سوريا التحرير... ينتصر السلاح ويُهزم الضمير

يطرح المفكر الفرنسي إدغار موران مفارقة أخلاقية عميقة، "حتى الحروب العادلة تحمل في طياتها بذور الشر، والانتصار على الشر لا يعني بالضرورة انتصار الخير". ولعلّ التجربة السورية تقدم مثالاً صارخاً على هذه المفارقة، فبعد عقود من الاستبداد، وسنوات من الحرب والدمار والتهجير، سقط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، لكن السؤال الذي يواجه السوريين اليوم لم يعد فقط كيف سقط النظام، بل هل سقط معه الاستبداد بوصفه عقليةً وممارسةً وثقافةً سياسية؟
خرج السوريون عام 2011 مطالبين بالحرية والكرامة والعدالة، ودفعوا أثماناً باهظة من أجل التخلص من حكم صادر حقهم في تقرير مصيرهم. لكن عدالة الثورة لا تمنح المنتصر صكّ براءة أبدياً، كما أن التضحيات لا تمنح أحداً حق احتكار السلطة أو مصادرة مستقبل البلاد. فالمشكلة ليست في تغيير الحاكم وحده، بل في تغيير منطق الحكم نفسه، إذ لا قيمة لسقوط الاستبداد إذا أُعيد إنتاجه بأسماء جديدة وشعارات مختلفة.
كشفت مجازر الساحل ومجازر السويداء خطورة المرحلة الانتقالية، وأظهرت أن سقوط النظام لا يكفي وحده لضمان أمن السوريين وحقوقهم. إن دماء الضحايا ليست تفصيلًا عابراً يمكن تجاوزه باسم الاستقرار، ولا يجوز اختزال الجرائم في عبارة "أحداث دامية" تخفف من فداحتها أو تحجب المسؤوليات عنها. المطلوب تحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها، بعيداً عن الانتقام الجماعي أو تحميل أي مكوّن سوري مسؤولية أفعال أفراد أو جماعات مسلحة.
فالعدالة التي تتغير مع هوية الضحية والجاني ليست عدالة، والسلطة التي تتسامح مع الجرائم عندما يرتكبها أنصارها تقوّض شرعيتها بيدها. ولا يمكن بناء وطن يطمئن فيه السوريون إذا كانت الحماية مرتبطة بالولاء، أو إذا أصبح الانتماء القومي أو الديني أو الطائفي مصدراً للخوف بدل أن يكون جزءاً من تنوع المجتمع السوري.
إن سوريا لا تحتاج إلى استبدال استبداد باستبداد، ولا إلى انتصار جماعة على أخرى، بل إلى عقد وطني جديد يضمن الحقوق المتساوية لجميع السوريين. وهذا يقتضي إقراراً دستورياً صريحاً بحقوق جميع المكونات السورية القومية والدينية والطائفية، وضمان حرياتهم ومشاركتهم السياسية والثقافية، وحماية هوياتهم ولغاتهم وخصوصياتهم، وتجريم التمييز والتحريض على الكراهية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية أمام القانون.
اقرأ أيضاً:
كما أن بناء دولة مستقرة يتطلب تبني نظام لامركزي ديمقراطي يوزع الصلاحيات والمسؤوليات بين المركز والمناطق، ويمنح المجتمعات المحلية قدرة حقيقية على إدارة شؤونها الخدمية والتنموية والثقافية، ضمن دولة سورية موحدة، تحكمها مؤسسات دستورية وتضمن وحدة الأرض والسيادة، من دون أن تتحول المركزية إلى أداة لاحتكار السلطة أو تهميش المناطق والمكونات. فاللامركزية ليست تهديداً لوحدة البلاد، بل يمكن أن تكون ضمانة لوحدتها، حين تقوم على التوافق الدستوري والمشاركة والعدالة في توزيع الموارد والسلطات.
ولا يكتمل هذا المسار من دون قضاء مستقل، ومؤسسات أمنية خاضعة للقانون، ومحاسبة لا تستثني أحداً، وعدالة انتقالية تكشف مصير المفقودين وتنصف الضحايا وتجبر الضرر، من دون أن تتحول إلى أداة للثأر أو تصفية الحسابات السياسية.
إن أخطر ما قد تواجهه سوريا هو أن تتحول مظلومية الأمس إلى مبرر لظلم اليوم، وأن تصبح تضحيات الثورة وسيلة لاحتكار الحكم بدل أن تكون أساساً لبناء دولة الحرية والقانون. فليس كل من قاوم الاستبداد محصناً ضد ممارسته، وليس كل من شارك في إسقاط النظام يمتلك تفويضاً مفتوحاً لحكم البلاد. شرعية الثورة لا تعفي السلطة الجديدة من المساءلة، بل تجعل مسؤوليتها أكبر في القطع مع ممارسات الماضي.
لقد سقط الأسد، لكن سقوط الحاكم لا يعني سقوط الاستبداد، كما أن الانتصار العسكري لا يضمن الانتصار الأخلاقي. والاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة ليس في قدرتها على إخضاع خصومها، بل في قدرتها على حماية المختلفين معها، وصون كرامة مواطنيها، والاعتراف بضحاياها، وإخضاع الجميع للقانون.
فالثورة التي لا تنتج دولة عادلة تظل مشروعاً لم يكتمل، والنصر الذي لا يحمي كرامة الإنسان قد يتحول إلى هزيمة أخلاقية.
إن سوريا التي يستحقها أبناؤها ليست دولة ينتصر فيها مكوّن على آخر، ولا دولة تُمنح فيها الحقوق بحسب الولاء، بل دولة مواطنة وقانون، تعترف بتعددها القومي والديني والطائفي، وتضمن دستورياً حقوق جميع مكوناتها، وتتبنى نظاماً لامركزياً ديمقراطياً يحفظ وحدة البلاد ويصون كرامة أهلها.
فليس الانتصار الحقيقي أن ينتصر المظلوم بالأمس ليصبح ظالماً اليوم، بل أن ينتصر السوريون جميعاً على الاستبداد والانتقام والخوف. فهل تكون سوريا الجديدة وطناً لجميع أبنائها، أم مجرد سلطة جديدة فوق مجتمع أنهكته السلطات؟