أقل من إنسان، شيء لا قيمة له إلا بمقدار ما يستطيع إنتاجه، وحين يفقد قدرته على العمل، يبدأ العالم في اكتشاف أن الرجل الذي عاش فيه لم يكن، في نظره، سوى وظيفة تؤدي غرضاً معيناً.
في هذا المشهد الافتتاحي، يضع كافكا الإنسان الحديث أمام مرآة لا ترحم.. لا يحتاج إلى كتابة أطروحة عن الاغتراب، ولا إلى وصف مطول لعلاقة الفرد بالمؤسسة والأسرة والعمل، يكفي أن يستيقظ رجل في هيئة حشرة، ثم يحاول أن يشرح لأهله أنه ما زال هو نفسه، لكن المشكلة ليست في عجزه عن الكلام، بل في أن الآخرين لم يعودوا يريدون الإصغاء إليه.
منذ تلك اللحظة، لا يعود التحول الجسدي هو الكارثة الوحيدة، لا، الكارثة أن العالم يستطيع أن يواصل حياته بينما يتساقط إنسان من داخله، وأن الأسرة التي كان يعيلها قد تبدأ في النظر إليه بوصفه عبئاً ينبغي التخلص منه.
هكذا يصبح المشهد أغنى من غرابته، وتصبح الحشرة صورة للإنسان الذي يفقد قيمته حين يفقد منفعته، وقد لا يكون كافكا قد قصد كل ما استخرجته الأجيال من هذا الاستهلال، لكن الفن، حين يبلغ هذه الدرجة من القوة، لا يعود ملكاً كاملاً لصاحبه، إنه يترك في العمل فراغاً تستطيع الأزمنة اللاحقة أن تسكنه بمعاناتها وأسئلتها.
وإذا كان كافكا قد اختار صباحاً غريباً ليفتح به باب عالمه، فإن غابرييل غارسيا ماركيز اختار لحظة من المستقبل ليعيدنا عبرها إلى الماضي: "بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، كان العقيد أوريليانو بوينديا سيتذكر ذلك العصر البعيد حين أخذه أبوه لاكتشاف الجليد"، بهذه الحركة الافتتاحية في "مئة عام من العزلة"، تتداخل ثلاثة أزمنة في جملة واحدة: المستقبل الذي يقف فيه العقيد أمام الموت، والماضي الذي يتذكره، والطفولة التي اكتشف فيها الجليد للمرة الأولى.
ليس المشهد مجرد استهلال روائي بارع، إنه إعلان عن عالم لا يسير فيه الزمن في خط مستقيم، ولا تملك فيه الذاكرة جريمة الفصل بين ما مضى وما سيأتي.. المستقبل موجود في الماضي، والماضي ينتظر في المستقبل، والإنسان يمضي في حياته وهو يحمل داخله أزمنة لا يعرف كيف يرتبها.. الجليد الذي يبدو تفصيلاً صغيراً في طفولة صبي، يصبح في الجملة، علامة على دهشة العالم، وعلى ذلك الزمن الذي لم تكن الأشياء قد فقدت قدرتها على الإدهاش بعد.
في هذه الجملة يستطيع ماركيز أن يفتح قرية ماكوندو، وأن يضع بذرة العزلة والذاكرة والحرب والمصير العائلي، من دون أن يشرح شيئاً من ذلك، يبدأ من رجل أمام فصيلة إعدام، ثم يقوده إلى طفولته، وكأنه يقول إن الموت نفسه قد يكون باباً للعودة إلى الحياة، وإن اللحظة الأخيرة لا تنتمي بالضرورة إلى النهاية، بل ربما تكون الطريق الأكثر إيلاماً نحو البداية.
من الصعب أن يمر قارئ بهذه الجملة من دون أن يشعر بأن رواية كاملة قد بدأت قبل أن يبدأ في قراءتها، إنها لا تخبرنا بما سيحدث فحسب، بل تعلّمنا كيف ينبغي أن نقرأ الزمن في هذا العالم، وهنا تتجلى قوة المشهد الافتتاحي:
ـ إنه لا يفتح باب الحكاية فقط، بل يحدد طبيعة الهواء الذي سيتنفسه القارئ في الداخل.
