محاكمة من القبر... كيف يجلد ضريح جكرخوين التفكك الكردي؟

تفتح الذكرى السنوية الثانية والأربعون لرحيل الشاعر الكردي الكبير، جكرخوين من جديد الجرح الأكثر إيلاماً في الوجدان القومي؛ معضلة التشتت وغياب المرجعية الموحدة.
لم يكن هذا المبدع الراحل مجرد كاتب عابر، بل كان أحد رموز الهوية والأدب الكردي في القرن العشرين، حيث سخر حياته وقلمه للدفاع عن قضية شعبه، ولم يكن اختيار شيخموس حسن علي، للقب (والذي يعني بالكردية، الكبد الدامي أو نزيف الكبد)، مجرد رغبة في اتخاذ اسم مستعار ينشر به قصائده، بل جسّد نبوءة مبكرة وتشخيصاً شعرياً دقيقاً لوجع أمة بأكملها.
ولم يكن شعره يوماً ترفاً فكرياً، بل خاض به حرباً لا هوادة فيها ضد داء التفرقة والقبلية، وفي وقت تمر فيه المنطقة بمنعطفات جيوسياسية حاسمة، تبدو قصائد الراحل وكأنها كُتبت لواقعنا الراهن، وليس لمنتصف القرن الماضي.
واليوم، ونحن نعيش هذا التفكك الحزبي والسياسي، نجد أنفسنا أمام مواجهة قاسية مع كلماته؛ فالوحدة التي أفنى عمره ينادي بها لا تزال حُلماً مؤجلاً وراء متاريس المصالح الحزبية الضيقة، ممّا يضعنا أمام السؤال الجوهري: كيف يرى هذا الشاعر الثائر واقع شعبه اليوم بعد مرور عقود على رحيله؟ وماذا كان سيفعل لو كان بيننا اليوم؟
صرخة ضد التفرقة
تأسست فلسفة جكرخوين الشعرية على ركيزة أساسية واحدة لا تقبل المساومة، الوحدة القومية الشاملة ونبذ العقلية الإقطاعية والعشائرية الضيقة، التي رآها الداء الأخطر الذي ينخر في جسد الأمة الكردية من الداخل.
لم يكن جكرخوين شاعر بلاط يتقرب من أصحاب النفوذ ، ولم يكن أسير أيديولوجية حزبية ضيقة تحد من أفق قصيدته؛ بل صاغ من معاناته الشخصية ومن تلمسه لآلام الفلاحين والفقراء صوتاً عابراً للحدود المصطنعة.
أنشد في قصيدته الشهيرة والخالدة( Kî me ez? من أنا؟) مُطلقاً تحذيراً استشرافياً يتردد صداه اليوم في الرواق السياسي الكردي كأنه كُتب البارحة، حيث قال:" أيها الكرد، اتحدوا! إن لم تتحدوا، فستفنون(تذهبون) واحداً تلو الآخر".
أدرك الشاعر مبكراً، برؤيته الثاقبة، أن غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة، هو الثغرة التاريخية التي ينفذ منها كل الطامعين بالمنطقة، وأن التناحر الداخلي والاقتتال الأخوي، هو السلاح الأشد فتكاً من ترسانات الأعداء.
كان يرى في الانقسام خطيئة تاريخية كبرى لا تغتفر!
اقرأ أيضاً:
مفارقة الأمس واليوم
تبرز مفارقة تاريخية عجيبة ومريرة في آن معاً عند ربط ماضي الشاعر بحاضرنا، فلو نظرنا إلى الخارطة الحالية، لوجدنا أن الكرد حققوا مكتسبات وقدموا تضحيات جسام، أنتجت مساحات من الحكم الذاتي، وإدارات واقعية، وكيانات معترفاً بها دستورياً أو سياسياً في أكثر من جزء، وهي إنجازات كان الشاعر يعتبرها في زمنه أحلاماً بعيدة المنال.
ولكن، وعلى الرغم من هذه الأرضية الصلبة، فإن الوحدة الكردية الشاملة لا تزال حبراً على ورق الدواوين، يُعمّق التفكك السياسي الراهن، والخلافات الحزبية المحمومة على تقاسم السلطة والنفوذ، وتقديم الأجندات الإقليمية والمصالح الفئوية على المصلحة القومية العليا، جراح المشهد الكردي ليحيله إلى جزر معزولة يسهل الاستفراد بها.
تتجسد اليوم تحذيرات جكرخوين من العدو المتربص الذي يتغذى على شقاقنا الداخلي في أبشع صورها؛ فالفرص التاريخية الفريدة التي أتيحت في العقود الأخيرة تضيع تباعاً؛ لأن النخب السياسية عاجزة عن صياغة خطاب موحد، أو إيجاد مرجعية قومية عليا تحمي المكتسبات.
