معضلة الصحوة

كانت دعوة للصحوة؛ للعودة إلى الوطن. كانت محاولة لإحياء جذور الهوية التي تربط كل مكونات الوطن السوري، ومحاولة تذكير بمقتضيات تلك الهوية التي تمسّك بها ما سميّته "المكوّن الأكبر" (المكون السني السوري) طيلة 14 عاماً، قبل أن تطويها نشوة الوصول للسلطة. دعوة الصحوة هذه ليست انتقاصاً من كرامة، بل هي رغبة بالنجاة للجميع وليس لجزء من هذا الجميع فقط. كانت دعوة لمراجعة الذاكرة، لمراجعة الضمير: هل يعقل أن يصبح المكون الأكبر في سوريا أداة لمنهج الظلم، وهو الذي يفترض أنه قد عانى مرارة الظلم من قبل؟ أيعقل أن ينسف أبناؤه ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم بأيديهم؟ ربما كان لنشوة الوصول إلى السلطة أثرٌ بالغ في تغيير أفكار أبناء هذا المكون تجاه الظلم، لكن المستغرب حقاً هو أن يكون لذلك أثرٌ يقودهم إلى الانقلاب على قيم ميّزتهم ليركنوا إلى الظالمين ويهادنوا الاستبداد الذي ارتدى عباءة الدين زوراً.
إنها بالفعل دعوة للصحوة ببعدها الوجودي، قائمة على نية صادقة ورغبة في صون الهوية من التحلل والذوبان. رغبة تقارع يومياً ذلك الواقع الذي يصعب تصديقه؛ بأن مكوّن الوطن الأكبر نسي أو تناسى مبادئه التي هتف بها، ودفع لأجلها الشهداء. رغبة تقارع الصدمة من تغيّر القيم التي لأجلها امتلأت معتقلات الأسد بمعتقلين من هذا المكون بالذات. رغبة تقارع كل يوم وكل لحظة آلاف الأبواق المأجورة التي تدعي التمثيل، وتدعي حسن القرار والاختيار.
تلك الأبواق ومن والاها تكابر لترفض دعوة وطنية مخلصة من "درزيّ" لم يعرف نفسه درزياً قط، بل عرّف ذاته في مرآة المظلومين جميعاً؛ حتى إذا داهمه الجرح باسمه، أدرك أنّ الهوية التي كان يتخطّاها قد غدت جرحه الأعمق وعنوان قدره. أجل. أنا ذلك الدرزي وبكل فخرٍ لم أعرّف نفسي يوماً بمنطق الانتماء الطائفي الضيق، بل بمنطق إنسانيتي ومظلوميتكم ومظلومية كل إنسان يحمل هوية سورية؛ غير أن استهدافكم الحاقد لانتماء الدروز إلى سوريا عندما صار موضع قمعٍ، جعلني أكتشف أن ما كنت أترفّع عنه صار قدراً لي، لكنني لم أفقد إنسانيتي أولاً، وجذوري الراسخة في وطني ثانياً، فسخرت وجداني وقلمي لدعوة إلى الصحوة...
لقد كان جرحي بعمق جرح السويداء من إرهاب أسيادكم، وبعمق جرح خذلان أبناء الهوية للسويداء ولأهلها، لكنني لم أكن يوماً أختزل الوطن بحفنة من ماسحي البلاط في القصور، فأنتم أيها الأبواق؛ ذلك الغبار العابر على حذاء الوطن. غبارٌ أخسُّ من أن يعمي مخلصاً صادقاً لا يقلقه عداؤكم وحقدكم. غبارٌ لن يُنقص همتي على إبراء ذمتي أمام الإسلام وأمام أبناء وطني الأنقياء. هو ذات الغبار الذي لم يُثنِ الفارس الدرزي شكيب أرسلان، الذي وقف تجاه الإسلام والوطن موقفاً لم يفعله كثير من الذين يدعون باطلاً أنهم يعتنقونه.
اقرأ أيضاً:
الإسلام البريء، والمشوهون، والمستسلمون: إنها العتبة الأخيرة أمام فشلٍ محتوم
ليست المعضلة فقط في (إرهاب الجولاني وإجرام مرتزقته)، بل في تلك الأبواق التي تخرج من صميم مكون سوريا الأصيل. تلك الأبواق التي تصر على المكابرة وتصم آذانها وآذان من يتلقى سمومها عن أي صوت ناصح إذا لم ينبع من صفوفها، أو يحمل هويتها الوضيعة. وما يزيد من خطورتها أنها تتحول لآلية دفاعية حاقدة ضد كل نداء يأتي من خارج المنظومة الطائفية، وكأن النصح إذا صدر على لسان "درزيّ" يفقد مشروعيته، حتى لو كان صرخة في وجه الاستبداد والدم والإجرام والإقصاء. هنا، يستفيق الوعي، ليدرك بأن من اعتاد المهانة والعبودية للطغاة، لن يستثني من حقده أحد، حتى لو كان من بيئته وهويته الطائفية. لكنني أعيد وأذكر بأن مبادئ الإخلاص والإنسانية لا تتجزأ بالنسبة لي، ليس كما هو الحال بالنسبة لعبيد السلطان الذين يدينون الجريمة بناء على هوية الضحية.