ليس غريباً أن تتشابه البدايات العظيمة في قدرتها على إحداث شرخ صغير في الواقع، ففي "دون كيخوته"، يضع ثربانتس قارئه أمام رجل أفرط في قراءة كتب الفروسية حتى اختلطت عليه حدود الواقع والخيال، فقرر أن يخرج إلى العالم فارساً جوالاً.. تبدو الحكاية مضحكة، لكن الضحك يخفي مأساة رجل يريد أن يجعل العالم جديراً بالكتب التي قرأها، ثم يكتشف أن العالم لا يلتزم بما وعدت به الكتب، ومن هذه المفارقة تولد واحدة من أكثر الشخصيات خلوداً في الأدب:
ـ رجل يرى ما لا يراه الآخرون، لا لأنه يمتلك بصيرة خارقة، بل لأنه لم يعد قادراً على قبول العالم كما هو.
أما شكسبير، فيكفي أحياناً أن يُستحضر مشهد الملك لير وهو يحمل جسد ابنته كورديليا بين ذراعيه، ليغدو المسرح كله مساحة للحزن الذي لا يستطيع أن يصلح ما أفسده، لقد عرف لير متأخراً ما الذي كان ينبغي أن يعرفه في البداية؛ وحين يصل إلى المعرفة، يكون العالم قد استنفد فرصته الأخيرة في الإنقاذ، لقد باغتته الحكمة والصحوة فخدعته الثرثرة.. ثرثرة بناته.. مع شكسبير هنا، لا تحتاج المأساة إلى شرح إضافي، جسد الابنة بين ذراعي الأب يكفي، والعمر الذي أمضاه في سوء الفهم والغرور والسلطة يتجمع في تلك اللحظة التي لا يعود فيها الندم قادراً على فعل شيء.
شكسبير، دستيوفسكي، كافكا، ثربانتس، ، في لحظاتهم الأكثر كثافة، لا يشرحون المأساة، يجسدونها، وحين يصبح المعنى جسداً يصعب التخلص منه، ربما لأن الأفكار يمكن مجادلتها، أما المشهد الذي نراه بعين الخيال فقد صار جزءاً من تجربتنا، شيئاً عشناه على نحو ما، حتى لو لم يحدث لنا في الواقع.
من المسرح إلى الرواية، ومن الرواية إلى اللوحة، تستمر الحيلة ذاتها، في "غيرنيكا" لبيكاسو، لا يحتاج الألم إلى اسم ضحية أو إلى تاريخ محدد كي يصبح مرئياً.. أجساد تتلوى، أم تحمل طفلها الميت، حصان يفتح فمه في صرخة صامتة، ووجوه تفتش عن منفذ في فضاء لا يتيح النجاة.
لا تمنح اللوحة الحرب بطولة، ولا تضع في مركزها قائداً منتصراً، ولا تعد المتلقي بأن العدالة ستأتي في النهاية.. إنها تتركه داخل الكارثة، أمام بشر فقدوا القدرة على فهم ما يحدث لهم.
ولأن غيرينيكا لا تحكي واقعة بعينها وحدها، فإنها لا تشيخ بانتهاء الواقعة، تتغير أسماء الحروب، وتتبدل الرايات، ويظهر قتلة جدد، لكن الأم التي تحمل طفلها الميت لا تزال الأم نفسها، والحصان المذعور لا يزال يفتح فمه في الصرخة ذاتها، هنا يصبح المشهد أكثر دواماً من الخبر، لأن الخبر يشيخ حين تتراجع أهميته، أما الصورة التي تمسك بالوجع الإنساني فتستطيع أن تعبر من حرب إلى أخرى، ومن قرن إلى آخر، من دون أن تفقد قدرتها على الاتهام.
في "خلق آدم" لميكيلانجيلو، تتوقف الحكاية كلها عند المسافة التي تفصل بين إصبع الله وإصبع الإنسان، لم يحدث التلامس الكامل، ومع ذلك يبدو أن الحياة على وشك أن تبدأ، تلك المسافة الصغيرة، التي كان يمكن للفنان أن يجعلها أقل أو أن يلغيها تماماً، صارت مركز اللوحة وواحدة من أكثر صور الفن الغربي شهرة، هل هي المسافة بين الخالق والمخلوق؟ أم بين الإرادة والفعل؟ أم بين ما نريده وما نستطيع بلوغه؟
ـ لا توجد إجابة واحدة ملزمة، وربما تكمن عظمة الصورة في أنها لا تغلق باب التأويل.
فاللوحة لا تمنح المشاهد فكرة جاهزة، وإنما تمنحه لحظة معلّقة، الإصبعان لا يتلامسان، والخلق يبدو كأنه لم يكتمل بعد، وفي ذلك الفراغ الصغير، يستطيع كل متلق أن يرى ما يحمله معه من أسئلة عن الحياة والإيمان والقدرة والحدود، وسيولد السؤال:
ـ ما الذي يجعل مسافة ضئيلة كهذه أكثر قدرة على البقاء من مئات الصور التي رسمت مشاهد الخلق؟
لعل الأمر يتعلق بما لم تقله اللوحة، بما تركته ناقصاً كي يواصل المتلقي إكماله في داخله.
وهنا يمكن أن يتسع معنى المشهد الواحد ليشمل الموسيقى أيضاً، فثمة مقطوعات لا يعرف المستمع اسمها، ولا يستطيع أن يحدد من ألّفها، لكنه يتعرف إليها منذ النغمات الأولى، كما يتعرف إلى وجه قديم في حشد من الغرباء، وقد لا تكون الموسيقى قد حكت قصة بالمعنى الذي تحكيه الرواية، لكنها تستطيع أن تستدعي زمناً كاملاً، بيتاً غادره صاحبه، أو وجهاً لم يعد ممكناً لقاؤه، أو مدينة لا يعود المرء إليها إلا في أحلامه، وفي بعض الأحيان، لا تبقى من سيمفونية كاملة سوى حركة موسيقية، لا لأنها الأكثر تعقيداً، بل لأنها التقت في لحظة ما بجزء خفي من حياة مستمعها.
ـ ألا يحدث الأمر نفسه مع الشعر؟
كم من قصيدة طويلة انكمشت في الذاكرة إلى بيت واحد، وكم من شاعر صار حاضراً في عبارة يرددها الناس من دون أن يعرف بعضهم أين قيلت أول مرة؟ البيت الشعري الذي ينجو من النسيان لا ينجو دائماً لأنه الأفضل من الناحية الفنية، بل لأنه وجد في اللغة صيغة تستطيع أن تعيش خارج القصيدة، وأن تنتقل بين الأفواه والأزمنة، وأن تكتسب في كل مرة شيئاً من حياة من يستعيدها.
قد تكون العبارة الشعرية العظيمة تلك التي تبدو، بعد أن نسمعها، كما لو أنها كانت موجودة في اللغة منذ الأزل، وأن الشاعر لم يفعل سوى العثور عليها، لكنها، قبل أن يكتبها، لم تكن موجودة على هذا النحو، كانت هناك مشاعر متناثرة، وأفكار لم تتخذ شكلها، وتجارب عجز أصحابها عن العثور على الكلمات المناسبة لها، ثم جاء الشاعر ووضع الكلمات في ترتيبها الذي لا يبدو ممكناً تغييره، فإذا بما كان غامضاً يصبح قابلاً للتذكر، وإذا بما كان شخصياً يصبح ملكاً للجميع.
ولا يقتصر الأمر على الأعمال التي صنعتها العبقرية الفنية عن قصد، فالحياة نفسها تنتج مشاهد لا تقل كثافة عن مشاهد الفن، وربما لا تقل خلوداً في ذاكرة من عاشوها.. يد تلوّح من نافذة قطار يغادر، أم تقف عند باب بيتها ولا تعرف أن تلك هي المرة الأخيرة التي سترى فيها ابنها، رجل يعود إلى شارع طفولته فيجد أن البيوت ما زالت قائمة، لكن أحداً لم يعد يتذكره.
ـ قد لا تكون لهذه المشاهد قيمة في التاريخ العام، لكنها قد تصبح التاريخ كله بالنسبة إلى شخص واحد.