ماذا لو عاد؟
تتضح ملامح موقفه الافتراضي في أربعة مسارات حتمية، إذا حاولنا استقراء فكر جكرخوين ونضاله الطويل وعناده الثوري لنخمن طبيعة تصرفه وموقفه لو بُعث حياً في هذا الزمن المعقد:
1-صدمة وجودية وخيبة أمل عارمة: يبدأ جكرخوين موقفه بالبكاء بحرقة وألم؛ إذ سيزداد كبده نزيفاً وهو يرى المفارقة الصادمة. يمتلك الكرد اليوم القنوات الفضائية، والجامعات، والأسلحة، والاعتراف الدولي، والمنصات الدبلوماسية، والثروات؛ ولكنهم -على كثرة أدواتهم وعناصر قوتهم- ما زالوا يفتقرون إلى الخطاب الواحد والقلب المشترك، سيرى أن الشتات الفكري والنفسي اليوم أعمق بكثير ممّا كان عليه في زمن الجهل والفقر والاضطهاد.
2- جلد النخب بسياط الهجاء: يطلق جكرخوين الذي لم يهب السجون، ولم يداهن الإقطاعيين أو الساسة في حياته، ألسنة هجاء شعرية لا ترحم ضد القيادات والأحزاب الحالية، لكان اتهمهم صراحةً في قصائده بالمتاجرة بتضحيات دماء الشهداء، وتفضيل الكراسي، والمكاسب المالية، والوجاهة الحزبية الضيقة على حساب القضية الأم، ولكان اعتبر التنسيق مع القوى الخارجية ضد الشقيق الداخلي خيانة علنية لفكر التحرر.
3-التمرد والنزول للشارع: يرفض جكرخوين الجلوس في المكاتب الفارهة، فهو الذي لم يثق يوماً بالطبقات البرجوازية أو بالسياسيين المحترفين في الصالونات المغلقة، بل وضع ثقته المطلقة في الشباب والنساء والفلاحين والكادحين.
لو كان حياً، لخرج من صومعته ونزل إلى قراهم ومدنهم، من أربيل وديار بكر ومهاباد إلى قامشلو، محرضاً الجيل الجديد على التمرد ضد القوالب الحزبية الجاهزة، وداعياً إياهم لتجاوز إرث الخلافات، وتشكيل جبهة شعبية ضاغطة، تفرض الوحدة من الأسفل إلى الأعلى.
4- استنفار أدبي عام: يعلن قلم الشاعر حالة الطوارئ القصوى؛ فلن يكتفي بالفرجة، بل سيسخر طاقته الإعلامية والأدبية لفتح جبهة مواجهة فكرية جديدة، سيوجه كتاباته بنداءات استغاثة أخيرة وصارمة، واضعاً الجميع أمام خياراتهم التاريخية قبل أن تطوى صفحة الفرص ، وتضيع القضية في دهاليز الحسابات الإقليمية.
محاكمة الأحياء
يرقد جسد الشاعر الكبير اليوم في باحة منزله بالحي الغربي في مدينة قامشلو، وتحول ضريحه هناك إلى مزار ثقافي ورمزي، يزوره المخلصون والأدباء والمحبون في ذكرى رحيله، لكن روحه وأفكاره لم تُدفن في ذلك القبر، بل تحولت إلى طاقة ثائرة عابرة للأجيال والمكان.
إنها لا تزال تحوم فوق أجزاء كردستان الأربعة، تنظر بعين العتب والأسى الشديدين إلى المشهد المتشظي، وكأن كل حجر في ضريحه يصرخ معاتباً الأحياء، الذين تناسوا جوهر القضية وانغمسوا في صراعات الهوامش.
يمثل إرث جكرخوين تأنيب ضمير وجودي ومستمر لكل سياسي، ومثقف، وقائد حزبي يساهم، بوعي أو بدون وعي، في إطالة أمد هذا التفكك أو يغذي خطوط الشقاق؛ فليس شعره مجرد قصائد كلاسيكية تُلقى لتأثيث المشهد الثقافي، ولا شعارات برّاقة تُزين بها جدران المراكز للتغني بأمجاد الماضي.
يظل صوته المدفون تحت التراب هو الكرباج الأدبي الذي يجلد كل تهاون سياسي، والمنارة التي تفضح زيف الخلافات العبثية.
أدى الشاعر رسالته التاريخية كاملة، وصرخ بأعلى صوته محذراً من مغبة التشتت، وترك روحه وديعة في عهدة الجيل الجديد.
واليوم، يظل السؤال الأكبر معلقاً في رقبة الأحياء، جيلاً بعد جيل: متى يستيقظ الكرد ليتحقق حلم الشاعر الذي نزف كبده من أجل أمة موحدة وقوية؟
ومتى ندرك أن الموت الحقيقي ليس ذاك الذي غيّب جكرخوين عام 1984 ، بل هو هذا الموت المعنوي المتمثل في بقائنا متفرقين أمام عواصف التاريخ؟