الهروب إلى الأمام باتجاه الهاوية
إن العقلية السياسية الجمعية لنسبة كبيرة من (المكون السني السوري) ، كما هو واضح في موقفها الراهن، يكاد يختزل في معادلة مغلقة مفادها أن الحقيقة لا تُقبل إذا حملها الآخر طائفياً، بل ترفض شكلاً ومضموناً لمجرّد أنها صدرت عن "شخص مغاير". هنا تتجلى المفارقة، حيث تُرفع راية الإسلام بأيادي من خانوه، ويُنكر الخطاب الصادق المسؤول لا لخلل فيه، بل لأن صاحبه خارج صيغة الاصطفاف السني. هذه الصيغة التي نسفت مظلومية 14 عاماً من ظلم وقمع الأسد، وتضاعف عزلة هذا المكون الأصيل، وتغلق أمامه إمكانات التصحيح الداخلي.
جميع المكونات فقدت ثقتها بعدالة من يدعي من (هذا المكون السني) بقدرته على لم الشمل، وبكفاءته لإقامة دولة العدل والحرية التي تشمل الجميع. والسبب بشكل أساسي مرتبط بتأييد غالبيته لمن أوغل في دماء السوريين، وباصطفافهم مع إرهابي لا يدخر جهداً لتشويه صورة الإسلام والمسلمين أمام الجميع. مرتبط بإذعانهم لمن فرّقهم عن أخوتهم، ومرتبط بإيلاء أمرهم لمن بالباطل يدعي تمثيلهم، فباتوا يستميتون للدفاع عنه.
أولئك المذعنون، وحفنة الأبواق المتحدثة باسمهم لم تجد ما تواجه به صوت الحق سوى الطعن في أصله ومرجعيته، لذلك لا تدخر جهداً وفي كل مناسبة للتذكير برفع علم أجنبي في السويداء، أو بمطالبة بالحماية من المجتمع الدولي تجاه الإجرام والإرهاب، لتقول وباستهزاء: انشغل بعلمك الجديد... منطق جبان ليس سوى هروب من مواجهة الحقيقة، فبدلاً من مقارعة الحجة بالحجة، يلجأون إلى وصمه بالانفصال أو الارتهان، وكأنّ وجود علمٍ مرفوع في لحظة ما يكفي لنسف صدقية النداء إلى العدالة والحرية، متناسين أن جرائم سيّدهم، وجرائمهم وإرهابهم لم يبقي خياراً أمام المظلومين سوى أن يطالبوا بحماية من ذئاب متوحشة لا تنتمي للإنسانية بصلة. هنا تتجلى خطورة الأبواق؛ فهي لا تدافع عن هويةٍ أو ثوابت، بل عن سلطةٍ تستمد وجودها من إسكات أي صوتٍ يذكّرها بجرائمها.
لم أكن يوماً "درزياً تحت علم" سوى علم وطني. ولكن جرائمكم وجرائم مولاكم الجديد جعلت مني ومن كل حر شريف شاهداً على الظلم، وناطقاً باسم من عانوا من الاستبداد، وعندما أخاطب مكون سوريا الأكبر لكي يصحو، فإنني لا أفعل ذلك من موقع الخصومة أو المساومة، بل من موقع الحفاظ على مبادئي، ومن موقع التذكير بأن الصمت على الارتهان لعصابة إرهابية هو المسار المحتوم إلى الهاوية.
الحق المنتصر بذاته
لست بموقع الدفاع عن الحق، فهو لم يكن يوماً إلا منتصر بذاته. لكنها فقط دعوة أخرى لاستفاقة الضمير إن كان لا يزال موجوداً، بأن الاستمرار في إسباغ الشرعية على جرائم عصابة إرهابية ومستبد جديد، ودعمه والتمسك به لن يفضي إلا لمزيد من الانحدار، وما كان الإسلام ليقبل أن يُستباح الناس تحت مسمى "حكم شرعي"، وما كان لشرع الله أن يرضى بدعم الظالمين أو الارتماء في أحضان مستبدّ دموي. وإن من يصرّ على دعم هذا المسار إنما يخالف صريح الدين، ويُسقط عن نفسه غطاء الشرعية الدينية والسياسية، ويضع مكوّنه برمّته في مواجهة التاريخ.
ألم يعد واضحاً لكم أن ما يحدث على يدي هذه العصابة إنما يروق لمن يريد تشويه صورتكم وصورة الإسلام؟ ألم تصلوا إلى القناعة بعد بأن ما يحدث يروق لهذا الإرهابي الذي تسلق على مظلوميتكم، ويتمسك بالسلطة ليرسّخ استبداده؟ ألم تيقنوا بعد بأن لبعض الدول (عربية وأجنبية) مصلحة في لصق هذه الطغمة المجرمة بالأكثرية السنية، وأنها استأجرت هذه العصابة لتمرير أجنداتها؟ أليس فيكم رشيد يعلمكم بأن هذا الإرهابي وعصبته مستعدون للتخلي عنكم في سبيل مصلحتهم، وأن من يمنحه الشرعية اليوم ويبارك جرائمه سيكون ضحيته التالية.
لمن بقي لديهم ضمير
لقد بات واضحاً أن تأييدكم الأعمى لهذه العصابة، ومشاركتها في الإجرام أو التغاضي عنه ليس إلا ترسيخاً لمسؤوليتكم الأخلاقية والسياسية التي ستظل تلاحقكم، ما لم تقطعوا خيوط التواطؤ، وتتبرّؤا علانية من مشروع الاستبداد والإرهاب الجديد. لأن صدمتكم بالانهيار ستكون مفجعة.