الذاكرة لا تكتب تاريخ العالم، بل تاريخ علاقتنا به، وما يبدو هامشياً في حياة الآخرين قد يحتل المساحة الأكبر في حياة فرد، وما يملأ صفحات الكتب قد يمر في داخله بلا أثر، لذلك لا يمكن دائماً التنبؤ بما سيبقى من العمل الفني، ولا بما سيختاره الناس منه، فالمشهد الذي يراه ناقد تفصيلاً عابراً قد يتحول إلى ذاكرة جيل، والعبارة التي يمر بها القارئ من دون توقف قد تعود إليه بعد سنوات في لحظة لم يكن يتوقعها، لتقول له ما لم تستطع قوله يوم قرأها للمرة الأولى.
أنا الآن، وفي لحظة هذه لكتابة أستعيد "محمود درويش"، ومعه أستعيد السؤال:
ـ ما الذي مكّن هذا الرجل مني؟
هل هي فلسطين؟ لا أظن ذلك، لأن محمود درويش لم يكتب فلسطين وحدها، بل كتب الإنسان وهو يُنتزع من
مكانه، ويُترك مع ذاكرته دليلاً على أنه كان هنا.
في هذه اللحظة هو يكتبني، لأنني مثله، أعرف أن المنفى ليس أن تغادر البلاد، بل أن تحملها فيك ولا تستطيع العودة إليها.
ـ تحيةً وقبلةً، وليس عندي ما أقول بعدْ، ومن أين أبتدي؟ وأين أنتهي؟
محمود هنا، لم يثرثر، رسم المشهد، فسكن المشهد ذاكرتي، حتى خلت أنه يحكي عني.
ولعل هذا ما يجعل المشهد الواحد عصياً على التصنيف، في السينما، في الرواية، في القصيدة، هو ليس بالضرورة ذروة العمل، ولا أكثر أجزائه جمالاً، ولا أكثرها أهمية في بناء الحكاية، قد يكون افتتاحية، أو نهاية، أو حركة عابرة في منتصف الفيلم، أو تفصيلاً لم ينتبه إليه أحد أثناء التصوير، وقد لا يكون الكاتب أو المخرج أو الرسام قد أدرك، وهو يصنعه، أنه يضع بين أيدي الناس ما سيبقى منه طويلاً.
هل عليّ التذكبر بواحد من أبدع ما خلقته السينما؟
نعم، إنه فيلم "مالينا"، هذه هي مالينا التي تستحق أن تُستعاد من أجل مشهد كهذا
امرأة تمشي في شارع عادي، لكن الشارع لا يعود عادياً.
المراهقون يتوقفون عن كونهم مراهقين، والرجال يتخلّون عن ادعاءاتهم الأخلاقية، والنوافذ تتحول إلى عيون، حيث تتحول العيون إلى أيد تلامس "مالينا".
الأكثر قسوة في المشهد أن مالينا لا تفعل شيئاً سوى أن تمشي، بينما الآخرون هم الذين يكشفون عن أنفسهم.
إنها لا تستدرج النظرات، بل تفضحها، ومن هنا تأتي عبقرية تورناتوري، يجعلنا نرى المرأة، ثم يجعلنا نكتشف أننا، ونحن ننظر إليها، كنا نشاهد أيضاً ذلك المجتمع الذي يحدق بها.
هو "المشهد الواحد"، لقطة تختصر حكاية امرأة، وتكشف مدينة، وتضع الرغبة، والنفاق والعقاب الاجتماعي في مسافة واحدة، من دون أن تنطق بكلمة.
ـ تلك هي الأعمال العظيمة، تلك التي لا تثرثر.
الأعمال العظيمة لا تُختزل حقاً في مشاهدها الشهيرة، لكن تلك المشاهد تمنحها حياة إضافية، إنها تسمح لمن لم يقرأ الرواية أن يقترب من عالم صاحبها، ولمن لم يشاهد الفيلم أن يتعرف إلى شيء من روحه، ولمن لم يقف أمام اللوحة أن يحمل صورتها في ذاكرته، إنها تختصر المسافة بين العمل والمتلقي، من دون أن تلغي المسافة التي تجعل العمل قابلاً للاكتشاف في كل مرة.
