info@suwar-magazine.org

تجارة الخوف

تجارة الخوف
Whatsapp
Facebook Share

 

 

بعضٌ من "أنصاف النخب" الذي يطلق عليهم لقب "محللين سياسيين، يسوّقون سردية التخويف بالملايين من الجهاديين باعتبارهم خطراً وجودياً على الشعوب الحرّة التي رفضت منح شرعية للإرهاب الشرع "الجولاني". والمفارقة المثيرة للسخرية أنهم يستعملون ذات السردية من قبيل إظهار أهميتهم الأمنية تجاه اسرائيل. لكن الحقيقة التي ربّما لا يدركونها هي أنهم يثبتون للجميع ارتباطهم العقائدي بالفكر المتطرف، ويمنحون اسرائيل ذاتها الحجة والذريعة لمهاجمتهم. يا لها من عبقرية؛ أن يتحول  هؤلاء إلى مسوّقين لشرعية "خصمهم على الإعلام فقط" في القضاء عليهم، ثم يتوهمون أنهم أقنعوها بجدوى وجودهم!

 

 

التخويف بالجهاديين ليس موجهاً إلى إسرائيل وحدها؛ إنه موجّه أيضاً إلى المكونات التي واجهت التطرف ودفعت أثماناً باهظة في سبيل رفض الخضوع له. والغاية هي إقناع هذه المكونات بأن مقاومتها عبثية، وأن مصيرها محكوم بمعادلة زائفة. فإما القبول بسلطة الجولاني، وإما الانزلاق إلى الفوضى والإرهاب. غير أن هذه المعادلة لا تنتج الاستسلام، بل تعمّق انعدام الثقة، وتزيد المجتمعات التي اختبرت الإجرام إصراراً على مقاومته، لأنها تدرك أن الخضوع لمنطق الابتزاز لا ينهي التهديد، بل يمنحه فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسه.

 

 

الأكثر إثارة للسخرية أن هذه سردية الابتزاز السياسي هذه ليست جديدة؛ بل إنها إعادة إنتاج لأسطوانة بشار الأسد، التي قامت على معادلة "أنا أو الفوضى"، واليوم، يعاد تدوير المنطق ذاته بوجوه ومصطلحات مختلفة. "الجولاني أو الجهاديون"، و"السلطة الحالية أو انهيار الدولة". وكأن على العالم أن يختار بين سلطة فاسدة وجهادية متطرفة وبين المجهول، وكأن الحياة قد خلت من بديل سياسي غير متطرف لا يعمل على احتكار السلطة ولا على ابتزاز الداخل والخارج بالخوف.

 

 

المؤسف حقاً هو أن يصمت السوريون وهم يشاهدون هذه السرديات تُسوَّق على ألسنة من يُفترض أنهم نخبة، فيما تتنامى الكراهية ضدهم محلياً ودولياً. الصمت هنا هو تفريط بالمسؤولية السياسية والأخلاقية للسوريين تجاه أنفسهم، قبل أن تكون تجاه بلد بأكمله. فحين يُقدَّم الجهادي نفسه بوصفه ممثلاً للسوريين، وتُقدَّم السلطة التي اعتادت الإجرام والتطرف بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار، سيصبح السوريون رهائن صورة لم يصنعوها جميعاً، لكنهم قد يدفعون ثمنها جميعاً.

 

اقرأ أيضاً:

 

                             لمُغرَمي تصريحات توماس باراك

                     الجرائم ضد الإنسانية ليست خلافاً قابلاً للمصالحة

 

 

الأخطر أن الخسارة لم تعد محصورة بالمكونات التي يسعى أنصاف النخب وقطيع السلطة لتخويفها ونفيها من الوجود. بل إن أصحاب الضمير الحي والإنسانية والمغلوب على أمرهم من المكوّن السني معنيّون حتماً برفض هذا الارتهان، فاختزال هويتهم السياسية والاجتماعية في سلطة جهادية إنما يؤدي لتعميم الشبهة عليهم، ويضعهم في مواجهة تداعيات لم يختاروها بالضرورة. وباتوا يدفعون ثمن خيارات الإرهاب الذي لا يمثل تنوعهم ولا تطلعاتهم، وثمن الانتماء الديني الذي يُخشى أن يصبح يوماً ما قرينةً سياسية على التطرف.

 

 

إن تصاعد الخطابات والحركات اليمينية المتشددة في أوروبا إلا مؤشر على اتساع المجال السياسي الذي تُستثمر فيه المخاوف من الإرهاب والتطرف، وعلى خطر انتقال المسؤولية من التنظيمات المتطرفة إلى مجتمعات كاملة تُربط بها هويّاتياً. ومن يظن أن تقديم الجولاني بوصفه ضرورةً واقعية سيحمي السوريين من هذه التداعيات، يتجاهل أن الصورة التي تُصدَّر إلى الخارج قد تتحول إلى عبء استراتيجي طويل الأمد على السوريين، بمن فيهم أولئك الذين يظنون أنهم يحمون أنفسهم عبر الصمت أو المسايرة.

 

 

لا يزال أمام أصحاب الضمير الحي والمتمسكين بإنسانيتهم فرصة لإنهاء الإرهاب الذي يبتزهم باسم الثورة، ويجعل من الخوف رصيداً له للاستمرار في الفساد والنهب وإعادة إنتاج الاستبداد. ومن يصرّ على أن الجولاني هو صمام الأمان، عليه أن يفسّر لماذا يحتاج هذا الأمان المزعوم إلى كل هذا التخويف، ولماذا يُراد للسوريين أن يختاروا بين الجهاديين وبين سلطة يُطلب منهم تصديق أنها وحدها قادرة على احتوائهم.

 

 

إن أخطر ما تفعله أنصاف النخب هذه، والقطيع من الأبواق المنقادة لسلطة الإرهاب ليس سوء تقديرها السياسي أو سوء أخلاقها فحسب، بل مساهمتها في صناعة السردية التي ستُستخدم لاحقاً ضد الجميع. فهي لا تحذّر من الكارثة بقدر ما تهيّئ شروطها، ولا تواجه التطرف بقدر ما تمنحه دوراً مركزياً في هندسة مستقبل سوريا. وحين يصبح الخوف من الإرهاب وسيلةً لتبرير السلطة، والخوف من انهيار السلطة وسيلةً لتبرير الصمت، تكون النتيجة واحدة وهي تأجيل المواجهة الحقيقية، وترك السوريين رهائن معادلة لم يختاروها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard