ونحن "أحافير بشرية"، هل سنتغيّر؟ أم ستتغير أمريكا؟

"دعوني أتصور أيّ منصب سيوكل إليه في جهنم"، هذا كلام جاء على لسان واحد ممن تناولوا سيرة هنري كيسنجر، وأعني الباحث في التاريخ ر. أندرسون.
ربما ذهب أندرسون إلى لفت انتباهنا إلى أن هنري كيسنجر كان قد ركل قرنين من الزمن، وهو على قيد الحياة، يصيغ العالم كما لو قطع بازل يفككها ومن ثم يعيد تركيبها، وربما لأنه فقط:
ـ عاش حتى قارب المئة عام.
بكل الحالات، ليس من اليسير معرفة إرادة الله، لكن هذا "الشرق الأوسط"، لم يكف يوماً عن كونه مختبراً لا للسلاح فحسب، ولا للعبة الأمم فقط، كذلك كان حاله في اختبارات الدبلوماسية الأمريكية.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تنقّل "الوسيط الأمريكي" بين أدوار متعددة:
ـ مرةً كمهندس للخرائط، وأخرى كمسكّن للحرائق، ومؤخرًا كمروّج للصفقات.
وإذا كان اسم هنري كيسنجر قد رسّخ صورة "الدبلوماسي المهندس" في سبعينيات القرن العشرين، فإن فيليب حبيب مثّل في الثمانينيات نموذج "الدبلوماسي رجل الإطفاء". أما في زمننا، فإن اسم توم براك يُقدّم نسخة جديدة تمامًا:
ـ "الوسيط التاجر"، الذي لا يتحدّث بلسان الدولة بل بلغة السوق.
كيسنجر:
عند استحضار الدبلوماسية الأمريكية، لا يمكن للكلام أن يكون ذا معنى دون البدء من هنري كيسنجر، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في إدارة نيكسون، وصاحب الدور الحاسم في صياغة النظام الإقليمي ما بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣.
كيسنجر لم يكن مجرد مبعوث، بل مهندس استراتيجيات بعيدة المدى، دخل الشرق الأوسط برؤية قائمة على التوازن والردع، ونجح من خلال ما عُرف بـ"دبلوماسية المكوكيّة" في فرض تصور أمريكي للحلول المرحلية.
حدث ذلك مع لفت الانتباه، أن مجموع ساعات لقاءاته مع حافظ الأسد بمفرده، كانت ووفق عقل زماننا (محرك البحث غوغل)، كما يلي:
ـ 130 ساعة نقاش مع حافظ الأسد (لاندري إن احتسبت ساعات المثانة من بينها).
هذا عدا لقاءاته المتصلة بدءاً من 1973 وحتى 1975 مع أنور السادات، والملك حسين، واسحاق رابين، ولقاءاته غير المباشرة مع ياسر عرفات، دون أن يشكو سوى من:
ـ ثرثرات حافظ الأسد.
كيسنجر آمن بأن الشرق الأوسط لا يمكن إخضاعه بالقوة (هذا ماكان يظنه)، لكنه قابل للتشكيل عبر "فن التعليق والتجميد":
ـ تعليق الصراعات لا حلّها، وتجميد خطوط التماس لا إزالتها (بالوسع العودة لمذكراته / شيّقة جداً صادرة عن "الأهلية").
كان يُفاوض كخبير شطرنج، يدير الصراعات أكثر من أن ينهيها، واضعًا نصب عينيه أن من يُمسك بمفاتيح الأزمة، يُمسك بمفاتيح النفوذ.
وربما لم تُختصر السياسة الخارجية الأمريكية، في زمن ما، كما اختُصرت في عقل هذا الرجل الذي مزج بين الفلسفة الواقعية والبرود الأخلاقي، وبين مصلحة بلاده وصياغة عالم جديد.
اقرأ أيضاً:
فيليب حبيب:
بعد كيسنجر بسنوات، سيظهر دبلوماسي من طراز آخر، الأمريكي من أصل لبناني "فيليب حبيب"، الذي حمل معه أدوات مختلفة، فقد كان مبعوثًا خاصًا للرئيس ريغان إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
لكن على خلاف كيسنجر، لم يأتِ حبيب برؤية هندسية لنظام إقليمي، بل بحقيبة دبلوماسية مليئة بالحذر والتوازن، وهمّه الأساسي وقف النار.
أدار مفاوضات مع إسرائيل وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، ونجح في إقناع عرفات بالخروج من بيروت مقابل ضمانات أمريكية.
كان حبيب "بطل اللحظة"، لا صاحب مشروع طويل الأمد، جاء لإطفاء النار، لا لإعادة رسم الخرائط.
رغم ذلك، ترك أثرًا دبلوماسيًا بالغًا، لا بسبب سلطته الرسمية فقط، بل بسبب كفاءته الشخصية وإلمامه العميق بتعقيدات الشرق الأوسط، ومعرفته بالعرب واليهود، وسعيه لتحقيق تسوية تحفظ ماء وجه جميع الأطراف.
