info@suwar-magazine.org

التعليم من العقيدة البعثية إلى العقيدة الجهادية

التعليم من العقيدة البعثية إلى العقيدة الجهادية
Whatsapp
Facebook Share

 

ما الغريب في أن تقوم سلطة الشرع (الجولاني) بتعديل المناهج الدراسية وفق عقيدة جهادية متشددة؟ أليس ذلك امتداداً لمسار بدأه نظام الأسد منذ عقود، حين استهدف التعليم لتدجين الأجيال وصناعة وعيٍ يخدم بقاءه في السلطة؟ اختلفت الشعارات والعقائد، لكن الغاية واحدة: أن تتحول المدرسة من مكانٍ لبناء العقل إلى أداةٍ لتشكيله وفق ما تريده السلطة، وأن يصبح المنهاج وسيلةً للسيطرة على ذاكرة السوريين ووعيهم ومستقبلهم.

 

 

لقد كتبتُ قبل سنوات، في مقال بعنوان "مادة تدريسية أسدية لاغتيال الذاكرة السورية"، عن محاولة نظام الأسد إدخال مادة دراسية تحت عنوان "الحرب على سوريا"، تقدم روايته للحرب التي شنّها على السوريين، وتعيد صياغة الوقائع بما يبرّئ مرتكبي الجرائم ويحمّل الضحايا مسؤولية ما حلّ بهم. كان المطلوب أن يتعلم الطفل السوري أن ما جرى مؤامرة كونية على نظامٍ "مقاوم وممانع"، لا ثورة شعبٍ خرج يطالب بالحرية والكرامة، وأن أعداء الوطن هم الذين انتفضوا على السلطة، لا الذين أطلقوا النار على المتظاهرين ودمروا المدن وملأوا السجون بالمعتقلين.

 

 

كان ذلك مشروعاً لاغتيال الذاكرة: أن تُمحى من ذهن التلميذ صور البراميل والطائرات والأسلحة الكيميائية والتعذيب، وأن تحل محلها رواية تمجّد الجيش والأجهزة الأمنية، وتغطي مسؤولية النظام عن الخراب، وتقدم حلفاءه، من إيران إلى روسيا، بوصفهم أصدقاء جاءوا لحماية سوريا وسيادتها. وفي المقابل، تُحذف من الحكاية جرائمهم وتدخلاتهم ومصالحهم، ويُختزل كل ما حدث في مؤامرة خارجية وأدوات داخلية خائنة.

 

 

لم يكن ذلك تفصيلاً عابراً في سياسة نظام الأسد، بل جزءاً من معادلة تربوية وسياسية عمل على ترسيخها منذ سبعينيات القرن الماضي: "المقاوم مقابل المتآمر على الوطن". فالنظام، في روايته، هو الوطن، ومعارضوه أعداؤه؛ وما يخدم بقاءه يصبح وطنية، وما يهدد سلطته يصبح خيانة. وهكذا لا يتعلم الطالب كيف يفكر في الوقائع ويفحص الأدلة، بل كيف يكرر الرواية الرسمية ويستبطنها.

 

 

واليوم، نرى أمامنا ما يثير القلق من تكرار هذا المنطق في صورة مختلفة. فبحسب ما أتناوله في هذا المقال، تتجه سلطة الجولاني إلى تعديل المناهج وتوجيه التعليم وفق مرجعية دينية متشددة، بما ينقل الصراع من معادلة البعث بين "المقاوم والمتآمر" إلى معادلة التكفير بين "المؤمن والكافر"، وبين "الحلال والحرام" وفق تفسيرٍ تفرضه السلطة وتريد تعميمه على المجتمع.

 

 

المسألة هنا ليست نقاشاً في التراث الديني، ولا خلافاً فكرياً حول ابن تيمية أو غيره من العلماء. المسألة هي استخدام مرجعية دينية في مشروع سلطة، وانتقاء ما يخدم رؤيتها، وتحويل التعليم إلى وسيلة لإنتاج جيلٍ يرى العالم من خلال ثنائيات مغلقة، لا مكان فيها للاختلاف والتعدد والمواطنة المتساوية. وحين يُربَّى الطفل على أن الآخر كافر أو منحرف لمجرد اختلافه، وأن ما تراه السلطة حراماً يجب أن يُفرض على المجتمع، فإننا لا نكون أمام تعليمٍ يبني العقل، بل أمام عملية تشكيل أيديولوجي قد تجعل الاختلاف نفسه سبباً للإقصاء والعداء.

