غسيل السجلات... أرواح صمدت في وجه المقصلة ولوائح التهم الكيدية

انشغلت وكالات الأنباء وشاشات التلفزة، يوم الأربعاء 16 أيلول الفائت، وضمن بث بروتوكولي معتاد، بنقل خبر وصفته بـ "التاريخي" "مجلس الشعب السوري يُلغي محكمة قضايا الإرهاب ويُبطل مفاعيلها كافة"
يقرأ المتابع المحايد خلف شاشته هذا الخبر بوصفه إنجازاً تشريعياً، أو مناورة سياسية، أو ربما بادرة حسن نية في مسار التسويات.
أما بالنسبة لي، كصحفية واجهت المنظومة الأمنية القديمة وانتزعت حريتها بصلابة، فالخبر ليس سوى فصل جديد ومقزز من فصول العبث الاستبدادي.
إنها براءة متأخرة جداً، وصك غفران مجاني يحاول الجلاد من خلاله أن يمنحه لنفسه وللمنظومة الجديدة، بعد أن فشلت المنظومة القديمة في كسر إرادتنا أو تدجين عقولنا.
والآن، وبكل برود تشريعي، ومن فوق الكراسي المخملية، يظنون أن بإمكانهم إغلاق الملف بجرّة قلم، دون أن يجرؤ أحد على مواجهة السؤال الحقيقي والموجع: من يعوضنا عن شبابنا الذي صودر قسراً؟
من يملك الجرأة ليعيد لنا الفرص الأكاديمية والمهنية التي سرقتها قراراتكم الجائرة؟
كيدية أمنية تقطع الأرزاق وتغتال الطموح
لا تبدأ القصة الحقيقية من السجلات الإدارية الصامتة، بل من القرارات الجائرة التي اتُّخذت وانتهاكاتها جرت في وضح النهار.
لم أكن مجرد عابرة في دهاليز الوظيفة؛ فقد تعيّنتُ في "الهيئة العامة لمشفى القامشلي الوطني" منذ عام 2004، حاملةً شهادة معهد المراقبين الفنيين، اختصاص الري والصرف.
لكن طموحي وشغفي كانا أكبر من حدود الوظيفة الروتينية؛ فقررتُ، بجهد ذاتي استثنائي، دراسة الإعلام.
بدأتُ رحلتي الجامعية عام 2014، وتخرجتُ عام 2017 من جامعة دمشق.
كانت تلك السنوات رحلة تحدٍّ مادي ونفسي؛ إذ كان السفر براً إلى دمشق مستحيلاً بسبب سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق الرقة ودير الزور والبادية، فكنتُ مُجبرة على السفر جواً حصراً، وبتكاليف باهظة، عدا عن خوض معارك إدارية مريرة وقاسية مع إدارة المشفى لانتزاع إجازة رسمية، فقط لأتمكن من السفر وتقديم امتحاناتي. كنتُ أتقبل كل هذه المشقات لأصنع لنفسي مستقبلاً يليق بطاقتي وطموحي.
لكن الرد على هذا الطموح الشاق جاء بعد عام واحد فقط من التخرج؛ وتحديداً في عام 2018، حين رأيتُ اسمي، إلى جانب أسماء 24 من زملائي وزميلاتي، معروضاً في منشور على منصة "فيسبوك"!
كان المنشور يقضي بـ"كفّ يدنا" وفصلنا الجماعي، وتحويلنا بين ليلة وضحاها إلى "ملاحقين"، تحت تهم معلبة وفضفاضة، من بينها "الانتساب إلى منظمات غير مرخصة".
تهمٌ فُصّلت خصيصًا لمعاقبة رغبتي الطبيعية، كخريجة إعلام، في التدرّب لدى وسائل إعلام محلية تابعة للإدارة الذاتية، أو مستقلة، بصورة مهنية بحتة، لصقل مهاراتي المتواضعة.
