العتبة ما قبل الأخيرة... حين تتحول الهوية إلى جريمة

الصورة من الانترنت
جُرم الانتماء
كتب أمين معلوف في روايته "الهويات القاتلة" " أنا لا أُولد ومعي هوية جاهزة؛ أنا أختار، أو على الأقل، أُعيد ترتيب عناصرها." قد تختصر هذه العبارة جملة الخيارات السياسية المرتبطة بالانتماء الهوياتي في المشهد السوري المفتت حالياً، حيث تعددت الانتماءات وتحوّلت الهوية الوطنية السورية إلى عبء ثقيل على حامليه لدرجة أنها أصبحت جريمة تقتضي الموت.
هناك، في السويداء الجنوبية، وفي العديد من أصقاع الوطن المتعب، حيث احتفظت الجغرافيا بالانتماء الوطني السوري على مدى عقود من الزمن، مُسح التاريخ بجرائم إرهابية يندى لها الجبين، وتحوّلت الهوية إلى تهمة، ولم يعد في الأجواء صوت إلا صوت رصاص القاتل باسم الرب.
في السويداء، وعلى يد من ادعى تمثيل العدالة والقانون والدولة، سقط الشهيد منير الرجمة برصاصة طائفية باردة، لا لشيء سوى أنه حاول الاحتماء من الموت بهويته السورية، ولم يكن يعلم أنها التهمة التي سترديه قتيلاً على مذبح الوطن. قال لقاتله: "أنا سوري يا خيي". عرّف بنفسه كشخص يحمل الانتماء، وإنسان ينتظر الرحمة ممن خاطبه بلفظ "الأخ". لكن قاتله لم يكن يبحث عن الانتماء، بل عن الطائفة. عن قيد في السجل. عن هوية قاتلة كما وصفها أمين معلوف: تلغي الإنسان، وتؤبد الانقسام، وتحول الانتماء من جسر تواصل إلى سكين للذبح.
في لحظة استشهاد منير، التي تشبه لحظات استشهاد المئات من شهداء الانتماء السوري، لم يُقتل الجسد فقط، بل تم قتل المفهوم نفسه. قَتَلَ المتسلطون الحلم بأن سوريا ستبقى واحدة، ومتعددة، وقابلة للاحتواء. لقد استشهد منير لأنه أجاب بما لا يرضي غريزة الجلاد، لا لأن ما قاله كان خاطئاً، بل لأنه كان أصدق مما ينبغي. ذلك الجلاد لم يضغط زناد الحقد واللاإنسانية فقط، بل نفّذ حكماً أيديولوجياً في رجل لم يقبل أن يُختزل. ففي رحاب المتسلطين الجدد، لا يُسمح لك أن تكون سورياً. فإما أن تكون درزياً ميتاً، أو مسيحياً صامتاً، أو كردياً مهمشاً، أو سنياً مضطهداً، أو علوياً مهجراً. لكن أن تكون سورياً فهذا وحده مبرر لكي تموت.
اقرأ أيضاً:
الهوية تصبح قاتلة عندما تتحول إلى مطلق
يقول أمين معلوف: "عندما يُطلب من الإنسان أن يختار بين انتماءاته، يُدفع إلى تبني هوية قاتلة." هذا ما حدث بالفعل عندما بات الشهيد منير الرجمة والمئات من شهداء الانتماء مجبرين على الاعتراف بانتماء واحد فقط. هذا الانتماء الذي تحول إلى أداة تدمير، فإما أن يكون الجميع تحته، أو أنهم محكومون بالفناء والإقصاء. انتماءٌ أحادي يريد الطغاة الجدد فرضه بسياسة الإخضاع القسري، التي لم تقد يوماً إلا للعنف، وتدوير العنف، إذا تحوّل " الآخر" إلى تهديد وجودي. هنا، تبدو واضحة روابط المستبدين الجدد بالمستبدين القدامى، وزمالتهم على مقاعد دراسة واحدة في كلية الإجرام. فمن كان مختلفاً أصبح تلقائياً محكوماً بالموت، أو الإقصاء على أقل تقدير.
