حين يصبح الزلزال أخلاقياً... يصبح الافتراق جغرافياً

- ذاك الذي يفهم التاريخ، يعرف ان السويداء كانت الرائدة في أن تكون هذه السوريا التي نراها اليوم دولة واحدة؛ فلا تحمل السويداء مشروعاً انفصالياً، لتطلب الانفصال؛ و لا رفعت سقف خطابها، لتفاوض على فتات سلطة أو تُلوّح بورقة الجغرافيا بوجه المستبد الجديد. فالسؤال هنا ليس سياسياً كما يُروّج له أبواق السلطة الانتقالية المؤقتة، بل وجودياً بامتياز.
- لم تكن المسألة في يوم من الأيام حدوداً على الخريطة، بل حدوداً في الكرامة. السويداء، التي رفضت الانفصال حين كان الانفصال مكافأة فرنسية، لا تلوّح به اليوم إلا حين يُستنزف منها كل ما يربطها بوطنٍ تخلّى عنها، وسلّمها لقتل دموي، وإقصاءٍ سياسي.
- ليست السويداء من خرج على الجغرافيا، بل الجغرافيا السياسية هي التي خرجت عليها.
- حين تقول السويداء لن نكون جزءاً من هذا القبح والإرهاب والإنكار، فهي لا تخلع انتماءها، بل تخلع الخنوع الذي ارتضاه كثيرون.
- السويداء لا تهرب من الدولة، بل تبحث عن مؤسساتها، ولا تجدها. هي لا تبتزّ أحداً، بل تُعلن بصوت مرتفع: وجودنا لا يُدار بمنطق المكرمات، ولا يُقايض بالمواطنة المشروطة.
- الانفصال بالنسبة للسويداء ليس غايةً، بل صرخة في وجه وطنٍ يُدار كملكية خاصة بيد إرهابي، لو اجتمعت أمم الأرض لتنظيف وجهه، لبقي قبيحاً مجرماً.
اقرأ أيضاً:
- ما تطلبه السويداء ليس "كياناً بديلاً"، بل كياناً وطنياً جديراً بالبقاء؛ دولة تحتضن أبناءها، لا تقهرهم، تحميهم لا تساوم على دمائهم، تصون حرياتهم، لا تراقب أنفاسهم.
- من أراد أن يفهم السويداء، فليقرأها لا كنزعة انعزالية، بل كوخزة ضميرٍ وطني في جسدٍ يترنح تحت ثقل الفساد والاستبداد والإرهاب؛ وليتذكّر أن صوت الكرامة حين يُجبَر على الصراخ خارج النظام، فالمشكلة ليست في الصوت، بل في النظام نفسه، فكيف إذا كان النظام ثلّة من السفاحين التكفيريين الإرهابيين؟!
- السويداء لم تخطئ في حساب الجغرافيا، ولم تتوهّم يوماً إمكانية اقتلاعها من موقعها، أو تحريك حدودها على رقعة الخرائط؛ فهي تعرف جيداً أن الجغرافيا لا تتبدّل إلا بالزلازل... والزلازل لا تصنعها الطبيعة وحدها. لكن سلطة الإرهاب – بما فعلته من خيانة، وحصار، وترك متعمّد للموت كي يتسلّل إلى بيوت الجبل – ارتكبت زلزالاً أخلاقياً عميقاً، لا يقلّ عنفاً عن الزلازل الجيولوجية. هزّت النفوس، وقلَبت المفاهيم، ونسفت ما تبقّى من ثقة وطنية كانت السويداء تقاتل للاحتفاظ بها في زمن الانهيار.
- لم يكن رفع علم أجنبي، ولا التفكير بالتنسيق مع الخارج، فعلاً نابعاً من عقيدة، ولا من تحوّل سياسي في الهوية. السويداء تعرف – أكثر من غيرها – أن إسرائيل هي دولة يهودية الهوية، وأنها ليست امتداداً لمشروع درزي أو حليف طبيعي. لكنها، في لحظة الانهيار الكبرى، كانت الوحيدة التي امتلكت القدرة على وقف المجزرة. لذا، لم يكن التحالف معها بدافع عقائدي، بل كان دافعاً وجودياً بحتاً: طلب الحماية "ولو من الشيطان" للبقاء والاستمرار بالحياة، خشيةً لا رعباً من أبناء وطنٍ هاجموها، أو صمتوا على ذبحها، أو تواطأوا على جوعها، وبرروا حصارها.
- السويداء، حين نظرت إلى الداخل، لم تجد من يمتد لها بيد النجاة. فاضطرت إلى أن تلتفت نحو من امتلك أدوات الضغط على الفاعلين الحقيقيين في الأرض، لا حباً بهم، بل لأن الخيارات الأخرى كانت موتاً.
- لذلك، و لبراءةٍ أمام سوريا، وأمام التاريخ؛ ها نحن نذكّر، ولسنا نبررّ؛ بأن الوطن ليس تراباً، بل شعوراً بالانتماء. و لن تنتمي السويداء إلى قاتلها، أو مَن يحمل كل هذا الحقد عليها دون احتكام للضمير و الاخلاق.