أيّ كان "الديلر" فـ "الكازينو" في "الكابيتول"

"شرق أوسط جديد"؟ ما الذي يحول دون ولادته إذا أخذنا علماً أن وجودنا مثل ولادتنا يقررها الآخرون؟
ما الذي يحول دون ذلك وقد ولدنا بالقلم والممحاة، لا بمعطيات الطبيعة ولا بحقائق التاريخ؟
من قال أننا حقيقة كما النهر، أو الجرم السماوي؟
ما دام الأمر كذلك، ما الذي يحول دون ولادة شرق أوسط جديد يتشكّل كما الطين بين أيدي "فخّاري" يضع أذن الجرّة حيث يشاء، دون إنكار أن "فخّاري" اليوم يتنقل ما بين واشنطن وتل أبيب، وقد حلّ محل الله في الخلق بعد أن "قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين" ؟
وها نحن ننشغل بسؤال يكاد يكون وجوديًّا:
ـ ماذا يعني "الشرق الأوسط الجديد"؟
ومن ثم هل نحن بصدد تحوّلٍ خرائطي، سياسي، ديموغرافي، يعيد تشكيل هذه المنطقة على ورق الكالك الأبيض لإعادة تشكيلنا، ألواناً وأعرقاً ودولاً وقبائل وكهوف ؟
في لحظتنا الراهنة، يُطرح المصطلح بكثافة، في تصريحات، وتحليلات، ومؤتمرات، وغرف استخبارات مغلقة، وغالبًا ما يُلمّح من خلاله إلى مشهد تتغيّر فيه الخرائط، وتُعاد فيه صياغة الدول، وتُوزّع فيه الولاءات والموارد بما يخدم موازين قوى دولية جديدة، وربما نظامًا عالميًا يولد على أنقاض ما يدمّر الآن.
لكن التغيّر الخرائطي ليس أمرًا جديدًا على هذه المنطقة، فمنذ اتفاق سايكس/ بيكو عام 1916، حين قسّمت بريطانيا وفرنسا إرث الدولة العثمانية كما تُقسَّم الغنائم، والشرق الأوسط يدخل طور الخرائط المُفروضة، لا المُختارة.
ثم جاء وعد بلفور ليزرع كيانًا استيطانيًا في قلب الجغرافيا، فتفتّح قرنٌ من النزاعات التي لم تنطفئ.
تلت ذلك نكبة فلسطين، ثم نكسة 1967، فحروب الخليج، فالاحتلال الأمريكي للعراق، فالثورات العربية وما أعقبها من حروب أهلية،
وفي كل محطة، كانت الخرائط تتعرّض للاهتزاز، سواء في الشكل أو في البنية الاجتماعية والسياسية.
اقرأ أيضاً:
اليوم، يبدو أن الحديث عن شرق أوسط جديد لم يعد مجرّد تحليل أو نظرية، بل مشروع فعليّ تُهيّأ ظروفه، وتُطبَخ وقائعه على نار الحروب والفراغات السيادية.
ويزداد هذا الاحتمال ترجيحًا نتيجة تلاقي ثلاث عوامل أساسية:
ـ التحولات الجيوسياسية العالمية، عبر تراجع النفوذ الأمريكي التقليدي، وصعود أدوار الصين وروسيا وإيران وتركيا كلاعبين ذوي أطماع إقليمية (وهو أمر لن تسلّم به الولايات المتحدة).
ـ انهيار النماذج الدولتية في عدد من الجمهوريات بفعل الاستبداد، الفساد، والطائفية، وقد انهارت فكرة الدولة في عدة بلدان، فحلّ محلّها فراغ تستغله القوى المحلية والمليشيات العابرة للحدود.
ـ إعادة تعريف الصراع مع إسرائيل، حيث لم تعد فلسطين هي مركز الخريطة السياسية كما كانت، واتفاقات التطبيع الأخيرة تعكس توجهًا لإعادة ترتيب الأولويات بما يخدم رؤية مختلفة للمنطقة.
لكن يبقى السؤال الأهم:
ـ من هي الدول التي قد تنشأ على أنقاض الدول السابقة؟
وما هي الكيانات التي يُراد لها أن تتحوّل من جماعات متنازعة إلى خرائط معترف بها على رقعة الشرق الأوسط الجديد؟
المراقب لما يجري يلحظ أن الخريطة القديمة تُهزّ في أكثر من موضع، لا بالحبر هذه المرة، بل بالدم والنار، وفي أكثر من ساحة، هناك قوى ما دون الدولة تتحول تدريجيًا إلى هياكل شبيهة بالدول، تمتلك الأرض، السلاح، الإدارة، والاعتراف الجزئي، الصامت أو المعلن.
ـ في سوريا والعراق، تتكرس كيانات، تبحث عن هويتها، فيما الهويات الفرعية تشتغل على إنهاض نفسها بعد أن أغرقها الاستبداد، وتاهت المواطنية في زواريب الدكتاتور بداية، والميليشيات الطائفية فيما بعد.
ـ في اليمن، صار الجنوب أقرب إلى دولة قيد التشكل، بعد أن رسّخت الحرب الفصل بين شمال مُنهك وجنوب تدعمه أطراف إقليمية تسعى لموضع قدم دائم على سواحل البحر الأحمر.
ـ في ليبيا، الانقسام بين الشرق والغرب واقع قائم، مع حكومتين متنافستين، ومجتمع دولي يتعامل معهما على أساس الأمر الواقع، وإنْ لم يُعلن ذلك رسميًا.
ـ في السودان، الصراع بين الجيش والدعم السريع قد ينتهي بتقسيم فعلي، خاصة مع بروز محاولات لبناء سلطات محلية منفصلة على أسس عرقية أو قبلية، تعيد للأذهان شبح الحرب الأهلية الطويلة التي سبق أن أدت إلى انفصال الجنوب.
أما فلسطين، فإن ما يجري اليوم من حرب شرسة على غزة، مترافقًا مع صمت دولي وإعادة طرح لمشاريع "الحلول البديلة"، قد يُمهّد لمحاولات تفريغ ديمغرافي أو فرض واقع انفصالي يُخرِج القطاع من المعادلة، ويدفع نحو شرق أوسط خالٍ من مركزية القضية الفلسطينية.
هذا لا يعني أن هذه الكيانات ستُعلَن دولًا غدًا، لكن المؤكد أن خطوطًا جديدة تُرسم على الأرض، بانتظار لحظة سياسية يُعاد فيها ترتيب الخرائط تحت عنوان "الاستقرار".
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي:
هل ستولد هذه "الدول" من رحم العدالة وتمثيل إرادة الناس؟
أم أنها ستكون مجرد امتدادات لوظائف جيوسياسية تفرضها قوى الخارج؟
إنه سؤال مفتوح على المجهول، لكنه يستحق أن يُطرح الآن، قبل أن تُطوى الخرائط، ونصحو على عالم لا يشبهنا،(أو ربما يشبهنا)، وبين خرائط تُمحى وأخرى تُرسم من جديد، يلوح في الأفق ما يُسمّى بـ"الشرق الأوسط الجديد"؛ مشروع قديم بأدوات جديدة، يعيد تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا على أنقاض الدول المتآكلة.
فهل نحن أمام ولادة دول جديدة؟ أم أمام تفكيك شامل لمنطقة لم تبرأ من جراحها بعد؟
العين على "الديلر" اليوم، ما يعني أن العين على بنيامين نتنياهو في رسم هذا الشرق الأوسط الجديد، ولكن رغم أن الديلر، يبدو كخصم مباشر للاعبين، إلاّ أنه في الحقيقة مجرد ترس في آلة أكبر، فكل لعبة مصممة بالنهاية لصالح الكازينو.
ـ الكازينو هو من يربح في النهاية.
وبلا أدنى شك فالكازينو مازال في "الكابيتول".