لا أحد يقتل باسم الرب، إلا إذا تحوّل الرب إلى رمز للسلطة
في السويداء، وفي عموم سوريا، اغتال الإرهابيون الإيمان كقيمة وجودية. اغتالوه بالنيابة عن سلطة تدّعي تمثيلها لله. اغتالوا من لا يريد أن يخضع لمنطق القطيع، ومن لم يسلّم بأن الانتماء الطائفي يجب أن يتقدم على الكرامة الإنسانية، أو على المعنى الوجودي للإنسان. لم يكن هؤلاء القتلة مؤمنين، بل سلطويين. لم يحملوا الله في قلبهم، بل على كتفهم، متسلحين به كأداة للإخضاع والسطوة فقط. فالله في ملكوته وكتبه لم يكن يوماً رخصة للقتل، بل وعداً بالرحمة. لكن عندما يتحول الإيمان إلى سلطة، ويتحول الله إلى أداة لتشريع القوة، يصبح الموت هو الصلاة الوحيدة المقبولة في معبد المتلسطين الجدد.
في لحظة استشهاد المنتمين للوطن، لم يكن الدين حاضراً كرسالة، بل كان زياً رسمياً لإرهابي جلاد. لم يكن ينتظر سماع إلا جواب واحد، وهو إقرار بتشابه الهوية.. ماذا يعني سوري؟ لا يعنيه أن يكون المقتول سورياً، مع أنه دخل منزله واستباح أرضه تحت ذريعة الحفاظ على سوريا. كان يعنيه أن يكون المجني عليه كقاتله يؤمن بقطع الرؤوس للدخول إلى الجنة. جريمة ضد الأخلاق وضد البشرية أجمع. ليست فعلاً دموياً وحسب، بل مصادرة لحق الإنسان في أن يعرّف نفسه خارج قوالبهم الرثة الملطخة بالدماء.
سقط منير شهيداً ومعه المئات مثله لأنهم لم يجعلوا الطائفة محوراً لهويتهم، وسقطت معهم سلطة ساقطة أصلاً. لم تكن هذه الجرائم دليلاً إضافياً على قذارتها وحقدها، بقدر ما كانت دليلاً لدى أصحاب الانتماء الوطني على أن وجودهم بات مهدداً بالفناء، و دليلاً للذين لم يكونوا يوماً ضد أي دين، بل ضد تحويله إلى سلاح. ضد اختطاف الإيمان، وضد أن يكونوا مجبرين على تقديم أوراق اعتمادهم تحت عنوان الإكراه والإجبار.
الهويّة من فضاءٍ حر إلى قبرٍ ضيّق
إنه صراع بين مفهومين، تعيشه الهوية السورية اليوم. أحدهما جامع وتعددي وحر، والآخر اختزالي وقسري وقاتل. لذلك، لم يعد مقتل منير الرجمة أو غيره من الشهداء على مذبح الوطن فعلاً معزولاً، بل بات نقطة تحول رمزية. صياغة لقناعة لدى أصحاب الانتماء الثابت الذي لم يتغير بناء على المصالح السياسية أو شخصية الجلاد، بأن جميع الخيارات السياسية متاحة عندما يكون الخيار متصلاً بالوجود والبقاء. تلك الخيارات السياسية التي لم تعد من قبيل الترف، بل من قبيل الحفاظ على الكينونة، ولسبب جوهري وحيد، وهو عودة حالة الاندماج شبه المطلق بين الاستبداد والمؤسسات، وبين الطغيان والجمهور.
الوطنية المخُتزلة بمفهوم الجلاد
سابقاً، اختزل نظام الأسد الوطن والوطنية بمعاييره فقط؛ واليوم، تُختزل الوطنية أيضاً بمعايير الولاء للطاغية الجديد. أن تكون وطنياً هو أن ترتضي الموت، وتقبل بأن يُحرق منزلك، وتُباد عائلتك، ويُجوّع أبناؤك دون أن تعترض أو تطلب المساعدة والحماية. أن تكون وطنياً هو أن ترضخ للمستبد بما يقرر، وأن تحمل ذات الفكر والمنطق الذي يفكر به. فإلى أين يذهب أصحاب الأرض؟ وإلى أين يهرب أصحاب الانتماء؟
إذا كان مقتل رجل قال "أنا سوري، يا خيي" قد أصبح رمزاً لانكسار المفهوم الوطني، فإن استعادته لا تكون بالحداد، بل بإعادة تعريف الهوية بطريقة لا تقتل. وهنا، صار لزاماً على أصحاب الانتماء الوطني الحقيقي أن يعيدوا تعريف هويتهم بتحررهم من الهوية الواحدة التي يُعاد فرضها عليهم. صار لزاماً أن يُعاد بناء الوطن على انتماء المواطن له وليس للسلطة. لذلك، لم تكن أصوات الأحرار في السويداء إلا للتذكير بوعي جديد، ليس تجاه النفس فقط، بل تجاه الوطن ذاته.. الوعي الذي سيتحول إلى جسر عبور لينقذ سوريا من أنياب الهويات القاتلة.