غير أن في الأمر مفارقة أخرى. فالمشهد الواحد الذي يمنح العمل خلوده قد يحجبه أيضاً، حين يلتصق اسم كافكا بالمسخ، أو اسم شكسبير بهاملت، أو اسم بيكاسو بغورنيكا، قد تنحسر أعمال أخرى لا تقل قيمة في ظلال الصورة الأشهر، كأن الذاكرة، وهي تنقذ شيئاً من النسيان، لا بد أن تترك شيئاً آخر يسقط فيه، وربما لا توجد طريقة عادلة تماماً لتذكر الفن، كما لا توجد طريقة عادلة تماماً لتذكر الحياة، كل اختيار ينطوي على حذف، وكل صورة تبقى تدفع صوراً أخرى إلى الخلف.
لكن هذا لا يقلل من شأن ما يبقى، فالمشهد الواحد ليس بديلاً من العمل كله، ولا شهادة بأن بقية العمل أقل أهمية، إنه أشبه بنافذة تظل مفتوحة بعد أن يُغلق البيت، أو شرارة تحمل في ضوئها أثراً من النار التي خرجت منها، ومن خلاله يمكن العودة إلى العمل، لا الاكتفاء به؛ يمكن أن يبدأ القارئ من جملة ثم يكتشف الرواية، وأن يبدأ المشاهد من لقطة ثم يعود إلى الفيلم، وأن يبدأ الزائر من لوحة واحدة ثم يتعلم النظر إلى عالم الرسام.
ولعل أجمل ما في الأمر أن الفنان لا يملك سلطة كاملة على ما سيبقى منه، قد يقضي سنوات في كتابة رواية، ثم يكتشف الزمن أن عبارة واحدة كانت أقدر من الرواية كلها على السفر، وقد يصنع مخرج أفلاماً عديدة، ثم يجد اسمه ملتصقاً بمشهد واحد، وقد يرسم فنان مئات اللوحات، فيما تتكفل صورة واحدة بأن تضعه في ذاكرة العالم، لا يعني ذلك أن العمل الآخر قد فشل، بل أن الخلود لا يتوزع وفقاً للجهد المبذول، ولا يخضع لمعايير يمكن ضبطها سلفاً.
إن ما يحدث بعد اكتمال العمل يشبه حياة ثانية له، حياة لا يقررها صاحبه، يغادر الفن مرسمه، أو مكتبته، أو غرفة المونتاج، ويدخل إلى ذاكرة لا يعرف خرائطها، هناك، تُنزع منه بعض التفاصيل، وتُضاف إليه دلالات لم تكن مقصودة، وتلتقي صورته بتجارب أشخاص لم يعرفهم الفنان قط، ومع مرور الوقت، قد يصبح المشهد الواحد قادراً على قول أشياء لم يكن ممكناً أن يقولها في زمن صاحبه، لأن العالم الذي يستقبله يتغير، ولأن البشر يواصلون طرح الأسئلة القديمة في ظروف جديدة.
ربما لهذا يظل الفن يبحث عن تلك اللحظة التي يتوقف فيها عن الكلام، أو يختار فيها أقل الكلمات، أو يكتفي فيها بصورة لا تحتاج إلى شرح، لحظة لا تنهي الأسئلة، بل تجعلها أكثر وضوحاً، ولا تقدم أجوبة نهائية، بل تمنح الغموض شكلاً نستطيع أن نراه ونحمله معنا.
بعد ذلك، يمكن أن ينسى المرء أسماء الشخصيات، وتفاصيل الحكايات، وتواريخ الأعمال، وأن يختلط عليه ما شاهده بما قرأه، وما عاشه بما تخيله، لكن شيئاً واحداً قد يظل في مكانه:
ـ رجل كفيف يرقص، إصبع لا يلامس إصبعاً، رجل يستيقظ حشرة، أم تحمل طفلها الميت، أو عبارة تتردد في الرأس كلما ضاقت الحياة بسؤالها القديم.
هو المشهد الواحد، ليس لأنه يكفي وحده، بل لأنه يفتح في الذاكرة مكاناً لا يعود العالم، بعده، كما كان قبله.
وبعد ما مضى :
ـ ما علاقة الـ "تسع وتسعون" اسماً لله بما كتبت في الصفحات السابقة.
سأؤجل الإجابة ربما لـ "ثرثرة" جديدة أشتغل عليها.