اقرأ أيضاً:
تواطؤ البيروقراطية الصغيرة وحاشية المدير
أتذكر تماماً ملامح ذلك اليوم حين ذهبتُ بشجاعة وقوة إلى مكتب مدير المشفى. واجهتُه وطالبتُه بالقرار الرسمي المكتوب، فما كان منه إلا أن تنصّل من المسؤولية، متهرباً، وقال: "أنتِ وزملاؤكِ مفصولون."
وعندما سألته: كيف نُمنع من الدوام من دون قرار رسمي ملموس؟ قال: "لا يوجد لديّ شيء، الأمر جاء من فوق، وأنتم مفصولون."
كان المدير مجرد أداة لتنفيذ الأوامر الأمنية الفوقية، لكن المعركة الحقيقية كانت مع حاشيته المنافقة؛ تلك الحاشية التي ساندت الظلم، ووشَت، واقتاتت على حساب حقوقنا. واليوم، يمارس هؤلاء الأشخاص حياتهم بشكل طبيعي في أروقة المؤسسات، وكأن أيديهم لم تتلطخ بقطع أرزاق 25 أسرة.
وحتى هذه اللحظة، يظل ذلك "المخبر المجهول" الذي كتب التقرير الكيدي بحقنا متوارياً، بعد أن باع ضميره في أقبية الأمن لقاء ثمن بخس.
جدار "الفرع 330" وحصار الأحلام داخل زنزانة الخوف
ولم يكتفوا بقطع أرزاقنا وسلب ثمار تعبنا الأكاديمي والوظيفي، بل فرضوا حصاراً خانقاً على حريتنا وحقنا في التطور.
وفي عام 2019، عندما قررتُ التمرد على هذا الواقع، وشددتُ الرحال نحو دمشق لمتابعة مشواري الأكاديمي ونيل شهادة الماجستير في كلية الإعلام، ارتطم طموحي بجدار "الفرع 330"، فرع الأمن العسكري. وجدتُ نفسي مطلوبةً وملاحقةً وممنوعةً من السفر والحركة.
أرادوا سجن أحلامي داخل حدود الخوف والترقب، وتحويلي من مشروع باحثة وأكاديمية تسعى إلى خدمة مجتمعها، إلى مجرد "رقم تعميم" في قوائم التهديد والترهيب الأمني.
كانت كل نقطة تفتيش تمثل مواجهة، وكل خطوة خارج المنزل تتطلب صلابة، فقط لأنني تجرأتُ وحلمتُ بمهنة الإعلام وبإكمال دراستي.
شرفاء بضمير حي في زمن تجارة الابتزاز
لقد خضتُ معركة مريرة وقاسية لانتزاع حقي، ولم يكن ذلك هبةً أو منّةً من أحد؛ بل كلّفني سنوات من المواجهة النفسية والمادية والمعنوية.
وفي الوقت الذي تكالب فيه سماسرة الأزمات، وبعض المحامين الذين جرّدهم واقع الحرب من إنسانيتهم، لابتزازنا واستغلال محنتنا وامتصاص ما تبقى من مدخراتنا الشحيحة، لقاء وعود كاذبة بشطب السجل، ظهر بصيص أمل من حيث لا أحتسب؛ محامٍ شريف من مدينة طرطوس، رجلٌ جسّد المعنى الحقيقي لـ"شرف المهنة"، وامتلك ضميراً حياً يندر وجوده في هذا العصر.
كسر هذا المحامي كل الحواجز والقيود، ولم يشبه تجّار الحقوق والآلام في شيء؛ وقف إلى جانبي بإنسانية بالغة، مترفعاً تماماً عن الحسابات المادية والجشع الأعمى. وبجهوده المخلصة والنزيهة، انتزعتُ أخيراً، في عام 2023، بياناً قطعياً بالدعوى من محكمة الإرهاب في دمشق، يُسقط التهم الباطلة ويزيل إشارة "منع المغادرة".
وبجهدي الخاص، وصمودي، ورفضي الانكسار، ورغم المنظومة التي حاولت سحقِي، أقف اليوم معيدةً في جامعة "روج آفا"؛ أُدرّس الأجيال، وأزرع الشغف في قلوب طلابي، رغم أنف من أرادني خلف القضبان أو مشرّدةً بلا وظيفة.
