حين قررت الذاكرة... أن تركض وراء كرة القدم

الأسطورة تحفظ ما لا يمكن إثباته، والرواية تحفظ ما يخشى الإنسان فقدانه، والصورة تحفظ لحظة عابرة، والموسيقى تحفظ إحساساً لا يمكن وصفه... ثم جاءت كرة القدم لتضيف وعاءً جديداً لـ "أوعية الذاكرة".
انتهى مونديال كأس العالم، رفعت إسبانيا الكأس بعد مباراة نهائية مع الأرجنتين، وانطفأت الأضواء التي كانت طوال أسابيع تجعل الليل أكثر ازدحاماً من النهار، بعدها عاد الناس إلى أعمالهم، وعادت المدن إلى رتابتها، لكن السؤال سيبقى:
ـ ماذا كان يحدث لكل هؤلاء البشر؟
أعترف منذ البداية بما قد يبدو نقصاً في حق كاتب يكتب عن كرة القدم، لم أكن يوماً من أولئك الذين يحفظون تشكيلات الفرق، ولا تاريخ الأندية، ولا عدد أهداف بيليه، ولا عدد مراوغات مارادونا، ولا عدد كرات ميسي الذهبية، لا أعرف من كان ظهيراً أيسر في مونديال مضى، ولا أستطيع أن أختلف مع الخبراء حول خطة اللعب، ولا أفهم كثيراً في لغة التسلل والضغط على المرمى، ومع ذلك، كنت طوال البطولة أشعر أنني أعرف شيئاً آخر عن كرة القدم:
ـ أعرف أنها اللغة التي تستطيع أن تجعل رجلاً في قرية إفريقية، وامرأة في أقصى آسيا، وطفلاً في أحد أحياء بوينس آيرس، وعجوزاً في مقهى دمشقي، ينظرون جميعاً إلى الشاشة نفسها، ويصرخون في اللحظة نفسها، كأن الكرة من نبض البشر.
ربما بدأت كرة القدم، كما تبدأ كل الأشياء الجميلة، من أحزمة الفقر، من حذاء ممزق، ومن كرة صنعت من القماش، ومن زقاق لا يعرف الهندسة.. لم تبدأ في الملاعب العملاقة، بل في الأزقة التي كانت خطوطها حجارة، وكانت عارضتا مرماها حقيبتين مدرسيتين، وكان الحكم هو توافق الأطفال على معنى العدالة.
هناك، قبل أن تتحول اللعبة إلى صناعة بمليارات الدولارات، كانت كرة القدم تمريناً مبكراً على الحلم.. كل نجوم العالم تقريباً خرجوا من مكان يشبه تلك الأزقة.
ركض "بيليه" خلف الكرة كما لو أنه يطارد مستقبله، حتى صار اسمه مرادفاً للبداية الكبرى، ثم جاء "مارادونا"، لا لاعباً فحسب، بل إعصاراً يحمل تناقضات البشر كلها، كان قادراً على أن يجعل الكرة تطيعه كما لم تطع أحداً، وقادراً، في الوقت نفسه، على أن يسقط مثل أي إنسان أثقلته الشيخوخة المبكّرة، ثم جاء "ميسي"، وكأن كرة القدم قررت أن تعتذر عن ضجيج العالم، فاختارت رجلاً قليل الكلام، يترك لقدميه أن تقولا لغتهما، وبين هؤلاء، مرّ آلاف اللاعبين الذين لا تحفظهم الذاكرة إلا لأنهم منحوا الناس لحظة فرح، أو لحظة نحيب كما لو أنهم في وداع الأحبّة.. هي "كرة القدم"، التي لاتصنع الأساطير بقدر ما تصنع "الذاكرة":
ـ الهدف الذي يُنسى يموت، أما الهدف الذي يبقى في ذاكرة الملايين، فيتحول إلى جزء من تاريخ الإنسانية الصغير.
لهذا لا يزال الناس يتحدثون عن "بيليه"، كما لو أنه مازال يهزّ شباك المرمى، ولا يزال "مارادونا" يراوغ المدافعين في ذاكرة العالم أكثر مما راوغهم فوق العشب الأخضر، ولا يزال "ميسي"، حتى بعد أن يغادر الملاعب، سيبقى يجري داخل خيال الأطفال الذين لم يولد بعضهم بعد، وهاهو الاسباني من أصول مغربية "الأمين جمال"، يدخل تاريخ "الأسطورة"، كلما لمس الكرة، بدا وكأنه يكتب سطراً جديداً في لغة اللعبة.
ـ الأمين جمال، ليس جناحاً، بل ريحٌ تعرف طريقها إلى المرمى، فالأسطورة ليست ما حدث فقط، بل ما قد يحدث، "ولد"، لايراوغ اللاعبين ولكنه "يراوغ الزمن".
في الرواية، كما في المباراة، لا تكفي النهاية السعيدة، المهم هو الطريق إليها.. المهم تلك اللحظة التي تجعل القارئ أو المشجع ينسى أنه يعرف أنه يشاهد خيالاً أو لعبة، فيعيشها كما لو أنها حياته.
اقرأ أيضاً:
قبل سنوات، صدر كتاب إدوارد غاليانو "كرة القدم بين الشمس والظل" بترجمة الراحل صالح علماني، لم يكن الكتاب يشرح اللعبة، كان يشرح البشر من خلالها، معه، لم تبق كرة القدم اثنين وعشرين لاعباً، بل ذاكرات تمشي على العشب، كل أمة ترى نفسها فيها، وكل شعب يبحث فيها عن صورة لما يريد أن يكونه، ولهذا أيضاً، لم يكن الجمهور مجرد متفرج، كان مع اللاعبين مسرحاً كاملاً:
ـ اللاعبون يمثلون فوق الأرض، والجمهور يكتب النص من المدرجات.
ولم يكن غريباً أن تكون "شاكيرا" نجمة الحفل الختامي، فمنذ سنوات، لم تعد كرة القدم مجرد مباراة، صارت كرنفالاً كوكبياً، تختلط فيه الموسيقى بالرقص، والإعلانات بالأعلام، والدموع بالألعاب النارية، كأن البشرية قررت أن تختصر احتفالها بنفسها في تسعين دقيقة، ثم تمدد الاحتفال إلى ما قبل المباراة وما بعدها، لكن أجمل ما في كرة القدم، بالنسبة إلى رجل لا يعرف كثيراً في تكتيكاتها، أنها لا تزال قادرة على إنتاج العدالة المؤقتة:
ـ في الحياة، قد يرث الإنسان ثروة لم يصنعها، أو سلطة لم يستحقها، أو اسماً يفتح له الأبواب، أما في الملعب، فلا أحد يستطيع أن يراوغ بدلاً من أحد، ولا أن يسجل هدفاً بالنيابة عنه، هناك، لا تعمل الأنساب، ولا الألقاب، ولا الخطب، وحدها الموهبة، والتعب، والخيال.
ربما لهذا أحب الناس اللعبة أكثر مما أحبوا كثيراً من السياسيين، ذلك أنه:
ـ السياسي يعد الناس بالمستقبل، أما لاعب الكرة، فيمنحهم المستقبل الآن، في تمريرة واحدة.
أنا، الذي لا أجيد تعداد البطولات، ولا أحفظ تاريخ الأندية، ولا أملك ذاكرة المشجعين، خرجت من هذا المونديال وأنا أعرف شيئاً بسيطاً:
ـ ليست كرة القدم هي التي انتصرت، ولا إسبانيا وحدها، ولا الأرجنتين وحدها، الذي انتصر هو ذلك الطفل الذي لا يزال حتى هذه اللحظة يرسم مرمى بالطبشور على جدار، ويصدق أن العالم كله يمكن أن يتغير إذا دخلت الكرة بين حجرين.
ربما لهذا السبب لن تنتهي كرة القدم أبداً، لأنها، في جوهرها، ليست لعبة تبحث عن بطل.. إنها البشرية وهي تتدرب، مرة أخرى، على الحلم، ليأخذ الحلم في طريقه إلى الأيام مكان "الذاكرة".
لكن اللاعب، مهما بلغ من العبقرية، لا يستطيع أن يصنع ذاكرته وحده، ليس بيليه هو الذي جعل من بيليه أسطورة، وليس مارادونا وحده من صنع مارادونا، وليس ميسي هو الذي كتب الحكاية الأخيرة باسمه، كان هناك دائماً مؤلف خفي، لا يذكره أحد، مع أنه يكتب الصفحة الأولى والصفحة الأخيرة في كل أسطورة:
ـ إنه الجمهور.
لطالما قيل إن الجمهور يشاهد المباراة، وأظن أن العبارة ليست دقيقة.. الجمهور لا يشاهد المباراة، الجمهور يكتبها.
اللاعب يقدم النص الأول، لكن الجماهير هي التي تمنحه حياته الثانية، هي التي تحفظ الهدف، وتختلف في تفسيره، وتبالغ في وصفه، وتورثه لأبنائها، حتى يصبح، بعد سنوات، أقل شبهاً بالحدث وأكثر شبهاً بالأسطورة.
ـ هكذا كانت البشرية تحفظ ذاكرتها دائماً.
قبل أن تُكتب الإلياذة، لم تكن سوى روايات يرددها المنشدون، وقبل أن تُجمع الملاحم، كانت تعيش في أفواه الرواة، وحتى الأساطير الكبرى لم تكن نصوصاً، بل أصواتاً تنتقل من جيل إلى جيل، ولهذا فإن كرة القدم لم تبتكر هذا التقليد، لقد أعادت اكتشافه:
ـ المدرجات هي الرواة الجدد، والهتاف هو الشعر الشفهي الجديد، والأعلام ليست قطع قماش، بل صفحات تكتب عليها الشعوب أسماء لحظاتها النادرة.
حين يدخل عشرات الآلاف إلى الملعب، لا يدخلون أفراداً، يدخلون بوصفهم ذاكرة جماعية، كل واحد منهم يحمل طفولته، ومدينةً صغيرة، ووالداً اصطحبه لأول مباراة، أو أماً كانت تنتظر انتهاء الشوطين لتقدم العشاء لأبنائها ورفاقهم، أو صديقاً رحل ولم يرحل معه الفريق الذي كان يشجعه، ولهذا فإن المباراة لا تُلعب بين منتخبين فقط، بل بين ملايين الذكريات التي يحملها البشر معهم إلى المدرجات، فيما جمهور الملعب، لا يشجع فريقاً لأنه الأقوى، إنه يشجعه لأنه أصبح جزءاً من سيرته الشخصية.
هنا تتوقف كرة القدم عن أن تكون رياضة، لتصبح وطناً متنقلاً، لهذا لا أستطيع أن أسخر من دموع الجماهير كما يفعل بعض المثقفين، ولطالما حيّرني ذلك التعالي الذي ينظر إلى المشجع بوصفه كائناً ساذجاً، يستبدل قضايا العالم بمباراة، لكن، أليس الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمنح الأشياء معاني تتجاوز مادتها؟
ربما لهذا السبب يستطيع هدف واحد أن يعيد إلى مدينة كاملة ثقتها بنفسها، أو يمنح شعباً جريحاً لحظة نادرة من الفرح، أو يخلق لغة مشتركة بين غرباء لا يجمعهم سوى أنهم صرخوا في الدقيقة نفسها، لكن الجماهير، وهي تصنع الذاكرة، تصنع النسيان أيضاً، فكما تهتف للبطل، تستطيع أن تنقلب عليه، وكما ترفع لاعباً إلى مرتبة الأسطورة، تستطيع أن تدفعه، في لحظة غضب إلى هاوية العزلة، فالذاكرة، مثل البحر، لا تحتفظ بكل ما يصل إليها، إنها تختار، وتحذف، وتعيد الكتابة، ولذلك لا يوجد بطل يملك صورته كاملة.
"بيليه" الذي عاش في ذاكرة البرازيلي، ليس هو "بيليه" الذي عاش في ذاكرة طفل إفريقي حلم أن يصبح لاعباً، و"مارادونا" الذي يسكن ذاكرة الأرجنتيني، ليس هو "مارادونا" الذي يسكن ذاكرة الإنجليزي، و"ميسي" نفسه ليس شخصاً واحداً، إنه ملايين الصور التي صنعها ملايين البشر، وهنا، للمرة الأولى، أفهم أن الذاكرة ليست مستودعاً، إنها مخلوق حي، تكبر، وتشيخ، وتحب، وتغفر، وتنتقم أحياناً، ولعل هذا هو السر الذي يجعل كرة القدم عصية على الموت.. ليست قوانينها هي التي تتجدد بل ذاكرتها.
كل طفل يدخل اليوم إلى زقاق ضيق، ويركل كرة صغيرة بقدمه، لا يبدأ لعبته من الصفر، إنه يدخل، من حيث لا يدري، إلى نهر هائل من الذكريات، جرت فيه أقدام "بيليه"، وابتسامة "رونالدو"، ودموع "باجيو"، وصمت "ميسي"، وسيجد، ذات يوم، مكاناً صغيراً لخطاه هو أيضاً، وهكذا، لا تورث كرة القدم مهاراتها فقط، بل تورث ذاكرتها، كما لو أن كل مباراة ليست نهاية مباراة سابقة، وإنما بداية ذاكرة جديدة، ستبحث، بعد سنوات طويلة، عمن يرويها من جديد.
وحين الإنسان اخترع كرة القدم، ربما لم يكن يخترع لعبة فقط، كان يخترع طريقة أخرى ليقول:
ـ أنا كنت هنا، وكل هدف عظيم هو توقيع صغير في وجه الزمن، وكل احتفال في المدرجات هو إعلان مؤقت عن انتصار الحياة على النسيان، وكل طفل يركض خلف الكرة في زقاق بعيد، هو استمرار لذلك الطفل الأول الذي اكتشف أن حجريْن يمكن أن يصيرا مرمى، وأن العالم، مهما كان ضيقاً، يمكن أن يتسع لحلم، ولهذا لا أعتقد أن أعظم ما تمنحه كرة القدم هو الفوز.. الفوز عابر، الكأس تصعد إلى المنصة ثم تختفي في خزانة، ما يبقى منه:
ـ الحكاية.
وربما لهذا السبب بقيت الإلياذة بعد آلاف السنين، لا لأن طروادة كانت مجرد حرب، بل لأن البشر وجدوا فيها قصة عن الشجاعة والخيانة والحب والموت، ولهذا بقيت لوحات فان غوخ، لا لأنها مجرد ألوان على قماش، بل لأنها حملت وجع الحكاية، ولهذا بقيت موسيقى بيتهوفن، لا لأنها أصوات مرتبة، بل لأنها جعلت الصمت نفسه يتكلم.
ـ ولهذا ستبقى لحظات كرة القدم.
وحين تنطفئ أضواء الملعب، ويعود اللاعبون إلى غرفهم، وتعود الجماهير إلى بيوتها، لا يبقى في النهاية سوى شيء واحد:
ـ الذاكرة.
ذاك الوعاء الغامض الذي لا نعرف أين يسكن، لكنه يحملنا.