تلك هي الصورة، غير أن ثمة مخادعة وراءها، فقد تسلل فيليب حبيب في لحظة ما، إلى قلب ياسر عرفات حتى قال عرفات عنه لـ "لوموند الفرنسية":
ـ "أنا بحوزتي... وثيقة يُقدّم فيها الوسيط الأمريكي، فيليب حبيب، ضمانًا رسميًا من حكومته لحماية الفلسطينيين... لقد كان ذلك الشرط الوحيد الذي وضعته لمغادرتنا".
هذه العبارة تُظهر أن عرفات اعتبر مغادرة بيروت مشروطة بضمان أمني أمريكي مكتوب، حمّل فيليب حبيب مسؤوليته رسميًا، وهو ما سيصبح لاحقًا محور خيبة أبو عمار بعد مجازر صبرا وشاتيلا (خيبة عرفات من حبيب ربما من الخيبات الكبرى التي عاناها الختيار).
توم براك:
نجم ساحتنا اليوم توم براك، الشخصية التي لمع نجمها في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع إدارة دونالد ترامب.
ـ لنأتي إلى سيرته :
رجل أعمال أمريكي من أصول لبنانية، وُلد عام 1947، وراكم ثروته من خلال الاستثمار في العقارات عبر شركات أصبحت لاحقًا أحد عمالقة السوق العقارية في الولايات المتحدة والعالم.
لكن ما جعل "براك" محط الأنظار سياسيًا هو دوره كـ"قناة خلفية" بين إدارة ترامب وبعض العواصم العربية، خصوصًا الخليجية.
لم يكن دبلوماسيًا، بل رجل ظل، يجلس في الفنادق الفاخرة لا في السفارات، يتحدث بلغة العوائد والفرص، لا بلغة القرارات الأممية (يقول لي أحد أصدقائه أن "براك شحيح / بخيل / بالغ الذكاء / يسخر من المبادئ / ويدير محاوريه كما لو يدير حصّالة نقود).
على خلاف كيسنجر وحبيب، فإن براك لا يحمل رؤية سياسية مُحكمة، بل براغماتية اقتصادية صارمة، وهذه ملامحه:
ـ يرى أن الاستقرار لا يتحقق عبر الديمقراطية، بل عبر الشراكات الاقتصادية.
ـ أن التحالف مع الأنظمة القوية –ولو كانت استبدادية– أفضل من دعم كيانات ديمقراطية هشة.
ـ هو يؤمن أن المال يُهدّئ، وأن الاستثمارات تبني جسورًا أسرع من المؤتمرات الدولية.
يعني رجل سوق، وبقيم السوق.
من كيسنجر إلى براك.
يمكن النظر إلى كيسنجر، حبيب، وبراك كأطياف مختلفة لدور "الوسيط الأمريكي"، كلٌّ منهم عكس لحظة في تطور النظرة الأمريكية للشرق الأوسط:
ـ في كيسنجر رأينا أمريكا تُخطط وتُعيد ترتيب الشرق الأوسط (على هذا النحو وصفه محمد حسنين هيكل).
ـ في حبيب رأينا أمريكا تُطفئ الحرائق وتنقذ ما يمكن إنقاذه.
أما ثالثهما أعني "براك"، نرى أمريكا تُبرم صفقات في الخفاء، وتُراهن على النفوذ الشخصي بديلًا عن القنوات الرسمية.
هل تغيرت أمريكا أم تغير العالم؟
قد يُقال إن هذا التحول من كيسنجر إلى براك يعكس "تراجعًا" في الدور الأمريكي، كما لو أنه انعكاساً لتحوّل العالم نفسه (قد تكون رؤية بعين واحدة).
ـ في زمن كيسنجر، كانت أمريكا تصنع الخرائط.
ـ في زمن حبيب، كانت تُدير التوازنات.
وفي زمن براك، أصبحت تُسند المهام لوكلاء النفوذ غير الرسمي.
يبقى السؤال:
ـ من يكتب الفصل القادم؟
هل نحتاج إلى كيسنجر جديد يعيد هندسة النظام الإقليمي؟
أم إلى "حبيب" جديد يُنقذ ما تبقى من الدولة؟
أم أن زمن "رجال الأعمال المفاوضين" قد بدأ فعلاً، حيث تُدار الصراعات عبر المصالح المشتركة لا عبر التسويات الكبرى؟
الشرق الأوسط الذي أنهكته المشاريع، والصفقات، والانقلابات، لا يزال يبحث عن وسيط لا يبيع أوهامًا، ولا يفاوض نيابةً عن الأسواق، بل يحمل رؤية شاملة تُنقذ الإنسان قبل أن تُعيد ترتيب الخرائط.
فهل في أمريكا من أبقى على هذا الوصف؟
كان برنارد لويس قد وصفنا بـ "الأحافير البشرية"، والسؤال الأكثر سوريالية:
ـ هل سنتغيّر نحن، أم ستتغير أمريكا؟