تبييض السجلات وتلميع الحكام الجدد على حساب الآلام
والتساؤل الأكبر والأخطر اليوم هو: ماذا يعني هذا الإلغاء الشامل؟
إن هذا الإلغاء لا يأتي، في قراءتي، كصحوة ضمير حقوقية متأخرة، ولا كاعتراف بالخطأ الشنيع الذي ارتُكب بحق الآلاف، بل يأتي كخطوة سياسية براغماتية ومدروسة من منظومة الحكومة الانتقالية المؤقتة في دمشق، التي تحاول، بشتى الوسائل، غسل تاريخها العسكري الطويل، واستبدال السواد بارتداء ثوب الدولة المدنية والمؤسسات والقضاء النزيه، فقط لتبدو بمظهر المقبول والمؤهل دوليًا وإقليمياً.
إنهم يدركون جيداً أن تفكيك مسالخ النظام السابق الاستثنائية، وشطب مخلّفاتها القضائية، هو أقصر الطرق وأسرعها لتقديم أنفسهم كبديل شرعي وحضاري، فضلاً عن أن إلغاء هذه القوانين الفضفاضة قد يحميهم هم أنفسهم من أي ملاحقة مستقبلية بالتهم ذاتها.
لكننا لسنا مغفلين، ولن تُطمس عقولنا ببروباغندا التغيير؛ فالشارع السوري يدرك تماماً كواليس هذه النوايا، ويعلم جيداً أن إسقاط لوحة المحكمة عن الجدار، وشطب القيود إلكترونياً، لا يعني بالضرورة سقوط عقلية الإقصاء والتعسف الأمني، ما لم يرتبط ذلك بضمانات حقيقية وعلنية ودولية، تمنع إعادة إنتاج القمع والاعتقال بوجوه جديدة ومسميات مختلفة.
مفهوم العدالة الانتقالية الحقيقية
لذلك، نرفع الصوت عالياً لنقول: إن العدالة الانتقالية الحقيقية ليست مجرد حبر على ورق، وليست تعديلاً تقنياً في السجلات الإلكترونية يمحو التهمة بعد أن أكلت سنوات الشباب وأهدرت الفرص، وليست ورقة رابحة تُستخدم في بازار السياسة لكسب نقاط دولية.
العدالة الحقيقية والناجزة لا تبدأ قبل الاعتراف الصريح بالمسؤولية والاعتذار العلني والمباشر لجميع الضحايا؛ بل تبدأ بمحاسبة المخبرين الذين قدّموا تقارير كيدية، ومساءلة الجهات الأمنية التي استغلت سلطتها لابتزاز البشر وسلب حرياتهم.
العدالة تعني جبر الضرر الشامل، والتعويض المالي والمعنوي الكامل عن كل راتب سُلب، وعن كل فرصة تعليم تأخرت أو ضاعت سنوات، وعن كل ليلة تعسف عشناها تحت رحمة تعاميمهم الجائرة.
صمود الأرواح في وجه المقصلة
لقد استعدتُ حريتي، وجوازي، ونظافة قيدي بمالي وصبري وعرقي، قبل سنة كاملة من صدور هذا القرار، وبنيتُ مسيرتي الأكاديمية الجديدة بعيداً عن مؤسساتهم في دمشق، وأمارس دوري اليوم بكل فخر كصحفية. أنا لا أطلب منّةً من أحد، ولا يسعدني العودة إلى وظيفتهم القديمة التي سلبوها مني عام 2018.
لكنني أكتب اليوم بلغة الغضب الساطع، وبلغة الحق الذي لا يموت، لتوثيق هذا الإرهاب المؤسساتي المنظّم الذي مورس ضدنا، وللتأكيد على أن تبييض السجلات المتأخر، لتلميع صورة الحكام الجدد، لن يمحو أثر الجريمة، ولن يداوي الروح التي هُشّمت، ولن يعيد الأيام التي ضاعت في دهاليز التقارير الكيدية والظلم المستبد.