 

اقرأ أيضاً:

 

                                   تجارة الخوف

                          لمُغرَمي تصريحات توماس باراك

 

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل يصدق عاقل أن جبهة النصرة انتهت فعلاً بوصفها تنظيماً ومشروعاً بمجرد تغيير الاسم أو الانتقال من موقع إلى آخر في السلطة؟ ألم تكن قد فرضت في إدلب، قبل وصولها إلى دمشق، أنماطاً من التعليم والخطاب والتكفير، ورفعت لافتات تحرّم الديمقراطية، واعتقلت وقتلت معارضين رفضوا منهجها؟ إذا كان هذا المسار معروفاً، فما الذي يجعل استهداف التعليم اليوم أمراً مستغرباً؟ أليس من الطبيعي أن تسعى سلطة خرجت من تلك البيئة إلى إعادة تشكيل المؤسسات والمجتمع وفق تصوراتها، ما لم تواجه رفضاً مجتمعياً واضحاً؟

 

 

إن أخطر ما في الأمر أن الاستبداد لا يحتاج دائماً إلى السجون كي يضمن استمراره. يستطيع أن يبدأ من الصف المدرسي، من الكتاب الذي يقرأه الطفل، ومن العبارة التي يحفظها، ومن التاريخ الذي يُمنع من معرفته، ومن السؤال الذي يُعلَّم ألّا يطرحه. فالنظام الأسدي أراد جيلاً يرى في السلطة خلاص الوطن، ويحمّل معارضيها مسؤولية الخراب؛ أما المشروع الجهادي المتشدد فيخاطر بصناعة جيل يرى العالم ساحة فرزٍ بين مؤمن وكافر، وحلال وحرام، وموالٍ يستحق القبول ومختلفٍ يستحق الإقصاء.

 

 

والنتيجة في الحالتين واحدة في جوهرها: تضييق مساحة العقل الحر، وإضعاف قدرة الإنسان على الحكم بنفسه، وتحويل المدرسة إلى امتداد لأيديولوجيا الحاكم. لكن الخطر في التجربة الجديدة يتضاعف حين تُقدَّم التصورات الإقصائية في صيغة أحكام دينية مطلقة، فيغدو الاعتراض عليها، في نظر من يتشربها، اعتراضاً على الدين نفسه، لا رفضاً لاستغلاله سياسياً.

 

 

ومع ذلك، فإن ما يستحق التوقف عنده ليس سلوك السلطة وحده؛ فالاستبداد يسعى دائماً إلى فرض روايته، وهذا جزء من طبيعته. ما يستحق التوقف عنده حقاً هو صمت المجتمع أمام تكرار التجربة. لقد عاش السوريون عقوداً من محاولات تدجين العقول وصناعة الوعي الرسمي، ثم دفعوا ثمناً باهظاً حين اصطدمت رواية النظام بالواقع وبحقهم في الحرية والكرامة. فكيف يمكن أن يتعايش بعضهم اليوم مع محاولة جديدة لإخضاع التعليم، وكأن التجربة الأولى لم تترك ما يكفي من الدروس؟

 

 

والأشد إثارة للقلق هو غياب الاعتراض الواضح من قطاعات واسعة من الكوادر التعليمية، ومن الجهات الاجتماعية القادرة على الدفاع عن حق الأطفال في تعليمٍ يفتح عقولهم ولا يغلقها. إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يبقى مجرد موقف شخصي؛ فحين يُترك المنهاج لمن يريد استخدامه أداةً للهيمنة، يصبح الصمت مساحةً خالية يستطيع أن يملأها بما يشاء.

 

 

أين المعلم الذي يرفض أن يتحول صفه إلى أداة تلقين أيديولوجي؟ وأين الأكاديمي الذي يدرك أن التعليم ليس ملكاً للحاكم، ولا امتيازاً تمنحه السلطة لمن يوافقها؟ وأين الآباء الذين يعرفون أن مستقبل أبنائهم لا يتوقف عند شهادة مدرسية، بل يتشكل أيضاً من القيم التي يتعلمونها، ومن قدرتهم على التفكير والاختلاف والعيش مع الآخرين؟

 

 

ولا يقل خطراً عن ذلك موقف الدول التي تدعم بقاء هذه السلطة في الحكم، أو تتعامل مع سياساتها وكأنها شأن داخلي لا يتجاوز حدود سوريا. إن تحويل التعليم إلى وسيلة لإعادة إنتاج فكرٍ إقصائي لا يهدد السوريين وحدهم؛ فالأجيال التي تُربّى على التكفير وإلغاء الآخر قد تحمل معها هذه التصورات إلى خارج حدود البلاد. وليس من الحكمة انتظار النتائج حتى تتحول المخاوف إلى أزمات يصعب احتواؤها. إن حماية المجتمع من التطرف تبدأ أيضاً من حماية التعليم، ومن مساءلة السلطة عن المناهج التي تفرضها، وعن الأثر الذي تتركه في عقول الأطفال.

 

 

لقد أثبتت تجربة الأسد أن السلطة تستطيع أن تفرض روايةً على الكتب، لكنها لا تستطيع ضمان محو الحقيقة من حياة الناس. فالواقع الذي عاشه السوريون كان أوسع من المنهاج، والجرائم التي حاولت الرواية الرسمية إخفاءها ظلت حاضرة في ذاكرة الضحايا وأسرهم. غير أن انكشاف التزوير بعد سنوات لا يعفي أحداً من مسؤولية مواجهته منذ البداية؛ فالأجيال التي تتلقى خطاب الكراهية والإقصاء قد تدفع ثمنه قبل أن تتمكن من اكتشاف زيفه.

 

 

لا يتعلق الأمر، إذاً، بمجرد تعديل كتاب مدرسي أو حذف فصل وإضافة آخر. نحن أمام سؤال يتعلق بمن يملك حق تشكيل عقل الطفل السوري، وبأي قيم يريد أن يوجّهه، وأي مجتمع يريد أن يصنعه. هل نريد تعليماً يعلّم الأجيال التفكير والنقد واحترام الاختلاف، أم تعليماً يسلّمها إجابات جاهزة عن الأعداء والخونة والكفار؟ وهل خرج السوريون من استبدادٍ أراد احتكار الوطنية كي يجدوا أنفسهم أمام سلطة تريد احتكار الدين وتفسيره، وتفرض على المجتمع معادلاتها الخاصة للحق والباطل؟

 

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لسوريا هو أن تتبدل أسماء السلطات وتبقى آليات إخضاع الإنسان كما هي؛ أن يسقط منهجٌ في التلقين ليحل محله منهج آخر، وأن يتغير الشعار فيما تستمر محاولة مصادرة العقل والذاكرة والمستقبل.

 

 

يوماً ما، ستكون فاتورة الصمت السوري والدولي باهظة. وحين تظهر نتائج ما يُزرع اليوم في عقول الأطفال، لن يكون كافياً أن يقول الصامتون إنهم لم يعرفوا، أو إنهم لم يكونوا أصحاب قرار. فالتعليم الذي يُترك لمن يريد توظيفه في صناعة الطاعة والكراهية ليس قضية مؤجلة إلى الغد؛ إنه معركة على سوريا التي ستبقى بعدنا، وعلى حق أجيالها في أن تعيش مواطنةً لا رهينةً لعقيدة السلطة.

 

 

لقد حاول الأسد أن يغتال الذاكرة السورية، واليوم يبرز خطر أن يجري توجيه الذاكرة والعقل والوجدان في اتجاه آخر، وبأدوات مختلفة. وبين التجربتين، يبقى واجب السوريين واحداً: ألا يسمحوا لأي سلطة بأن تستولي على عقول أبنائهم، أو أن تجعل المدرسة مصنعاً لإعادة إنتاج الاستبداد، أياً كان الشعار الذي ترفعه أو المرجعية التي تتذرع بها.

 

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard