info@suwar-magazine.org

الإسلام البريء، والمشوهون، والمستسلمون: إنها العتبة الأخيرة أمام فشلٍ محتوم

الإسلام البريء، والمشوهون، والمستسلمون: إنها العتبة الأخيرة أمام فشلٍ محتوم
Whatsapp
Facebook Share

 

 

أربعون يوماً مضت، نشرت حينها مقالاً بعنوان: " ما سرّك أيها الإسلام"، مقتبساً من وحي الواقع، ومن استقراء التاريخ. مقالٌ يعيد طرح الإشكالية القديمة المتجددة التي أضاء عليها أصحاب الضمير الإنساني أمثال شكيب أرسلان، وفرج فودة. لم يكن هدفي من هذا المقال تقديم نقد أدبي، بقدر ما كان تعبيراً عن عمق المأساة التي نعايشها اليوم. مأساة مرتبطة بتوظيف دين الرحمة والعدل في معترك السياسة والاقتتال. تساءلت عن سر صمود الإسلام رغم اختطافه من قبل الطغاة والمتاجرين؛ صموده كعهد إنساني يقوم على الحرية والعدالة، في الوقت الذي لا يكل المتأسلمون عن تحويله إلى مجرد طقوس لتبرير العنف وإخفاء الاستبداد، بينما جوهره الأصيل مرتبط بتحرير الإنسان من الظلم.

 

 

اليوم، وفي خضم هذا الضجيج المدوّي، بات الاصطفاف إلى الحق واجباً تاريخياً وإنسانياً لا يُرَاوَغ، صفّ براءة الإسلام من يدوي صداها في أروقة الزيف الذي نسجه المتأسلمون بأناملهم السوداء. الإسلام، ذلك المشروع الحضاري للتسامح والبناء، لم يُخلق أداة للتكفير أو للتفتيت، ولم يكن يوماً شعاراً يوضع على سيوف الظلم. هذه ليست دعوة للدفاع عن صورته أمام الآخر، فلم يكن الإسلام يوماً بحاجة لمن يدافع عنه، بل صرخة للمساءلة؛ لكل من ارتدى عباءة الطهر زوراً، ولوّثها بدماء الأبرياء، إنها للتذكير بأن استمرار في هذا النهج هو مسار محتوم نحو الانهيار والفشل التاريخي، حيث تزول الأقنعة ويظهر الوجه الحقيقي لمن راهن على الدين لأجل السلطة والهيمنة، ولمن أذعن للظالمين باسم الإسلام.

 

الردة المقنّعة:

 

"ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ"

 

كانت لحظة تاريخية مفصلية عندما سقط الجلاّد؛ فسقوط الاستبداد ليس حدثاً عابراً في تاريخ الأمم، بل لحظة استثنائية لا تتكرر إلا حين تتقاطع إرادة التحرر مع انكشاف البنية العميقة للطغيان. أما الاستبداد نفسه، فليس نادراً، بل هو النمط الأكثر شيوعاً حين يغيب الوعي، وتُترك السلطة للغريزة؛ فبناء الطغيان لا يحتاج لعبقرية، بل لغفلة الجماعة. أما هدمه، فيتطلب وعياً تاريخياً لا يُتاح إلا نادراً. ولهذا، فإن الفشل في استثمار لحظة السقوط لا يعيد الشعوب إلى القاع، بل يضعها في حضيض أعمق من السابق.

 

طُويت حقبة الأسد وبعثه الدامي، وكانت هذه اللحظة في جوهرها اختباراً تاريخياً: هل تملك هذه الأمة أن تستدعي تاريخها الحقيقي؟ هل بإمكانها أن تبني من ركام الخراب مشروعاً جديداً يعيد للإسلام معناه، وللمجتمع روحه، وللإنسان كرامته؟

 

فتحت الأبواب على مصرعيها لأول مرة منذ عقود أمام وعي سياسي جديد، وأمام استعادة المجد والقرار. فتحت الأبواب أمام انبثاق الدولة من رحم الناس ووجدانهم، لا من أجهزة الاستخبارات. ولأول مرة، بدا ممكناً أن يُستدعى مجد الإسلام الحقيقي الذي حرر القلوب والعقول. الإسلام الذي بنى أمجاداً وحضارات، وأقام دولاً، لا بقوة السيف فقط، بل بعدالة الشريعة، ومساواة الرعية، وبناء المؤسسات.

 

 في الإسلام الذي أضاء قروناً من التاريخ، لم تكن الدولة مجرد جهاز للحكم، بل مشروعاً أخلاقياً بكل ما للكلمة من معنى. كانت مبنية على نظام اجتماعي عادل، وفهم حقيقي لمسؤولية الحاكم أمام الله والناس. دولة تقتدي بمنهج النبوة، عندما لم تكن المدينة دولة عقائدية، بل نموذج للانفتاح والتعدد والعدل والرحمة.

 

تلك اللحظة التي كانت بين أيدي السوريين جميعاً، وبالتحديد، بين يدي أحفاد النبي العدنان. أحفاده الذين تحمّلوا العبء الأكبر من الدم والتهميش والخذلان. أتيحت لهم فرصة الحضن الرؤوم، لقيادة مشروع وطني ينهض على مبادئ الإسلام في صورته الجامعة، ويلم شمل الجميع على مائدة الحرية والكرامة. ولكن!!! بدل أن يُستدعى الإسلام كرسالة، استُحضر كراية. بدل أن يُبنى على المحبة والعدالة، بُني على الغضب والعنف. وبدل أن تُستعاد مقاصد الشريعة، استُحضرت شعارات الغلبة. وبدل أن يُبنى المجتمع الجديد على الشورى والحرية، تسللت إلى الواجهة سلطة جديدة تُلبس القمع عباءة الدين.

اقرأ أيضاً:

 

                            أيها الإسلام... اغفر لنا مافعلنا بك

 

                       العتبة ما قبل الأخيرة... حين تتحول الهوية إلى جريمة

 

 

لقد تعلّمنا من الإسلام أن الأمم لا تنهض حين تسقط طواغيتها فقط، بل حين تمتلك الوعي اللازم لبناء ما بعد الطغيان. فهل بالفعل وُجد الوعي اللازم لبناء سوريا بعد سقوط طاغيتها؟ أيعقل أن يعهد أحفاد النبي لمن شوهوا صورته كولاة للأمر؟  أيعقل أن يرتضي أبناء الإسلام الحنيف أن يحمل رايتهم من قتل أبناءهم وتآمر من قبل مع سفاحهم؟ لقد حوّل الطغيان الجديد فرصة تصحيح المسار إلى مشروع استبداد جديد، وأضاع الإمكانية التاريخية لإعادة تعريف الإسلام في وجدان العالم، وانهارت فرصة نادرة ليُقال للعالم: هكذا المسلمون يبنون الدولة، وهكذا هو الإسلام بصورته العظيمة. دولة لا فرق فيها بين عربي وأعجميّ، ولا بين مذهب وآخر، بل دولة يكون فيها الإنسان قيمة عليا كرمها الله.

 

 

"وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ.."

 

نعم. إنه أمر الله، بأن الركون إلى الظالمين تهلكة للنفس في الدنيا والآخرة.. ذلك الأمر المتصل بجوهر الدين الإسلامي وجوهر الإيمان، فكيف يركن أبناء الأمة لمن ظلمهم؟ إنها لحظات التحول التاريخي، حيث لم ينتج القهر مشروعاً تحررياً ناضجاً، بل انزلق في حالة من التلبّس العاطفي بفكرة الخلاص، فكان التشبّث بمن ادعى تمثيل المظلومية، وهو نفسه من كان في الأمس عدواً لها. هنا، في الحالة السورية، تجلّت حالة التلبس العاطفي هذا بأوضح صورها، عندما تم الركون لمن ظلم وشارك بالظلم سابقاً، ولمن وضع يده بيد الطاغية الأسد وارتكب المجازر بحق أهل المظلومية أنفسهم.

 

رُكِنَ إلى متسطلين جدد، ورثوا الطغيان عن أسلافهم، ولم يأتوا بمشروع سياسي عقلاني، ولا ببنية مؤسساتية، ولا برؤية وطنية شاملة. جاؤوا بخطاب تعبوي، مغلّف بالرمز الديني، ومرتكز على استدعاء انتقائي وعنيف للتاريخ. جاؤوا بلبوس الإسلام ورايته زوراً وبهتاناً، ليحقنوا الوعي الجمعي للمقهورين بشعور وهمي بالقوة، ويتسلّقوا عذاباتهم بقناع الدين.  إنه الشعور المزيف بفائض القوة، والركون إلى الوهم لمجرد الخروج من دائرة الضحية، زرعه أولئك الذين حصروا مشروع التحرر بهم، واستأثروا بالقرار عن أولياء الدم، فأشعروهم بهتاناً بالتمكين، وحولوهم إلى أدوات جديدة لمشروع طغيانهم. وهنا، ولأنهم طغاة فاسدون، أبعدوا المشروع الإسلامي الأخلاقي الرشيد للحكم، وربطوا التبعية لهم بسعار قوة لم ينتج إلا مزيداً من الانفصال عن المجتمع والواقع ومزيداً من العنف.

 

 

لقد أنتج الشعور المزيف بالقوة نتائج كارثية على أبناء الأمة أنفسهم، فاستحالوا لأدوات بيد سلطة طغيان جديدة، يقمعون النقد الذاتي، لدرجة أن كل من ينتقد الطغاة الجدد بات خائناً أو فلولاً لنظام الاستبداد السابق أو عميلاً للعدو الخارجي. وباتت اللغة الوحيدة هي لغة التهديد والوعيد، فتشوهت صورة الإسلام بيد أبنائه، وبتحريض ممن لا يمتون للإسلام بصلة، لدرجة أن صورة الإسلام تشوّهت أكثر مما شوهها خصومه. ولدرجة أن مظلومية شعب دفع آلاف الشهداء لأربعة عشر عاماً نٌسفت تماماً أمام السوريين والعالم.

 

 

 

"وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيم"

 

ربما تفسر آيات الذكر الحكيم هذه سبب التأخّر واستمرار الضعف. الركون إلى الظالمين ليس تحذيراً إلهياً فقط، بل استبطان لدعوة عميقة لإعادة النظر في فجوة التطبيق بين مبادئ الإسلام وسلوك المسلمين. السلوك الذي خرج عن جوهر الدين بعدالته وحكمته، لا بالتخلّف والشعارات الجوفاء. الركون إلى الظالمين الذين شوهوا الإسلام واختزلوه في القشور، وتركوا جوهر الإصلاح، فبات بأيديهم وسيلة للسلطة والتسلط، ولتسلّق العذابات. أيعقل أن يركن المسلمون إلى من يقطع الرقاب، ويهين الكرامة، ويمجّد الغزو في غير موضعه؟ أيعقل أن يركنوا إلى من شوّه صورة الإسلام وانفصم عن سننه في الإصلاح والنهضة؟ أيعقل أن يركنوا إلى صبية ينسفون بأبيات شعر جوفاء تاريخاً عريقاً من التعايش بين المسلمين وبقية الشعوب على أرض دمشق ويحصرونها بهوية واحدة؟

 

للأسف، لقد نجح المتأسلمون والطغاة الجدد باستغلال أبناء الأمة، وأعادوهم إلى انتقائية الإسلام، وجندوهم كأدوات لتشويه دين العدل والرحمة.

 

هؤلاء الطغاة الذين لم يستدعوا الإسلام كمشروع حضاري، بل كشرعنة لبسط هيمنتهم، المستبدون الذين استدعوا البيعة ولم يستدعوا الشورى؛ الذين كرّسوا وجهاً مشوّهاً للإسلام كما أراد خصومه، لا كما هو في حقيقته.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard